الخيل العربي الأصيل وارتباطه بالخير

منذ 2021-10-04

عن عروة بن الجعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة»

عن عروة بن الجعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة» [1]؛ أي: إن الخير مرتبط بالخيل إلى يوم القيامة، وما دام يوم القيامة لم يأتِ بعدُ، إذًا لا يزال الخير معقودًا بنواصي الخيل حتى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة؛ مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وطالما أن الخير لا يزال مرتبطًا بالخيل إلى يومنا هذا، فلا بد أن نسأل أنفسنا: ما هو هذا الخير المرتبط بالخيل؟

وكيف يمكننا أن نجنيَ من فوائد هذا الخير المرتبط بالخيل، والذي لا يزال مفعوله ساريًا إلى يوم القيامة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل سِتر، ولرجل وِزر، فأما التي هي له أجر: فالرجل يتخذها في سبيل الله ويُعِدُّها له، فلا تغيب شيئًا في بطونها إلا كتب الله له أجرًا، ولو رعاها في مَرْجٍ، ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجرًا، ولو سقاها من نهر، كان له بكل قطرة تُغيِّبها في بطونها أجر - حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها - ولو استنَّت شَرَفًا أو شرفين، كُتب له بكل خطوة تخطوها أجر، وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرُّمًا وتجمُّلًا، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وزر فالذي يتخذها أشَرًا وبَطَرًا وبذخًا ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وزر» [2].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «الخير معقود بنواصي الخيل»، قال: فقيل له: يا رسول الله، بمَ ذاك؟ قال: «الأجر والمَغنم إلى يوم القيامة» [3].

 

ومعنى الحديث: أن الخيل المعدة للجهاد في سبيل الله قد اقترن بها الخير ولازَمَها إلى يوم القيامة، وهي في سعيها ذلك لا تخرج عن الأجر والغنيمة، وربما ظفرت بهما معًا.

 

أما الأجر: فإنها كلما أكلت أو شربت أو مشت، أو حتى بالت، كتب الله لصاحبها أجرًا.

 

وأما الغنيمة: فذلك بالنصر على الأعداء، وأخذ أموالهم.

 

قوله: ((الخيل)): قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "المراد بها ما يُتَّخذ للغزو بأن يُقاتَل عليه، أو يرتبط لأجل ذلك"[4].

 

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "المراد بالخيل: خيل الجهاد؛ لأنه فسر هذا الخير بقوله: ((الأجر والمغنم))، وهذا إنما يكون في خيل الجهاد، فخيل الجهاد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ويُحتمل أن يكون الحديث عامًّا؛ أي: الخيل كلها سواء كانت ممن يُجاهَد عليه أم لا؛ للعموم"[5].

 

والحقيقة أن المتأمل في شأن الخيل يجد بالفعل أن الخير مرتبط بها وحولها، ولا يدرك هذه الحقيقة إلا من تعامل مع الخيل لمدة طويلة.

 

وقوله: ((معقود في نواصيها الخير))؛ قال المناوي رحمه الله: "أي: منوط بها ملازم لها، كأنه عُقد فيها؛ لإعانتها على جهاد أعداء الدين، وقمع شر الكافرين، وعدم قيام غيرها مقامها في الإجلاب والفر والكر عليهم"[6].

 

وقال الإمام النووي رحمه الله: "فيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قُبيل القيامة بيسير؛ أي: حتى تأتي الريح الطيبة من قِبَلِ اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، كما ثبت في الصحيح"[7].

 

أما من سمع عن الخيل فقط، أو تعامل معها لمدة قصيرة، فلن يشعر بشيء، ولن يفهم ما هو الخير المرتبط بالخيل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وطالما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: إن الخيل مرتبط بها الخير، فقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله، فلا بد أن نوقن أولًا بصدق الحديث الشريف، خاصةً أن مفعوله لا يزال ساريًا طالما أن يوم القيامة لم يأتِ بعدُ، وأعني مفعول الخير بالطبع، ومن جوانب هذا الخير العام العميم المرتبط بالخيل:

الأخلاق الحميدة، والتي كثيرًا ما نفتقدها في حياتنا؛ فالحياة بالقرب من الخيل، وخاصة ركوبها، تُعلِّم الفارس أخلاقًا لطالما عُرفت على مر العصور باسم أخلاق الفرسان، والحقيقة أننا نسمع كثيرًا عن أخلاق الفرسان، وأخلاق الفروسية، وأخلاق الفارس، وما إلى هنالك من هذه الصفات، وكلمة أخلاق الفرسان تعطي انطباعًا عامًّا عن جميع الأخلاق والصفات الحميدة، من الكرم والمروءة، والشهامة والشجاعة، والعفة والالتزام بالوعد، والدقة والجدية، والصرامة والرأفة، والنجدة ومساعدة الآخرين، والزهد، وغير ذلك من الصفات الحميدة التي نفتقدها.

 

فهل سألنا أنفسنا يومًا: لماذا سميت هذه الأخلاق الحميدة باسم أخلاق الفرسان؟

أليس الفارس هو الذي يركب الخيل ويصاحبها ولا يفارقها؟

 

هل يوجد فارس بلا جواد؟ وإن وُجد فهو من باب الخيال والمجاز.

 

الفارس هو الذي يركب الخيل ويتعامل معها، وليس كل من يركب الخيل فارسًا، ولا أتصور وجود فارس حقيقي لم يسبق له التعامل مع الخيل في يوم من الأيام، حتى المثل المعروف بين الناس: "ولا كل من ركب الخيل، فهو خيَّال".

 

أما إطلاق لقب فارس على صاحب الأخلاق الحميدة، فهو لقب نسبي إلى حدٍّ كبير، وإن كان يمتلك أخلاقًا حميدة، أما الفارس الحقيقي، فهو الذي يتعامل مع الخيل على الحقيقة، وكما قلنا: ليس كل من يركب الخيل، فهو خيَّال؛ أي: فارس حقيقي.

 

ونعود ونكرر مرة أخرى، أخلاق الفرسان تُكتسَب من العلاقة مع الخيل، ولا يوجد على وجه الأرض أخلاقُ فرسان حقيقية بلا تعامل مع الخيل.

 

حفظ الله ورحم كل فارس مغوار، صاحب خلق طيب، كلما رأته أعين الناظرين وهو راكب فرسَه الأبيض، ولابسٌ ثوبَهُ الأبيض الناصع، ويمشي به بخطوات منتظمة تُحدِثُ صوتًا يفرح القلب بمنظره الطيب، الذي يذكرنا بأمجاد الأولين من الفرسان، أصحاب الهمم العالية والخلق الرفيع.

 

حفظ الله ورَحِمَ كلُّ مَن يركب فرسه ليس تفاخرًا ولا مباهاةً بين الناس كما يفعل الكثيرون الذين يركبون خيولهم، وهم يملأ الكِبْرُ قلوبهم، ولا يلقون السلام على أحدٍ وهم يمشون في الطرقات، وظهورهم مع رؤوسهم قد تكاد تصل إلى ذيل الفرس من شدة الكبر والغرور، وكأنه يمشي فوق الناس، ونسيَ أنه خُلِق من طين ومن نطفة قذرة.

 

حفظ الله ورحم كل مَن يركب فرسه وهو شديد التواضع؛ لأن التواضع صفة عباد الرحمن، وهو عبدٌ للرحمن، وإذا لم يكن العبد من عباد الرحمن، فمع من يكون؟ قال تعالى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا» [الفرقان: 63].

 

حفظ الله ورحم من كان باسمَ الثغر ويُلقي السلام على الناس كلما مر من أمامهم، وإن لزمه الأمر يقف وينزل عن فرسه، ويُسلِّم على من قابله، فهذه أخلاق الفرسان.

 


[1] رواه البخاري (2852)، ومسلم (1873).

[2] رواه البخاري (2371)، ومسلم (987)، واللفظ له.

[3] رواه مسلم (1873).

[4] انظر: "فتح الباري" (6/ 55).

[5] انظر: "شرح رياض الصالحين" (5/ 377).

[6] انظر: "فيض القدير" (3/ 171).

[7] انظر: "شرح النووي على مسلم" (7/ 69).