الإسلام والآخر

منذ 2021-09-17

حين يُقلِّب المرء ناظرَيه فيما حواليه من مِلل ونِحل، وأهواء ومذاهب، وأفكار واعتقادات، ينطلق لسانُه بكلِّ قوَّة وثبات، وعزيمة وطمأنينة مردِّدًا: "الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة".

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومَن والاه.

 

وبعد:

فإنَّ مِن أجلِّ نِعم الله على كل مسلم أنَّه "مسلم"، وكفى بها نعمة.

 

حين يُقلِّب المرء ناظرَيه فيما حواليه من مِلل ونِحل، وأهواء ومذاهب، وأفكار واعتقادات، ينطلق لسانُه بكلِّ قوَّة وثبات، وعزيمة وطمأنينة مردِّدًا: "الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة".

 

وحين يتأمَّل الإنسانُ مصيرَ هذه الفِرق كلِّها - قريبها وبعيدها، قاصيها ودانيها - ويعرف أنَّ ذلك كلَّه إلى نار مُستعِرة ملتهبة، وجحيمٍ خالد مقيم، حينئذ يُدرك عن كثَبٍ قدرَ نعمة ربِّه عليه، ويخفق قلبه بخفقات صداها في النفس: "الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة".

 

وحين يتفكَّر العاقل في وظيفة العقل وعمله، وأنَّه إنَّما هو هبة إلهيَّة، ونور رباني يضيء للإنسان طريقَ الحق، ويكشف له عن زَيْف الباطل وبهرجه.

 

وحين يوغل المرء بفِكره في عالَم الأسرار بُغيةَ أن يستكشف معالِمَه، ويحلُّ ألغازه، وينتزع منه آياتٍ يأتي بها إلى عالَم الشهادة، فينقلب إليه الفِكر خاسئًا وهو حسير.

 

آنذاك يوقن المرءُ أنَّه - كما قال مولاه جلَّ جلاله -: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].

 

فإذا حصل له ذلك اليقين وخالطت بشاشتُه قلبَه، انطلق قلبُه ولسانُه مردِّدًا: "الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة".

 

وحين يتأمَّل الإنسانُ الحياةَ البشريَّة مِن حوله، فإذا فيها أكثرُ من ستَّة مليارات من النَّسَم، وإذا فيهم أكثرُ - قليلاً - من المليار هم المؤمنون بالله الواحد الأحد، وكلُّ مَن سواهم كفَّار على مِلل شتَّى، وإذْ يرى المسلمُ نفسَه بفضل العليِّ الوهاب من الموحِّدين.

 

إذَّاك يَوجَل القلب، ويخشع الفؤاد، وتبتهج النفس، ويدرك المرء قدرَ نعمة ربِّه - سبحانه - عليه.

 

ومهما أَجهد الإنسان ذاتَه في تَعداد أوجه هذه النِّعمة العظيمة، فلن يحصيَها عدًّا، فلَهِي - والله - أعظمُ نعمة، لا يَعْدِلها شيء في الوجود، وكفى بها نعمة.

•       •         •

 

رُزِقَ إنسانُ هذا العصر قوَّةً في الفِكر الإبداعيِّ، وعمقًا في النظر إلى المادة وأسرارها، وهِمَّة عجيبة في اكتشاف حقيقتها، واستكشاف معالمها، واستخراج كنوزها، وحسًّا علميًّا دقيقًا نَجَم عنه كلُّ ما نراه من تقنيات ومخترعات ومكتشفات، ومبتكراتٍ يُقلِّبُ الإنسانُ فيها بصرَه عجبًا؛ لدِقَّتِها وكفاءتها وطواعيتها.

 

ولكنَّه - مع هذا التقدُّم العمليِّ والفكريِّ المذهل - متخلِّفٌ علميًّا وفكريًّا بصورة مذهلة أيضًا! وليس ذلك من قبيل السَّفسطة والتلاعب بالعقول، فإنَّ الواقع أصدقُ شاهد لِمَا أقول، أليس روَّاد هذا التقدُّم الماديِّ هم الذين كفروا بالإله الخالق، وجحدوا نعمته، وتصدَّوا للحقِّ بلا فِكر ولا عقل؟!

 

أليسوا مَن سبُّوا الأنبياء، ونسبوهم إلى كلِّ نقيصةٍ ورذيلة؟!

أليسوا مَن أشاعوا الرذائل والفواحش في كلِّ شِبرٍ من بلادهم؟!

 

إنَّهم - في الجملة - ثلاثة:

إمَّا نصارى؛ يؤمنون بآلهة ثلاثة على نحو مُضحك مُبْكٍ، على ما سنوضِّح.

 

وإمَّا يهود؛ يؤمنون بإلهٍ خاصٍّ بهم، وهم شعبه المختار، ويصفون هذا الإلهَ بصفات النقص والضَّعف والذلة والهوان، ولا ينفون وجودَ آلهة أخرى لغيرهم، وينسبون الأنبياء إلى ما لا يليق إلاَّ بأفجر إنسان، وأفسق بشر وُجد على ظهر البسيطة، ويعيثون في الأرض فسادًا ودَمارًا، وقتلاً وتشريدًا، وسفكًا ونهبًا، و...كفرًا.

 

وإمَّا شيوعيُّون؛ يروْن أنَّه لا إله إلاَّ الطبيعة، ولا خالق سواها، وإنَّما هي كل شيء، وأنْ ليس ثَمَّ سوى المادة فلا شيء وراءَها، وأن الإنسان هو الذي خلق "الله" - نعوذ بالله من الكُفر - وأنَّه - تعالى - خرافة ابتدعها الأوَّلون، وورثها الآخِرون، ومن ثَمَّ فلا نبي، ولا دين، ولا آخرة، ولا جنَّة، ولا نار، ولا غير ذلك.

 

وإمَّا وثنيُّون وغيرهم؛ فمنهم من يَعبد حجرًا، ومَن يعبد بشرًا، ومن يعبد بقرًا، ومن يعبد عنزًا، ومن يعبد فأرًا، ومن يعبد النار، وغير ذلك.

 

ومِن العجائب المُعجِبة أنَّ أولئك الذين يؤمنون بإله - ولو بوجهٍ ما - لا يفترقون عن هؤلاء الملحدين الجاحدين في كبير معنى!

 

وذلك أنَّهم في حياتهم المشهودة لا إلهَ لهم أيضًا سوى المادة والشهوة، فلا سُلطة لإلههم على شيء من شؤون حياتهم، وإنما هو كقطعة أثاثٍ عتيقة ذات طِراز أنيق وضعتْها الجَدَّة الكبرى في زاوية من البيت، فكلُّ أفراد العائلة تحترم هذه القطعة، وتقدِّسها وتتحدَّث عنها وتُطريها، أو كأثرٍ من الآثار التي تنصبها الدول وتَحفُّها بهالةٍ من التعظيم والتقديس لتعلُّقها بحضارة تليدة، أو مجدٍ غابر، أمَّا أن يكون لهذه أو تلك أثرٌ يُذكر في توجيه سياسة الدول أو تدبير حياة العائلة، فهيهات هيهات!

 

فهؤلاءِ هم أهلُ الحضارة والتقدُّم والتقنيات.

 

 

سَمَتْ أفكارُهم وعقولهم وتدابيرهم إلى أَوج سموِّها، وارتكستْ في الوقت ذاته إلى حضيض دُنُوِّها وسُفْلِها.

 

إنَّهم كانوا سببًا في تقدُّم المادة من حولهم، مع أنَّهم - هم أنفسهم - في تذَمُّرٍ وتخلُّفٍ وانحطاطٍ وتراجع.

 

وإنَّ المرء ليعجبُ من عقولهم تلك؛ كيف لم تتعثَّر في مزالق خرافاتهم وأساطيرهم السَّمجة؟!

 

ويعجب أيضًا من أفكارهم التي غاصتْ في أغوار أسرار المادة؛ كيف لم تَهْتَدِ إلى توحيد الواحد الأحد؟!

 

ويعجب كذلك لبحثِهم الدَّقيق؛ كيف لم يتوجَّه لبحثِ حقيقة المنشأ والمصير؟!

 

وكيف... وكيف...إلخ.

 

علامات استفهام كثيرةٌ تترك العاقلَ في حَيرة، وتلدُّدٍ ودهشة.

•       •         •

 

رأيتُني أتجوَّل يومًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب بين المكتبات التي تنشر التراث الإسلامي، وأستعرض الجيد ممَّا أنجبتْه قرائحُ المتقدِّمين والمعاصرين من علماء الإسلام في شتَّى فنون المعرفة الدِّينيَّة، وكلَّما فتحتُ كتابًا وتصفحتُه شعرتُ أنَّ عالمًا من المعرفة الثمينة يُفتح أمام عيني، وشعرت بالثِّقل العلمي لهذه المعارف والعلوم، وأحسستُ وأنا أتصفَّح العناوين والأسامي بأنَّ سيلاً جارفًا، وبحرًا ثائرًا من الأفكار والمعاني يتدفَّق في ذهني، ويعتمل في أعماق لبِّي.

 

واستخفَّني شيء ما - لستُ أدري ما هو - فحملتْني قدماي إلى "دار الكتاب المقدَّس"، فما أن وقع بصري على تلك المكتبة حتى شعرت أنَّ عالمًا من الأوهام والخرافات فُتِح أمام عيني، وشعرت بالخِفَّة العلميَّة والطَّيشِ الأدَبي، وأحسسْتُ بتيَّارٍ هادئ من الهواجس والخزعبلات، والأراجيف والترهات، والأساطير والأوهام يَسرِي في أعماق نفسي.

 

وأمامَ نظراتِ البائع - التي ويْكأنَّها تقول لي: تعالَ أيُّها الشيخ - لم أملك سوى أن أدخل المكتبة، وكان أوَّل كتاب وقع عليه بصري قريب من أربعمائة صفحة من القطع الصغير، في غِلاف زيْتيِّ اللَّون، وعليه صورة رَجلٍ وسيم، ذي لحيةٍ وشعر وشارب طِوال، ووجهٍ مستطيل أبيضَ مُشْرب بحمرة، وخلْفَه ما لعلَّه يكون غابةً كثيفةً، أو حديقة متشابكةَ الأفنان.

 

أوَّل ما وقع في روعي هو أن يكون هذا كتابًا كباقي الكُتب التي يطبع مؤلِّفوها صورَهم عليها، لكنِّي - ويا للعجب - وجدتُه مرقومًا عليه "الإنجيل..العهد الجديد"!

 

كانت مفاجأةً غريبة عجيبة؛ لأنَّ أي كتاب يقدِّسه أصحابُه فمِن المنتظر أن يُطبع طبعةً توحِي بالإجلال والتقديس والتعظيم، لا أن يُطبع طبعة توحي بالحَداثة والمَرح والخِفَّة.

 

وعمومًا، كنت أريد أن آخذَ أيَّ شيء، وأخرج من هذا الجوِّ الذي أعلم أنَّه "غثاء محض"، فاشتريتُ هذا الكتاب بجنيهٍ واحد!! وأُهدِيتُ معه مطويةً مستطيلةً في خمسة أعمدة، مسطور على طُرَّتِها "من هو المسيح؟".

 

أخذتُ أتتبَّع عنواناتِه في شغَفٍ بالغ، في قراءة خاطفة، وأنا عازم أن أقرأَه كلَّه من ألِفِه إلى يائه، لست أدري ما الذي بعثني إلى اتِّخاذ هذا القرار الغريب، رغم كوني أوقِنُ يقينًا راسخًا أنَّه ليس كلامَ الله، وأنَّه ليس فيه من الحق إلاَّ كما يأخذ المِخيط إذا أُدخل البحر، وإنَّما لعبتْ فيه يدُ التغيير والتحريف والتبديل.

 

بيْدَ أنِّي نظرت إليه على أنَّه لون من ألوان الثقافة العالميَّة، فهو يمثِّل اعتقادَ أمَّة ضخمة، فلا بأس بقراءته لجِدَّته، وغرابته، وعراقته - بالنسبة لي على الأقل - وأيضًا من باب التعرُّف على "الآخر" عن كثب، هكذا ظننت!

 

ولمَّا أن استقر بي المقام شرعتُ في القراءة، فلمَّا قرأت صفحة وبعضَ صفحة خامرني شعورٌ بالملل، واعتراني إحساس بالسآمة عظيمٌ جدًّا، وازداد الشعور ضراوةً حتى أغلقتُ الكتابَ ولم أُكمل.

 

ثم إني كلَّما أخذتُ هذا الكتاب لم أستطع قطُّ أن أقرأ أكثرَ من صفحة واحدة.

 

عجبتُ لذلك قليلاً؛ لأنَّه ليس قانون نفسي في القراءة، فلا أملها، ولا أسأم، ولا أضجر منها - هذا غالب أمري بفضل الغنيِّ الوهاب - فمِن الغريب أن تفتُر همَّتي بقراءة صفحة واحدة، أو أكثر قليلاً.

 

ثم بمعرفة السبب زال العجب.

 

 

والسببُ هو أنَّ الكلام تالفٌ وغثٌّ وركيكٌ جدًّا، والمعاني منفكَّة، وآتية على غير نظام، وعلى غير ترتيب عقليٍّ سليم، وعلى غير تناسُق.

 

لقد قرأتُ كتبًا لفلاسفةٍ من الملحدين الهالكين، ووجدتُ كلامَهم أقربَ في العقل، وأبلغ في المنطق من هذا الكلام الذي ينسبوه زورًا وبهتانًا إلى ربِّ العالمين - جلَّ جلالُه.

 

ولو أنَّ هؤلاء القوم أَوْعَزُوا إلى فيلسوف محترفٍ أن يضع لهم "كتابًا مقدَّسًا"، لكان أجملَ من أن يفتروا على الواحد الأحد - جلَّ شأنُه - والكفر كلُّه مِلَّة واحده.

 

ثم إنِّي تصفَّحْتُه بعدُ فوجدتُه أشبَهَ بكتابٍ تاريخيٍّ - ابتُلي مصنِّفُه بضعْف في التأليف - منه بكتاب مقدَّس أنزله ربُّ العالمين هدايةً للبشرية، ونورًا ورحمة.

•       •         •

 

صوَّر محرِّفوه المسيحَ - عليه السلام - في صورةٍ منفِّرة جدًّا من خلال سَوْقِهم لأسطورة الصَّلب التي اخترعوها.

 

قرأتُ كلامَهم وتمثَّلتُ عقيدةَ المسلمين في المسيح - عليه السلام - فإذا الإسلامُ قد أنصفه، وأعلى قدرَه في الوقت الذي هضمه النصارى، وبخسوه مكانتَه وحطُّوا من منزلته.

 

فقد قال الإسلامُ قولَ الحق؛ وهو أنَّه - عليه السلام - وُلِدَ لأمٍّ شريفة صِدِّيقة بتول طاهرة، بغير أبٍ فتكلَّم - بإذن الله - في مهده، وأفصح عن كونه عبدًا لله ونبيًّا من عنده، ثم عاش بعدُ عِيشةَ الأنبياء الدُّعاة من أُولى العزْم، يدعو إلى توحيد ربِّه - جل شأنُه - وأيَّده بالمعجزات العظيمة، فلمَّا كاد به اليهود، وأرادوا البطشَ به لم يشأ الله إهانتَه، وهو الذي شرَّفه صغيرًا وكبيرًا، فرفعه الله - تعالى – إليه، وشُبِّه لهم رجلٌ آخرُ، فصلبوه وقتلوه.

 

 

فعيسى - عليه السلام - هنا في اعتقاد كلِّ مسلم نبيٌّ كريم عزيز، رفيعُ القدر، عالي المنزلة.

 

أمَّا النصارى:

فقد زعموا أنَّه - عليه السلام - ابنُ الله، جاء لفداء البشريَّة وخلاصها من خطيئتها، وأنَّه قُبض عليه، وسُلِّم للمحاكمة، وتظاهَرَ الشَّعبُ كله على قتله وصلبه، وكان أهونَ عندهم من كلِّ المجرمين، وخَذَله تلاميذه وأنكروه، وسِيق للصَّلب مع مجرمَيْن، ولُطِمَ ولُكِم، وبُصِقَ عليه، وغُطِّيَ وجهُه، وسُخِر منه، وأُهينَ أبلغَ إهانة، وزُجر وعُنِّف وأوذي.. إلخ.

 

ثم سُمِّرتْ يداه على الخشبة - الصليب - وهو جوعان عطشان يستغيث: إلهي إلهي؛ لماذا تركتني؟! وسُقِي الخلَّ، وماتَ على خشبته تلك بعدَ أيَّام ولياليها من العذاب والذُّل والهوان، ثم قُبِر على استحياء وفي خفاء، ثم قام بعدُ ورُفع إلى أبيه إلى السماء، وبذلك تخلَّصت البشريَّة من خطيئتها!!

 

ثم - ويا لَلْعجب - عبدوه، وجعلوه ربًّا خالقًا مدبِّرًا، وإلهًا معبودًا بعدَ كلِّ هذا الذل وتلك المهانة!!

 

فلو أنَّهم اعتقدوا فيه اعتقادَ المسلمين، ثم زعموه ابنًا لله - تعالى وتقدَّس - لَكان ذلك واللهِ أبلغَ في العقول، وأقربَ إلى المنقول، وأوجهَ في الحسِّ، وأجملَ وأرقى.

 

ولكنَّهم اجتمعتْ لهم خسَّتان؛ فزعموا أنَّ لله ابنًا، وزعموا أنَّه ابنٌ ذليلٌ مهانٌ معذَّب.

 

 

كما أنَّه اجتمعتْ للحق فضيلتان؛ أولاهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4]، وثانيتُهما: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157].

 

خطرتْ لي فكرة جريئة، لعلَّ مَن تدبَّرها ظهر له وجهُ الحق أبلجَ ناصعًا.

 

مؤدَّاها أنَّنا لو نظرنا نظرةً تجرَّدنا بعقلنا الخالص مع استبعاد كلِّ موروثاتنا وأفكارنا ومعتقداتنا، لوجَدْنا أنَّ عقيدة الإسلام قائمةٌ على بناء عقلي محكَم راسخ، ثابت الأركان لا يتزعزع.

 

وذلك أنَّنا لو تخيلنا أنفسنا - نحن البشرَ - في فترة من الرُّسل، وليس بيننا كتاب إلهي يُبيِّن لنا الحق، ويرشدنا إلى الصواب، وليس معنا شيء من عِلم الكتاب وتراث الأنبياء.

 

ثم إنَّه - من جهة كوننا متدينين بالطبع والفطرة - تاقتْ نفوسنا، واشتاقت قلوبنا، وتحرَّكت عقولُنا إلى التديُّن بأي دِين يُشبع هذه الفطرةَ المتأصِّلة فينا، فقامت منا فئاتٌ من المفكِّرين والفلاسفة، فوضعتْ كلُّ فئة منها فلسفةً لدين يكون هو دينَها وشريعتَها، وفصَّلت في هذه الديانة الوضعيَّة كلَّ ما يهمُّ الإنسان من أمور اعتقاده وحياته ومعاده.

 

فكان من هذه الدِّيانات الموضوعة دينٌ فيه:

أنَّ هنالك إلهًا واحدًا، وربًّا واحدًا لهذا الكون كلِّه، وهو المالك الوحيد لهذا الملكوت الممتد، وهو المتصرِّف الأوحد فيه، ولا شريكَ له في ذرَّة من ملكوته الرحب.

 

وهذا الإله الواحد موصوفٌ بكلِّ صفات الجمال والخير والكمال، والعزَّة والقدرة والعلم، ولا يتَّصف بصفة قطُّ من صفات النَّقص أو الذلِّ، بل هو أسمى وأجمل وأقدس وأعظم من كلِّ شيء.

 

وقد خلقَنا هذا الإلهُ الواحد لنعبدَه وحدَه، ولا نعبدَ أحدًا سواه.

 

وبعد الموت هناك جنَّة نعيم لِمَن أطاعة وعبده، ونار جحيمٍ لِمَن عصى.

 

ودين آخرُ فيه:

أنَّ ثمةَ آلهةً ثلاثة: أبٌ، وابنٌ، وروحٌ قدسٌ رسول.

 

خَلَق الأبُ أبا البشر، فأخطأ خطيئة كبيرة، فغضب الربُّ وطرده من الجنَّةِ، وظلَّت هذه الخطيئة عالقةً برقابِ ذريَّة آدم من بعده، ولمَّا أراد الأب أن يغفر للبشر خطيئتَهم بعث ابنَه إليهم، فعاش بينهم كما يعيش الناس، يأكلُ ويشرب ويتغوَّط ويتمخَّط ويمشى في الأسواق و... و... إلخ، إلى أن حانت ساعةُ الخَلاص والفداء، فسلَّط الأب على الابن جمعًا من البشر، فقبضوا عليه، وتظاهروا على قتْلِه وصَلْبه، وكان أهونَ عندهم من كل المجرمين، وأنكره أقربُ أصحابه وخذلوه، وسيق للصلب مع المجرمين السارقين، وصفع، ولُكم، ولُطم، وبُصق عليه، وأوذي، وغُطِّي وجهُه وسُخر منه، وأُهين، وزُجر، وعُنِّف، ثم سُمِّرتْ يداه على الخشبة بين مجرمَين، وهو جوعان عطشان ينادي ويصيح، ويصرخ، ويستغيث، فسقَوْه خلاًّ، وأبقَوْه على خشبته حتَّى مات.

 

وبهذا تمَّ الفداء والخَلاص من الخطيئة، فمَن آمن بذلك فمصيرُه النعيم المقيم، ومَن كفر فمصيرُه الجحيم، وبئس المصير.

 

وأقول لك: انظر بعين عقلك أيُّها العاقل في هذَين الدِّينَين على أنَّهما من وضْع البشر، ومن بُنيَّات أفكار الفلاسفة.

 

أيُّهما أقرب إلى العقول، ومتجاوب مع الفِطرة، ومتآخٍ مع المنطق السليم؟

 

ألا ترى أنَّ هذا الدِّين الأخير أشبه بالأساطير وأحاديث الجَدَّة، التي تريد أن تُنوِّم أحفادها؟!

 

ألا ترى أنَّ الدين الأول أجمل وأوجه؟!

 

انظر بعين عقلك المتجرِّد من كلِّ الموروثات والمعتقدات والأهواء، ولَترينَّ الحق أبلجَ واضحًا، ولترينَّ الباطل أسود مربادًّا.

•       •         •

 

ولنرجع أدراجنا مرَّة أخرى إلى حيث كنتُ في معرض الكتاب؛ لنختمَ مقالتنا بالحديث عن تلك المطويَّة التي ذكرتُ لك شيئًا من خبرها آنفًا.

 

وهي - كما أسلفت - مستطيلة في خمسة أعمدة، مكتوب عليها "من هو المسيح؟".

 

أقول: ثم إنِّي فتحتُ هذه المطويَّة لأقرأَها، فإذا فيها عجب عُجاب.

 

وَجدتُ فيها اثنتي عشرة كلمة في وصْف المسيح - عليه السلام - وهي: "هو الكلمة، هو الخالق، هو الحياة، هو النور، هو الكلمة المتجسِّد، هو الابن الوحيد، هو المخلِّص، هو ابن الله، هو المسيح، هو يسوع، هو الملك، هو ابن الإنسان".

 

وتحت كل وصْفٍ من هذه الأوصاف بضعةُ أسطُرٍ قصيرة في بيان معناه.

 

وفى نهاية المطوية كُتِب ما نصُّه: "هذه القراءات كلُّها من الإصحاح الأوَّل من إنجيل يوحنَّا".

 

فقلت في نفسي: بل هذه التناقضات كلُّها في الإصحاح الأوَّل من إنجيل يوحنَّا!

 

فأنت تراهم قد وصفوه بوصفين اثنين بينهما تناقضٌ واضح جدًّا، فقالوا: "هو ابن الله"، ثم قالوا: "هو ابن الإنسان".

 

فأعِرْني عقلَك وأرشِدني؛ كيف يمكن أن نفهم شيئًا كهذا؟!

 

لعلَّك تقول: اقرأ ما تحت الوصفين من بيان.

 

وقد فعلتُ، فوجدتُ شيئًا أدعى للعجب؛ وهو أنَّه في بيان الوصف الأوَّل أثبتَ أن يوحنا المعمدان شهد أنَّ يسوع ابن الله، وفى بيان الوصف الثاني أثبتَ أن يسوع نفسَه شهد على نفسه أنَّه ابن الإنسان، فأيُّهما نصدِّق؟!

 

يوحنَّا الذي يقول: يسوع ابن الله، أم يسوع الذي يقول: أنا ابن الإنسان؟!

 

وإذا تحتَّم علينا أن نصدِّقهما معًا، فكيف يمكننا أن نفهمَ هذا الكلام؟!

 

وإذا كانت هذه المطوية التبشيريَّة تدعونا إلى النصرانيَّة، فلماذا وضعتْنا في هذا المأزق العقلي، ثم تركتْنا دون أدنى توجيه؟!

 

وإذا كان الكلام مؤوَّلاً وعلى غير حقائقه المعروفة وظواهره المشهودة، فكيف يُبنى الأصلُ الأصيل لاعتقاد أمَّةٍ ضخمةٍ على التأويل؟!

 

ثم إنِّي قرأتُ هذه المطوية، فوجدتُ الكلامَ المُدْرَجَ لبيان كلِّ وصف ليس سوى نصٍّ من الإنجيل، ورَدَ فيه هذا الوصف، فليس بيانًا للمراد منه.

 

ووجدتُ الكلام أشبهَ بكلام فلاسفة الإغريق مع ضعْف في التأليف، وركاكة في العبارة، وخِفَّة في المعاني.

 

ووجدتُ ما في الكتاب والمطوية منسوبًا إلى بشَرٍ، ولم يُنسب منه شيء إلى الله الواحد الأحد.

 

تصفَّحتُ الكتابَ، وقرأتُ المطوية، فقلت في نفسي:

إنَّ المبشِّرين يروْن أنَّ من أهم عوامل التبشير أن يوزَّع الكتاب المقدَّس، ومعه مثل هذه المطوية، ويروْن أنَّ ذلك مما يقرِّب النصرانيَّة للناس، ويُحبِّب الناس في النصرانية.

 

ونحن نرى أن توزيع الكتاب المقدَّس وهذه المطوية على المسلمين له فائدةٌ عظيمة جدًّا؛ ألاَ وهي أن ينظر فيهما كلُّ المسلمين - عامَّتُهم وخاصَّتُهم - ويقول كلُّ واحد منهم بملءِ فيه، وبكل يقين وثقةٍ وإخلاص: "الحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة".

_____________________________________________
الكاتب: يحيى بن عطية الصامولي