وقفات مع قضايا المرأة المعاصرة - (3) هل تدفع المساواة المطلقة مع الرجل الظلم عن المرأة (2)

منذ 2021-10-02

قد تعكس الإحصاءات حجم المشكلة التي وقعت فيها المرأة الغربية بسبب مساواتها بمن لا يشبهها، وتكليفها بأعبائه، وتكليفه بأعبائها، لكنها لا تبين فداحة الخسارة التي تشعر بها نساء تلك المجتمعات

شهادة امرأة غربية:
قد تعكس الإحصاءات حجم المشكلة التي وقعت فيها المرأة الغربية بسبب مساواتها بمن لا يشبهها، وتكليفها بأعبائه، وتكليفه بأعبائها، لكنها لا تبين فداحة الخسارة التي تشعر بها نساء تلك المجتمعات، لذا لابد من الاهتمام بتقييم عقلائهن للواقع الذي يعشنه، وحقيقة الثمرة التي قطفنها.

ودعيني أنقل إليك أخت الإسلام كلام امرأة غربية؛ ممرضة بريطانية ولدت عام 1959م. عاشت طفولتها وصباها في مدينة صغيرة جنوب انجلترا تدعى (قوسبورت) كان أهلها محافظون إلى حد كبير، ثم انتقلت إلى لندن لإكمال الدراسة وعملت فيها.

قدر لهذه المرأة عام 1978م زيارة إحدى الدول العربية المحافظة في ذلك الزمان، وقدر لها أن تتعامل مع بعض المسلمات المتدينات اللاتي لا يخالطن الرجال، ولا يبدين من أجسادهن شيئاً عندما يخرجن. لقد كانت تعتقد جازمة أنهن متخلفات بلا ريب، وأنهن من مخلفات العصور المظلمة بلا شك.

ثم قدر لها النزول عند عائلة مكونة من زوج وزوجة وستة أطفال، فكان مما أعجبها أدب الأبناء واحترامهم لأمهم، مع ما لحظته من عفة المرأة وكرمها، وذكرت مواقف لها تنم عن هذا. ثم علمت الممرضة أن مضيفتها ليست مجرد لبقة مثقفة، بل تحمل شهادات عليا في الفيزياء.

وبعد مدة عرضت عليها أن تذهب معها إلى السوق فوافقت، فما لثبت المضيفة أن جاءت، وهنا عقدت الدهشة لسان صاحبتنا، فقد جاءت المضيفة وقد ارتدت نفس تلك الثياب التي كانت صاحبتنا تظنها من مخلفات العصور الوسطى! وهنا بدأت تلك النظرة السطحية تتغير...

بعد نهاية تلك الزيارة القصيرة للبلد أحست الزائرة بالفرق الهائل بين واقع المرأة في الإمبراطورية العظمى، وواقعها في ذلك البلد العربي، لقد أدركت الفرق بين قيمة المرأة في المجتمع الذي يعد تحرير المرأة من أعظم إنجازاته، وقيمتها في ما يسميه الإنجليز بالمجتمعات البربرية حال كونها أُمّاً موقرة، أو زوجاً مصونة، أو أختاً محترمة. كما عرفت الفرق بين مكانة المرأة في دين الإسلام، ومكانتها في الجاهليات المعاصرة المختلفة على اختلاف مسمياتها، فما كان منها إلا أن بحثت عن نسخة من ترجمة معاني القرآن وقرأتها في ليلة واحدة من الدفة إلى الدفة، ثم قررت أن تدين بالإسلام وذكرت أنها لم تندم أبداً على هذا القرار كما تكرر دائماً، بل تركت عملها الذي يلزمها بترك الحجاب وتفرغت للدعوة إلى الدين الحق، وتسمت سمية.. سمية جيمس.

عملت سمية في منظمة فيرنون الإسلامية، وترأست الحركة الإسلامية في ساوثامبتون 1992-1996م، مثلت بعض المنظمات في عدد من المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة، وشاركت في مؤتمر بكين سنة 1995م.

وإليك الآن موضع العبرة من حديثها، تقول سمية جيمس: "صحيح أننا تخلصنا من كثير من العادات السيئة، إلا أننا فقدنا كثيراً من القيم العالية. صارت العلاقات الجنسية قبل الزواج هي الوضع الطبيعي في المجتمع، الزنا في ازدياد، أما التعفف فهو أمر مثير للسخرية"!

وأستأذن القارئة هنا للخروج عن نص كلامها قليلاً بتنبيه لابد منه: إن ما تقوله سمية هنا ليس مجرد كناية عن انتشار الفساد بل هو حقيقة واقعة. أؤكد هذا بما ساقه الدكتور ليونارد ساكس[1] في بعض كتبه من قصة فتاة في الصف الثالث المتوسط شهدت حفلاً نظمه زملاؤها وزميلاتها، اضطرت فيه أن تستجيب لأحد الفتيان المخمورين رغم بغضها له وخوفها الشديد من التجربة لئلا يتندر بها الحاضرون إن اكتشفوا أنها لا تزال غرة! يقول ساكس معلقاً في آخرها: "الإحصاءات والدراسات تبين أن أحد الأسباب الرئيسة لممارسة الفتيات الجنس في سنوات المراهقة الأولى هو الخوف من العزلة وسخرية الزملاء والزميلات"[2].

ولنعد الآن لما تقوله سمية، قالت: "كلنا يرى بوضح نتائج التنازل عن القيم: النِسب العالية للأمهات غير المتزوجات، معدلات الطلاق، معدلات الإجهاض، وقبول المجتمع التدريجي للوطيين والمساحقات، وانتشار الإيدز.

إن الضرر الأعظم يقع على البنات والنساء، فهن اللاتي يحملن، وهن اللاتي يجهضن، وهن اللاتي يربين الأولاد وينفقن عليهم في ظل دخول متدنية"!.
وهنا أجدني –أيتها القارئة الكريمة- محتاجة لتكرار المقاطعة فأستميحك عذراً فيها فلتتجملي، أما الضرر الأول الذي أشارت إليها سمية، فليس أبلغ من وصف القرآن: {حملته أمه وهنا على وهن}[لقمان: 14]، والمرأة تحتاج خلاله وبعده - كما هو معروف طبياً- لكثير من الرعاية البدنية والعون النفسي، فكيف بمن تفقد كل ذلك إضافة لشعورها بالإثم حتى ولو لم تكن تدين بدين يحرم الزنا؟

وأما عبء تربية الأولاد والثمرة المرة للاستقلال الاقتصادي فيكفي لبيان خطره تصور موت الأب، ونشأة اليتم. فإن الاستقلال الاقتصادي للمرأة ومناهضة التبعية للرجل -ونحو ذلك مما تنعق به تلك المجتمعات- يقضي بتخلص الرجال من عبء الإنفاق على النساء، ثم المرأة مخيرة بين الإنفاق على الأولاد، أو الإجهاض ما دامت غير متزوجة، أما تدني دخول النساء فغالباً لأنهن يكن في بداية حياتهن، مع وجود أسباب أخرى يطول المقام بذكرها.

والآن عوداً إلى سمية إذ تقول: "ربما نالت النساء مزيداً من الحقوق والاستقلال الاقتصادي، أما اجتماعياً فكثير من النساء يعانين أشد المعاناة. وعليّ أن أقول - كذلك -: إن النساء بدأن يتعمدن أن يربين الطفل دون مساعدة من أبيه، بل يقصين الأب تماماً من حياة طفله فيتعرض الرجال بدورهم لنوع من الضرر.

الإنسان مجبول على الرغبة في رفيق يسكن إليه، ويقيم معه أسرة، ولا يوجد نظام محدد [في المجتمع الغربي] يمكن المرء من ذلك....في سنوات المراهقة الأولى كان الفوز بالفتى المناسب هو الشغل الشاغل لي ولكل الفتيات في مثل سني. وفي سبيل ذلك أهدرنا كثيراً من الأموال والأوقات: شراء أحدث الأزياء، الملابس الجذابة، أدوات التجميل، العطور، أدوات تزيين الشعر، والحرص على القوام الرشيق لتكون الواحدة منا أكثر إثارة للانتباه. كنا نكثر من ارتياد الأماكن التي يرتادها الشباب بحثاً عن السيد المناسب 'Mr. Right' ؛ صالات الديسكو، الحفلات، الحانات، أماكن اللقاءات التي تعزف فيها الموسيقى الصاخبة، وتقدم فيها الخمور، وترقص فيها الفتيات سوياً، بينما يتفرج الشباب ثم يحددوا أكثرهن جاذبية وإثارة. وفي أوائل العشرينات من أعمارنا مللنا ذلك وصرنا نسمي تلك الأماكن: أسواق الماشية.

قد يبدو الأمر ممتعاً للمراهقات، لكنها لعبة خطيرة لاسيما للفتيات الصغيرات. قليل من الفتيات يعثرن على السيد المطلوب[3]، أما الأكثرية فتصدق عليهن الحالة المروية: (عليكِ تقبيل الكثير من الضفادع قبل أن تعثري على الأمير)[4]، وتقبيل الضفادع هذا هو الذي يوردهن الموارد.... بالرغم من أن القانون البريطاني يمنع الفتيات من العلاقات الجنسية دون سن السادسة عشر[5]، إلا أن كثيراً من الفتيات الصغيرات يدخلن ساحة المقامرة بحثاً عن شريك بسبب بلوغهن المبكر[6]، والنتيجة الطبيعية هي ظاهرة حمل المراهقات وطالبات المدارس. ولما كنت ممرضة كنت أرى كثيراً من الفتيات دون الرابعة عشرة يأتين ليجهضن حملهن.

كذلك يجب ألا نتجاهل التوتر العاطفي. لما كنت أدرس التمريض كنت أسكن مع عشرة زميلات، ثلاث منهن كن لي صديقات وقد تناولن جميعاً جرعة زائدة من المخدرات بسبب ما يشعرن به من توتر بعد أن هجرهن أخدانهن[7]. ولما كنت أعمل في الوحدة النفسية كنت مسئولة عن رعاية عدد من الفتيات المصابات بالانهيار النفسي لذات السبب...

أحياناً يتسبب تراكم مثل هذه المواقف في تعمد القسوة عند التعامل مع الجنس الآخر. بعض النساء صرن يفعلن بالرجال مثلما يفعلون بهن؛ تتعامل المرأة مع أحد الشباب حتى إذا ما استوثقت من تعلقه بها تركته ولم تلتفت إليه.

قابلت بعض النساء المساحقات اللائي يبغضن الرجال ولا يتعاملن معهم بسبب بعض التجارب السيئة التي تعرضن لها. كانت إحدى جاراتي من هذا النوع، وكانت تسكن هي وابنتها السداسية مع امرأة أخرى. قالت لي ذات مرة أنها صارت تساحق بعدما ضربها زوجها ووالد ابنتها في بطنها وهي حامل في شهرها السابع حتى سبب لها تمزقاً في الرحم، وأن ابنتها نجت من الموت بأعجوبة، أما هي فلن تستطع الإنجاب مرة أخرى"[8].

يحدث كل هذا للشابة التي قد تستغني عمن حولها فتعمل لتطعم وتكتسي، وقد (تبرمج) نفسها على استبدال عشيق بعشيق، ورفيق برفيق، أو حتى عشيق بعشيقة؛ أما من خطت نحو الشيخوخة فلن تجد أنيساً غير كلبها أو قطتها، ولا كفيلاً غير نظام الضمان الاجتماعي، حتى إذا ما أسنت واحتاجت لمن يخدمها ذهبت لدار المسنين، فإن لم تجد مكاناً انتظرت في أحد أقسام المسنين في المستشفى[9] حتى تموت أو يموت أحد نزلاء الدار. والمرأة نفسها قد تكون سبباً في هذه العاقبة، لأنها في شبابها رمت أبناءها في دور الحضانة لتتفرغ للعمل، وتحقق الاستقلال الاقتصادي عن الرجل، وربما تخلت عنهم كلياً لتربيهم الدولة في أحد دور الرعاية، هذا إن لم تقرر إسقاطهم، والقانون في بريطانيا يسمح بإسقاط الجنين حتى الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، مع علمها بأن الطفل يمكن أن يعيش بعد الأسبوع السادس والعشرين إن وجد عناية مناسبة، بل إن الطفل قد يخرج حياً بعد عملية الإسقاط لكنه يموت بعد ذلك لأنه ببساطة يوضع مع بقية مخلفات العمليات لحرقها جميعاً في الجزء المخصص لذلك في المستشفى، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

قالت سمية جيمس: "كثيراً ما يعثر على جثة أحد المسنين في بيته بعد موته بأيام، وربما أسابيع. وقد كانت هناك امرأة تحب تربية القطط، وبعد عدة أسابيع من موتها عثر على نصف جثتها في بيتها بعدما ما أكلت قططها نصفها الآخر"[10].

وبعد: لو لم تكن للمساواة بين الجنسين عاقبة سوى ما ذكر لكفى بذلك شقاء. ولو عذرنا المرأة الغربية المسكينة لأنها ما طالبت بالمساواة إلا فراراً من الاضطهاد، فما بال المسلمة التي تغتر بمثل هذه الدعاوى؟

وإذا سلمنا بأن بعض المجتمعات المسلمة قد تسلب المرأة بعض حقوقها –وهو كذلك- لأنها لم تلتزم بشريعة الله، أفيحل المشكلة استبدالها بمشكلة أخرى أعظم خطراً، وأشد ضرراً؟

ما بال بنت الإسلام تخلِّف شريعة ربها وراءها ظِهريَّا، ثم تتلقف مقررات مؤتمرات الساقطين والفاسقين والشواذ وتدعو لتطبيقها في بلاد المسلمين؟

أنى للمسلمة المصونة أن ترضى لنفسها بتقليد الغربية المبتذلة، فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟

لاشك أن التي تغتر بزخرف الحضارة الغربية وبهرجها، وتصدق الدعاية الموجهة التي تبثها وسائل الإعلام لا تعرف شيئاً عن حقيقة ما جنته المرأة الغربية من دعوات التحرير والمساواة والاستقلال بشأن المعاش.

تقول سمية جيمس إنها لما زارت إحدى الدول العربية، التقت بأربع أخوات، ثلاث منهن محتجبات والرابعة حاسرة فسألتها: ما بالك غير محتجبة كأخواتك؟

فأجابت: أريد أن أكون مثلك حرة أفعل ما أشاء، أذهب حيث أريد، وأشهد الحفلات. أخواتي متخلفات.

تقول: حدقت في وجهها وقلت في نفسي: لابد أنها تظن أن حياتي حفلة طويلة، إنها لا تعرف حقيقة حياة المرأة الغربية؛ الألم، المشكلات، المكافحة من أجل الحياة...
قلت لها: بل أنا التي تتمنى أن تكون مثلكن[11].

وأخيراً أختي المسلمة:

أعيذها    نظرات    منك    صادقة        أن تحسبي الشحم فيمن شحمه ورم
وما  انتفاع   أخي   الدنيا   بناظره        إذا  استوت  عنده  الأنوار  والظُلَـــم

ــــــــــــــــــــــــ

[1] شخصية أكاديمية أمريكية نشطة، أنشأ منظمة هدفها فصل الجنسين في العملية التعليمة، وكان لجهودها أثر في حمل الحكومة الأمريكية على دعم مؤسسات التعليم غير المختلط، ملغية بذلك قانوناً سابق يحظر على الدولة مساعدتها بدعوى كونها مؤسسات عنصرية.
[2] عن كتابه:Why Gender Matters? p.125 
[3] وتقول في موضع آخر الزواج ليس نهاية المطاف، فمعدلات الطلاق عالية جداً، وهذا يعني أن هؤلاء المحظوظات قد يجدن أنفسهن مرة أخرى مضطرات للعب الدور السابق، وقد لا يكون لهذا المسلسل من نهاية. 
[4] إشارة إلى القصة الخيالية المعروفة في التراث الإنجليزي –ولعجائز الإنجليز خرافاتهن- يُزعم فيها أن أميراً سُحر ومُسخ ضفدعاً، وكان شفاؤه الوحيد أن تشفق عليه أميرة وتقبله، فكان يطارد إحدى الأميرات ويتوسل إليها لتقبله وبعد محاولات كثيرة قبلته فتحول إلى أمير وسيم أحبها وأحبته ثم تزوجا وعاشا سعيدين.  
[5] طبعا ليس من مهام الشرطة هناك إيقاف كل مراهق ومراهقة للتأكد من بلوغهما العمر القانوني لارتكاب الموبقات، ولكن يبدو أن الغرض من القانون هو إرضاء ضمير الحكومة، وإن كانت تجارب المراهقين من الجنسين تبدأ في مدارسها المختلطة الابتدائية والمتوسطة حتى يسمح لهم بارتياد الحانات والمراقص. 
[6] في موضع آخر من الكتاب تشير إلى أنها أخبرت في بداية مراهقتها إلى أن اتخاذ الأخدان والصواحب دليل على نضج الفتاة والفتى. ثم تقول: ومما لاشك فيه أن الإعلام لعب دوراً مهماً في الترويج لهذا السلوك، فدور البطولة في الأفلام والروايات والمسلسلات محجوز في الغالب لفتى وفتاة، والنهاية دائماً لقاؤهما وحياتهما معاً في سعادة وهناء. 
[7] ثم ذكرت قصة ممرضة تسمى كارن كانت تقيم في ذات المسكن نامت يومين كاملين بتأثير جرعة عالية من الحبوب المنومة بعد تكرار مفارقة أخدانها لها رغم طيبتها ولطفها وكرمها، ورغم ما كانت تبذله لهم من هدايا غالية. ثم تعلق: قصة كارن ليست بالغريبة بل هي أمر مألوف في سن الشباب وكارن من المحظوظات لأنها في النهاية تزوجت، وقد فرحت لها لأنها أخيراً وجدت من يرعاها!
[8] Summayya James: My Journey To Islam, English woman's story, p.20-29.  
[9] السابق 39. 
[10] السابق 41-42. 
[11] السابق 60-61.
المقال السابق
(2) هل تقتضي المساواة العدل
المقال التالي
(4) التمييز بين الرجال والنساء