شرح إن وأخواتها مع الأمثلة

منذ 2021-11-22

بيان: (إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنّ وليتَ ولَعَـلَّ)

هي ستة أحـرف: إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنّ وليتَ ولَعَـلَّ، وعملها نصب المبتدأ على أنـه اسـمها، ورفـع الخبر على أنـه خـبرها.

1- 2- إنَّ وأنَّ، بتشديد النون فيهما، وكسر الهمزة في الأولى وفتحها في الثانية، وهما للتوكيد، فإذا أردت أن تؤكد قولك: زيد قائم، قلت: إنَّ زيدًا قائم، أو علمتُ أن زيدًا قائم.

و(أنَّ) المفتوحة الهمزة لا بد أن يسبقها شيء، كما في المثال السابق، وهي مصدرية، تؤوَّل مع ما بعدها بمصدرٍ كما سيأتي.

 

3- لكن، وهي للاستدراك، والاستدراك: « تعقيب الكلام بما يرفع التوهم »، فإذا أردت الإخبار عن زيد بأنه شجاع، فقد يتوهم السامع أنه كريم أيضًا؛ لأن الغالب أن يكون الشجاع كريمًا، وإذا علمت أنه بخيل قلت: زيد شجاع لكنه بخيل.

 

4-كأن، وهي للتشبيه[1]؛ تقـول: كأن زيـدًا أسـد.

 

5- ليت، وهي للتمني: «وهو طلب أمر محبوب لا يمكن حصوله»، كقول الشيخ: ليتَ الشبابَ يعود، أو يمكن حصوله لكنه عَسِر، كقول الفقير الآيس: ليتَ لي ألفَ دينار.

 

6-لعل، وهي للترجي: «وهو طلب أمر محبوب لا يصعب حصوله»، مثل: لعلَّ الله يرحمنا، أو للتعليل مثل: عِظ الظالمَ لعله يرتدعُ، أو للإشفاق، وهو توقُّع أمر مكروه مثل: لعل العدوَّ يباغتنا.

 

كَفُّ هذه الأحرف عن العمل:

إذا اقترنت بهذه الأحرف (ما) الزائدة[2]، كَفَّتها عن العمل، وزال اختصاصها بالأسماء؛ تقول: إنما زيد كاتب، فإنما كافة ومكفوفة (الكافة ما والمكفوفة إنَّ)، وزيد كاتب مبتدأ وخبر، وتقول: إنما يفوز الصادق، فقد دخلت على الفعل، وفي القرآن الكريم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65]، و{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11].

 

ويُستثنى من ذلك ( ليت )، فإنها إذا اقترنت بما تبقى مختصةً بالأسماء، لذلك أجازوا إعمالَها وإهمالها، تقول: ليتما أخاك حاضرٌ ( بالإعمال )، وليتما أخوك حاضر ( بالإهمال ).

 

تخفيف النون:

1- إذا خففت (إن) المكسورة الهمزة جاز إعمالُها وإهمالُها، تقول: إنْ زيدًا منطلقٌ، وإنْ زيدٌ لَمنطلقٌ، وإذا أُهمِلت وجبَ اقترانُ خبرها بلام التوكيد[3]، كما في المثال الثاني المتقدم.

 

2- إذا خُففت (أن) المفتوحةُ الهمزةِ بَقيت عاملةً، ولكن يجب فيها أمـور:

الأول: أن يُحذَف اسمُها على أنه ضمير الشأن.

الثاني: أن يكون خبرها جملةً فعليةً أو اسمية.

 

الثالث: إذا كان خبرها جملة فعلية فعلُها متصرفٌ لم يُقصَد به الدعاء، وَجَبَ أن يُفصَل بينها وبين الفعل بِقَد أو حرفِ تنفيس[4]، أو حرفِ نفي أو (لو)، مثال (قد) قوله تعالى: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 113]، ومثال حرف التنفيس قوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} [المزمل: 20]، ومثال النفي قوله تعالى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة: 71]، ومثال (لو) قوله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]، فاسم أن في الجميع محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها.

 

أمَّا إذا كان الخبر جمـلةً اسميةً أو فعليةً فعلُــها جـامد، أو متصرف قُصِدَ به الدعاء، فلا تحتاج إلى فاصل؛ مثال الاسمية قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10]، ومثال الجامد قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، ومثال مـا قُصِـدَ به الدُعَـاء قوله تعالى: {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 9].

 

3- إذا خففت (كأنَّ) بقِيت عاملةً، وجاز ذكرُ اسمِها وهو الأكثر، وجاز حذفه قليلًا؛ قال الشاعر يَصِف امرأة:

 *** كأنْ ظبية تعطو إلى وارِقِ السَلَم[5]

رُوِي بنصب ظبية على أنها اسم كأنْ، وجملة تعطو صفته والخبر محذوف، ورُوِيَ برفع ظبية على أنها خبر كأن واسمها محذوف.

 

وإذا كان خبرها جملةً فعليةً وَجَبَ أن يُفصَل بينها وبين الفعل بلَمْ أو قَـدْ؛ مثـال ( لم ) قـوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]، ومثال ( قد ) قول الشاعر عن الحرب:

................... *** فمحـذورُها كأنْ قد ألَمَّا[6]

اسم كأنْ في المثالين ضمير الشأن محذوف، والجملة الفعلية خبرها.

 

4-إذا خُففت (لكنْ) فإنها تُهمَل؛ قال تعالى: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 162].

 

متى يتوسط خبر هذه الأحرف:

هذه الأحرف لا يجوز أن يتوسط[7] خبرها بينها وبين اسمها، فلا يقال: إنَّ قائم زيدًا، إلا إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، مثل: إنَّ خلفَ الجدار حديقةً، وإنَّ في الدار زيدًا؛ قال تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} [المزمل: 12]، و{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26].

 

متى تُفتح همزة (إنَّ) ومتى تكسر:

تفتح همزة إنَّ إذا وقعت هي ومعمولاها موقع المصدر، وهـذا المصدر يكون في محل رفع، مثل: ظَهَرَ أنك صادق، المصدر فاعل ظهر، والتأويل: ظهر صدقُك، ومثل: عُلِمَ أنك مجتهد، المصدر نائب فاعل عُلِمَ، والتأويل: عُلِمَ اجتهادُك، وفي محل نصب مثل: علمتُ أنك مخلص، المصدر مفعول به، والتأويل: علمتُ إخلاصَك، وفي محل جر مثل: أكرمتُك لأنك وفيٌّ، المصدر مجرور باللام، والتأويل: أكرمتُك لِوفائِك.

 

وتُكسر همزة إنَّ في مواضع[8]، منها:

1- أن تقع في الابتداء؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، ومن وقوعها في الابتداء ما لو وقعت بعد ألا الاستفتاحية؛ كما في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62].

 

وكذا لو وقعت بعد النداء، وفي القرآن الكريم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: 38].

 

2- أن تقَع بعد القسَم؛ مثل: والله إنك لصادق؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3].

 

3- أن تقع بعد القول؛ مثل: قلتُ لصاحبي إنك مخلص، وفي القرآن الكريم: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30].

 

4- أن تقع اللام بعدها؛ قال تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].

 

لام الابتداء:

هي للتوكيد، تقول: لَزيدٌ حاضرٌ، فإذا أردتَ توكيدَ هذه الجملة بمؤكِّدٍ آخر، وهو إنَّ، أخرت اللام، فقلتَ: إنَّ زيدًا لحاضرٌ.

 

وتُسمى اللام هنا اللام المزحلَقة، لِتَزحلُقها عن المبتدأ إلى الخبر، وتُسمى أيضًا اللام الفارقة، لأنها تفرق بين أن المخففة من الثقيلة المهملة التي هي للإثبات، وبين إن النافية المهملة، تقول إذا أردتَ إثبات الصدقِ لزيدٍ: إن زيدٌ لَصادق، وتقول إذا أردتَ النفي: إن زيدٌ صادقٌ، فاللام في الجملة الأولى دلَّت على أنها مخففة مثبتة، وعدم اللام في الجملة الثانية دل على النفي[9]؛ أي ما زيدٌ صادق.

 

مواضع لام الابتداء:

تَقدَّم أنَّ اللام تدخل على المبتدأ؛ مثل: لَزيدٌ حاضر، أما عند دخـول إنَّ فتدخل على المتأخر من معمولَيها، فتدخل على الخبر المتأخر؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6]، وعلى المبتدأ المتأخر؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26]، وتدخل على معمول الخبر إذا تَقَدَّمَ مثل: إنَّ زيدًا لَطعامَك آكلٌ، فطعامك مفعول به لاسم الفاعل آكل الذي هو خبر إنَّ، وتدخل على ضمير الفَصل؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62]، هذا اسم إنَّ واللام للتوكيد، وهو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والقصص خبر إن والحقُّ صفته، ويجوز أن يُعرب مبتدأ ثانيًا، والقصص خبره، والجملة خبر إنَّ.

 

المصدر كتاب: توضيح قطر الندى

تأليف: الشيخ عبدالكريم الدبان التكريتي، بعناية: الدكتور عبدالحكيم الأنيس

 

 


[1] ذكر صاحب القطر ورود كأنّ للظن، وقال آخرون: لا ترد إلا للتشبيه.

[2] بخلاف (ما) الاسمية أو الحرفية المصدرية، فإنهما لا يبطلان عمل إنَّ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ﴾ [طه: 69]، فما اسم موصول اسم إنَّ، وكيد خبرها، وتكتب (ما) هذه منفصلة عن (إنَّ).

[3] سيأتي بحث هذه اللام.

[4] السين أو سوف.

[5] أي كأنَّ هذه المرأةَ ظبية تمد عنقَها لتتناول ورقَ الشجر المعروف بالسَّلَم.

قلتُ: وقد اختلف في قائله؛ انظر: معالم الاهتدا ص 35، وسبيل الهدى ص 157 .ع

[6] البيت بتمامه:

لا يَهولَنَّك اصطلاء لَظَى الحر *** ب فمحذورها كأنْ قد ألَمَّا

قلتُ: والبيت لم يعثر له على قائل معين؛ انظر: عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك 1 /338 

[7] أما تقدم الخبر على الحرف واسمه، فلا يجـوز مطلقًا.

[8] مذكورة في كتب أخرى، ومن تلك المواضع أن تقع صدر صلة؛ مثل: جاء الذي إنه فاضل، ومنها أن تقع بعد واو الحال مثل: زارني وإنه مسرع.

[9] إلا إذا دلَّت قرينة على الإثبات، فإن دخول اللام لا يجب.