نقطة البداية في بعث الأمة من جديد وإفاقتها من سباتها

منذ 2022-02-04

كيف نرفع " غثاء " الأمة الإسلامية من حضيضه الذي يعيش فيه ليعود كما أراده الله؛ {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}؟

فإن الواقع المر الذي نحياه وتحياه أمتنا الحبيبة من ضعف وتأخر حتى إنها تخلفت عن الركب فأصبحت في ذيل القافلة، بعدما كانت هي تتصدر أول الركب وتصدر العلوم في جميع الميادين والأخلاق الحميدة إلى العالم كله، وما ظهرت أوربا التي كانت تعيش وقتها في ظلمة الجهل والتأخر إلا بعدما أخذت وسيطرت على علوم المسلمين في الأندلس ونسبتها لنفسها فارتقت وعلت، ولكن علوها إلى الهاوية لأنها لم تقم على الدين والأخلاق.

 

قال د. محمد بدري: (وهكذا.. بعد أن كانت الأمة الإسلامية - يومًا من الأيام - تحتل مكانها في قيادة البشرية، صارت تزحف وراء غبار الركب البشرى في " تبعية " ذليلة تضيع معها الذاتية ويتحول أصحابها إلى " خدم " للآخرين!!!

 

ولا ريب أن هذه الحال تؤرق أكثر المسلمين وتقض مضاجعهم، فتقفز إلى أذهانهم أسئلة كثيرة: كيف نخرج بأمتنا من أزمتها، وننتقل بها من الاستضعاف إلى التمكين؟

 

ومن التبعية إلى الريادة؟

 

كيف نرفع " غثاء " الأمة الإسلامية من حضيضه الذي يعيش فيه ليعود كما أراده الله؛ {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

 

ولكي نكون قادرين على تحديد الجواب الكافي لكل هذه الأسئلة، لا بد أن نؤمن أن واقعنا الذي نعيشه اليوم لا يخرج عن أن يكون نتيجة طبيعية للمقدمات التي صغناها بأيدينا، وأن نزول الأمة الإسلامية من عليائها إلى هذا الدرك من الذل والهوان الذي وصلت إليه اليوم.. كل ذلك إنما حدث وفق سنن ربانية لا تحابي أحدًا من الخلق مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة؟! ومن ثم، فإن عودة الأمة الإسلامية إلى الريادة البشرية من جديد تخضع لذات السنن الربانية التي لا يجدي معها " تعجل " الأذكياء أو " أوهام " الأصفياء)[1].

 

وأمتنا بإذن الله ستعود رايتها عالية خفاقة ترفرف بفضل الله جل وعلا وبفضل تمسكها بلؤلؤة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

فالدعوة إلى توضيح المفاهيم الإسلامية، وخاصة مفهوم لؤلؤة التوحيد لا إله إلا الله هي نقطة البداية في بعث الأمة من جديد وإفاقتها من سباتها.

 

لا إله إلا الله هي التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته وكل رسول بعثه الله جل وعلا، وكل من يسلك هذا الطريق للدعوة إلى الله، فهذا الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة وجهد بالغ للقيام بتحقيقه، فظل النبي صلى الله عليه وسلم يربي عليها أصحابه الكرام رضي الله عنهما في مكة شرفها الله ثلاثة عشر سنة، ثم انتقل بهم معها إلى المدينة وظل عشر سنوات إلى أن لقي ربه صلى الله عليه وسلم.

 

قال الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز – رحمه الله –: ( وقد مكث صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة يدعو فيها إلى الله سبحانه، ويحذّر الناس من الشرك به، ويوضح لهم معنى لا إله إلا الله، فاستجاب له الأقلون، واستكبر عن طاعته وأتباعه الأكثرون، ثم هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، فنشر الدعوة إلى الله سبحانه هناك بين المهاجرين والأنصار، وجاهد في سبيل الله، وكتب إلى الملوك والرؤساء وأوضح لهم دعوته، وما جاء به من الهدى، وصبر وصابر في ذلك هو وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين صلى الله عليه وسلم حتى ظهر دين الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر التوحيد بعده)[2].

 

وقال أيضًا رحمه الله في دور الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من بعده صلى الله عليه وسلم: (ثم قام أصحابه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله سبحانه والجهاد في سبيله في المشارق والمغارب حتى نصرهم الله على أعدائه، ومكن لهم في الأرض، وظهر دين الله على سائر الأديان، كما وعد بذلك سبحانه في كتابه العظيم[3]؛ حيث قال عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى في الآية الكريمة: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ}؛ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح.

 

بالعلم الذي يهدي إلى الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة.

 

{وَدِينِ الْحَقِّ}؛ أي: الدين الذي يدان به، ويتعبد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح، وراحة الأبدان، وترك نواهيه سلامة من الشر والفساد فما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باق ما بقي الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرًا، ازداد به فرحًا وتبصرًا.

 

{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}؛ أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان، فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، وإذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم، ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال ونظر في أول المسلمين وآخرهم[4].

 

فلؤلؤة التوحيد (لا إله إلا الله) هي أصل الدين وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة منها، فهي دين شامل ومنهج حياة متكامل، ولا يعقل لذي لب أن يكون ذلك كله من أجل كلمة تلوكها الألسنة فحسب، بل لابد من الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالجوارح والأركان حتى تتحول لؤلؤة التوحيد إلى واقع ومنهج حياة كما كان واقع المسلمين الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة شرفها الله ثم انتقل بهم إلى المدينة إلى أن لقي ربه صلى الله عليه وسلم.

 

وقال الشيخ صالح الفوزان في فضل لؤلؤة التوحيد (لا إله الا الله): (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إنها كلمة يعلنها المسلمون في آذانهم وإقامتهم وفى خطبهم ومحادثاتهم.

 

وهي كلمة قامت بها الأرض والسموات وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة وسوق النار وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وهي حق الله على جميع العباد)[5].

 

فلؤلؤة التوحيد (لا إله إلا الله) هي كلمة الإسلام وذروة سنامه، قال الشيخ محمد حسان عن لؤلؤة التوحيد (لا إله إلا الله): (هي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة، وهي العاصمة للدم والأموال والذرية في هذه الدار والمنجية في الآخرة من عذاب القبر ومن عذاب النار، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع الموجودات، وهي محض حق الله على جميع المخلوقات، ولأجلها بعث الرسل وجاءت الرسالات)[6].

 

فلؤلؤة التوحيد (لا إله إلا الله) هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى والعروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم {كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28].

 

وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق ودعوة الحق وبراءة من الشرك، ولأجلها خلق الخلق؛ كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } ﴾ [الذاريات: 56]، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب؛ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء: 25].

 

هذه هي نقطة البداية في بعث الأمة من جديد وإفاقتها من سباتها وقيادتها دفه الأمة بمعرفه عقيدتها المعرفة الصحيحة السليمة التي بها ينجوا افرادها ويعلوا قدرهم بفضل التمسك بلؤلؤة التوحيد لا إله الا الله.

 

... لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية كان يشعر في اللحظة التي يجئ فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدًا جديدًا منفصلًا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية.

 

وكان يقف من كل ما عهده في الجاهلية موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام وبهذا الإحساس كان يتلقى هدى الإسلام الجديد.

 

فلا استقرار ولا سعادة ولا نعيم إلا في ظل لؤلؤة التوحيد (لا إله إلا الله) فلؤلؤة التوحيد (لا إله إلا الله) هي منهاج الحياة الذي يريد الله للبشرية أن تسير عليه، لتنعم به في الدنيا، وتنال رضوان الله في الآخرة، تلكم كانت نقطة البداية في بعث الأمة من جديد وإفاقتها من سباتها.

 


[1] الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة تأليف د. محمد محمد بدري ص:9،8 دار الصفوة

[2] فتاوى في العقيدة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، (ص: 4)، دار الوطن للنشر.

[3] فتاوى في العقيدة الشيخ عبد العزيز بن باز (ص: 4)، دار الوطن للنشر.

[4] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ايه رقم 8 من سورة الصف. تأليف العلامة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. مكتبة العبيكان

[5] حقيقة لا إله إلا الله، الشيخ صالح الفوزان، (ص: 57)، مكتبة السنة.

[6] حقيقة التوحيد، الشيخ محمد حسان (ص: 8).

_______________________________________________________

الكاتب: إبراهيم بن أحمد الشريف