المرأةُ بين إنصاف الإسلام وإجحاف الغرب

منذ 2022-02-16

لقد أَوْلَى الإسلامُ المرأة اهتماماً كبيراً، يتضحُ لنا جلياً من خلال كثير من آيات القرآن الكريم التي أرست قواعدَ الرحمة والمساواة في التعامل مع المرأة بعد الظلم الذي كان يقع عليها قبل الإسلام.

لقد أَوْلَى الإسلامُ المرأة اهتماماً كبيراً، يتضحُ لنا جلياً من خلال كثير من آيات القرآن الكريم التي أرست قواعدَ الرحمة والمساواة في التعامل مع المرأة بعد الظلم الذي كان يقع عليها قبل الإسلام.

والمتأمل لهذه الآيات يجدُها صانت ما للمرأة من حقوقٍ ابتداءً من الحفاظ على حقها في الحياة، محارباً عادةَ وأدِ البنات التي كانت سائدة في الجاهلية، ثم حثت على رعايتها وهي طفلة إلى امرأة ثم في مرحلة الشيخوخة، وكذلك المتأمل للسيرة النبوية الشريفة يجدُها جاءت مبينةً ومفصلة لتلك الحقوق الممنوحة للمرأة في ظل الإسلام، وكفانا قولُ عمر بن الخطاب عن مكانة المرأة قبل الإسلام حتى يتضح لنا كيف كانت مهضومةَ الحق ذليلة القدر؛ فقد قال -رضي الله عنه-: "والله إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء أمراً.. حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم".

وهكذا جاء الإسلام بما يحفظ للمرأة قدرَها بعد أن كانت لا قدر لها، ومن العزة للمرأة في الإسلام أنه لم يأتِ أي من الشرائع الأخرى ولا حتى القوانين المتعددة سواء شرقية أو غربية، لم يأت أي منهم بما جاء به الإسلام..!، وهذا مما يُثير العجب، ويحثنا على التوقف لتأمل حقيقة تلك الدعوات التي ترتقي لمسامعنا من وقت إلى آخر.

تلك الدعوات التي تنادي بحقوق المرأة، حاملةً فوق عاتقها همومَ المرأة، ومحاولةً رفعَ تلك الهموم عن كاهلها، مطالبةً لها بأقصى حقوق المساواة مع الرجل، والحق في المشاركة الكاملة في شتى مناحي الحياة، ومظهرةً مدى الظلم الواقع على المرأة وبشاعة الحال التي هي عليه.

ولكن تثور لدينا بعض التساؤلات:
ما طبيعة وحقيقة تلك الحقوق التي يناودن بها؟
وما مدى المكاسب التي يسعون لتحقيقها للمرأة؟
وأي امرأة يعنون..؟! أهي المرأة الغربية أم العربية المسلمة..؟ أم المرأة كجنس بشري بعيداً عن أي معتقدات دينية، أو مسميات لأقطار معينة؟
وفي الحقيقة لو كانوا يقصدون المرأة نفسها (سواء غربية أو مسلمة) فهذا بهتان عظيم وطمس للحقائق فمنذ متى كانت الاثنتان سواء..؟!
إنّ لكل منهما مرجعيةً، وبحسب كل مرجعية يتبين مدى الحقوق المشروعة لكل منهما، وعلى هذا يتضح مَن منهما مهضومة القدر، مسلوبة الحق.
فإن الغرب اعتمد على ما تراءى له في تنظيم الحياة، متخبطين بين عدم الالتزام بدينهم وبين شرائع متضاربة ظالمة وضعتها عقولُهم التي استقت مبادئها من المادة التي يؤمنون بها ويلهثون وراءها، فاصطبغت حياتهم بسماتها من جفاء وقسوة، وذلك أدى إلى إفراد الذات بالنظر، والإشباع بلا حدود لمباهج الدنيا كما يتصورونها، حتى لو كانت على حساب الأخلاق، والفضيلة، والحق.

أما المرأة المسلمة فمرجعيتُها التي تنظم حياتها هي من لدن الخالق العظيم، العادل الرحيم سبحانه وتعالى {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 2، 3].

فالذي خلق الإنسان هو الأعلم به، وبحاجاته، وقدراته، ولذا كان من عدل الله -عز وجل- أن أنزل المنهج القويم الذي ينظم حياة هذا الإنسان، ذلك المنهج الذي يراعي طبيعة كل من الرجل والمرأة، ويلبي حاجاتهم المختلفة، بما يضمن لهم حياة سوية كريمة، فهل تستوي المرجعيتان..؟! وهل يستوي السبيل الغث مع المنهج القويم والنهج السليم..؟!

وعلى هذا نرى أنه من خلط الأمور، ومن الظلم البين في تلك الدعوات والمؤتمرات التي تعقد لهذا الغرض: أن يضع الغربُ المرأتين في بوتقة واحدة، محاولين صهرهما، ثم يدّعون بأنهم رموز العدالة، التي تطالب بحقوق ومساواة المرأة المسلمة -المغلوبة على أمرها- مع تلك المرأة الغربية -صاحبة كل الحقوق- (كما يزعمون).

وإنَّ هذا الخلطَ يرجع لأحد أمرين أو كليهما:
أولاً: إما انطلاقاً من رغبتهم الناتجة من حقدهم على المرأة المسلمة، تلك المرأة التي أعياهم الجهد الذي يبذلونه لتدمير حياتها..! وإخراجها من صومعتها بادعاء الحرية في العمل والمساواة مع الرجل، ولننظر إلى أقوال بعض الغربيين -الذين تألموا من انهيار مجتمعاتهم، وحاولوا رصد الحقائق لمعرفة السبب في انهيار الأخلاق لدى الغرب– إذ تقول الدكتورة إيد إيلين: "إنَّ سببَ الأزمات العائلية في أمريكا وسرَّ كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجةَ تركت بيتَها لتضاعف دخلَ الأسرة، فزاد الدخلُ وانخفض مستوى الأخلاق"، وقالت أيضاً: "إنَّ التجاربَ أثبتت أن دعوة المرأة إلى الحريم هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه"، وقال أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي: "إن المرأة تستطيعُ أن تخدم الدولة حقاً إذا بقيت في البيت الذي هو كيان الأسرة".

ولننظر إلى هذا التناقض بين ما ينادون به لإصلاح بلدانهم، وبين ما يبذلونه من مساعٍ جادة لإخراج المرأة المسلمة من بيتها، حتى تتجرع مرارةَ ما ارتوت به المرأةُ الغربية، وحتى تبلغ بلدانُنا من الانهيار الاجتماعي، والأسري، والأخلاقي، ما بلغته بلدانُهم، يتضحُ لنا من هذا التناقض النياتُ الحقيقية لمثل هذه الدعوات، والمؤتمرات الدولية التي تنادي بحقوق المرأة.

ثانياً: قد تنطلق دعوتهم تلك من جهلهم بعظمة الإسلام، وما جاء به من شريعة غرّاء تُقر للمرأة كل حقوقها منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.
وبإلقاء نظرة سريعة على بعض القطاف من ثمرات الشريعة الإسلامية الغراء للمرأة المسلمة؛ إذ منحها الشرع الكرامة بمجرد ميلادها مثل الرجل، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ...} [الإسراء: 7]، وأقر الإسلامُ ما يحفظ على المرأة حرمة نفسها وعقلها ومالها؛ ففي حرمة النفس قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33]، أما حفظ المال فجعل لها نصيبًا من الميراث، سواء كانت ابنة، أو زوجة، أو أختًا، أو أمًا، وأما احترام عقلها، فيظهر في أمر الله -سبحانه وتعالى- لرسوله الكريم، بالالتزام بالشورى بين المسلمين على السواء، في قوله سبحانه وتعالى: {... وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...} [آل عمران: 159].

أما تلك الدعوة الكاذبة عن المساواة، التي يريدونها للمرأة المسلمة، فأي مساواة أكثر من تلك التي أمر بها الله سبحانه وتعالى.

فقد سوّى الله سبحانه وتعالى بين الرجل والمرأة في الكرامة، ثم في الخلقة والنشأة كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]، ثم في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، ثم أتى الإسلام بحوافزَ لتشجيع الرجال على احترام المرأة والمحافظة عليها وحسن عشرتها، كما شجع الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإحسان للمرأة في قوله: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، هكذا ربط الرسول الكريم صدق إيمان الرجل وحبه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمدى حسن عشرته، ومعاملته مع أهله. فأي غربٍ هذا الذي يمكن أن يأتي بما أتى به الإسلامُ ورسولُ الإسلام من أسوة حسنة في التعامل مع المرأة؟!

بل نجد أن الإسلام قد كلف الرجل أكثر من ذلك، فأعطى للرجل القوامة تكليفًا لا تشريفًا، تكليف حتى يقوم على رعاية المرأة، ويتفقد احتياجاتها، وأعطاه القوامة في الحياة الزوجية حتى يضمن استقرار البيت كما قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34].

وكذلك سوّى الله -سبحانه وتعالى- بين الرجل والمرأة في الحساب والمجازاة على العمل كما قال تعالى:
{أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران: 195].
فأين أدعياءُ حقوق المرأة في الغرب وغيره من كل هذا الخير الذي حظيت به المرأة المسلمة، في ظل الالتزام بتطبيق الإسلام؟!

بل جاء الإسلامُ حامياً للمرأة محافظاً عليها في جميع مراحل عمرها، من طفولة، وشباب، وهَرَمٍ، سواء كانت ابنة أو زوجة أو أما، فجعل لكل منهن كرامة، وحقا، فجاءت النصوص قرآنية والأحاديث النبوية في الحث على الإحسان إليهن..:

المرأة (ابنة):
جاء الإسلامُ بالثواب الجزيل إذا قام عائل البنت على أداء حقها ورعايتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من كانت له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فعلمهن وأدبهن واتقى الله فيهن، فله الجنة"، فهل بلغ الغربُ هذا الرقي في الحث على الحفاظ على بناتهن؟!

المرأة (أمًا):
أمر الله سبحانه وتعالى ببر الأم، والإحسان إليها، والتحذير من عقوقها، وهذا للوالدين على السواء، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف: 15].
وقد بلغت وصيةُ الرسول الكريم بالأم إلى أن قال: "الزمها فإن الجنة عند رجلها".

هذا ما أتى به الإسلام للمرأة الأم، من علو مكانة، وعظم شأن حتى جعلها طريقًا للجنة، فبماذا أتى الغربُ للأمهات المسنات؟ غير إلقائهن في دور المسنات، تلك العدوى غير الأخلاقية التي انتقلت لبلداننا، واقتدى بها أبناؤنا، عندما جفت الرحمةُ من قلوبهم، بعدما ارتووا من المدنية والحضارة الغربية، بكل مساوئها في عصر الجهالة الحديثة، فيا ليتهم كانوا رجعيين مثلما ينعتوننا.

المرأة (زوجةً):
تلك المرحلة التي تتفتح فيها زهورُ الأنوثة، أتى الإسلامُ بما يحافظ عليها ويصونها، من أمر بغض البصر، وعدم اتباع خطوات الشيطان، وعدم الاقتراب من الزنا، وجعل الطريق الوحيد للاستمتاع بالمرأة هو الزواج، تلك العلاقة العفيفة التي تحفظ للمرأة كرامتها، وتحفظ المجتمع من الانحلال الخلقي وآثاره المدمرة.

وقد جعل الله -سبحانه وتعالى- الزواج آية من آياته، وحدد المنهج القويم لحماية المرأة داخل الأسرة، كما في قوله تعالى:
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

وأقر الله -عز وجل- للمرأة (الحق المعنوي)؛ وذلك في التشاور معها، وأخذ رأيها بأن تنكح برضاها، كما قال الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: "الثيب أحق بنفسها من وليها؛ والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" [صحيح مسلم].

وكذلك حق الصداق، وهو (حق مادي) كما قال تعالى:
{وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4].

أما الغرب.. فيتعامل مع المرأة كسلعة، ليس لها كرامة، كما تدل على ذلك الإحصاءات التي تتناولها الصحفُ والدراسات الاجتماعية التي تبين ارتفاعَ نسب قضايا الضرب، والاعتداء، وقضايا الاغتصاب، وكذلك ليس للمرأة ذمة مالية مستقلة –كما للمرأة في الإسلام– بل حياة مدنية مشتركة (أي شراكة بين الزوجين).

وفي الغرب أيضا.. يقع على المرأة عبءٌ ظالم، فهي مطالبة بالعمل، ومجبرة عليه، حتى تستطيع أن توفرَ لنفسها لقمةَ العيش، وإن لم تستطع فالشارعُ أولى بها، وتصبح سلعة في بيوت الدعارة، حتى توفر لقمتها.

أما المرأة في الإسلام فهي مسؤولة من أبيها، ثم أخيها، ثم زوجها، ثم ابنها، بالقدر الذي يضمن لها حياة كريمة.

والقارئ للسيرة النبوية الشريفة، والعهد النبوي في صدر الإسلام، سوف تتضح له الحقائقُ عن مكانة المرأة في الإسلام، تلك الحقبة التي تمثل أروع المثل لمكانة المرأة المسلمة، وعظم شأنها، ومكانتها، واشتراكها في كل مجالات الحياة، إذ كانت تشارك جنباً إلى جنب مع الرجل في بناء المجتمع المسلم، في الحياة السياسية، والاقتصادية، والجهادية، والاجتماعية، والنماذج على ذلك كثيرة.. منها:

اشتراك المرأة في البيعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والهجرة للحفاظ على دينها، وتحمل مشاقها كالرجل، والمشاركة في الغزوات (كأم عمارة في غزوة أحد)، واشتراكها مع الرجل في التكاليف الشرعية، من عبادات، ومعاملات، وحدود.
هذه هي صورة المرأة المسلمة، المتمسكة بدينها، وشرعها، المساعدة في بناء مجتمعها، العاملة لنهضة أمتها، فهي لم تشكُ مما تشكو منه نساء العالم؛ لأنها لم تفتقر إلى ما افتقرت إليه هؤلاء النساء.

وللإنصاف.. إن كانت هناك بعضُ المشكلات في العالم الإسلامي تجاه المرأة، فهذا يرجعُ إلى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في كثير من هذه البلدان، أو يرجع إلى الخطأ في التطبيق أحياناً. وهنا نقول: إن الجهود البشرية التي تخطئ ليست حجة على الإسلام، ولكن الإسلام وشريعته هو الحجة على المسلمين، وعلى الإنسانية جمعاء.
_______________________________________________________
الكاتب: 
فاطمة محمود عليوة