منزلة: الإنس بالله, الذكر, الفقر, العلم, الحكمة

منذ 2022-02-24

فوائد مختصرة من مدارج السالكين, للعلامة ابن القيم: منزلة: الإنس بالله, الذكر, الفقر, العلم, الحكمة, الفراسة, التعظيم, السكينة, الطمأنينة, المحبة

                                   بسم الله الرحمن الرحيم

فوائد مختصرة من مدارج السالكين, للعلامة ابن القيم: منزلة: الإنس بالله, الذكر, الفقر, العلم, الحكمة, الفراسة, التعظيم, السكينة, الطمأنينة, المحبة

منزلة الأنس بالله

* من منازل  { إياك نعبدُ وإياك نستعين}  : منزلة الأنس بالله

والأنس ثمرة الطاعة والمحبة, فكل مطيع مستأنس, وكل عاص مستوحش, كما قيل: فإن كنت قد أوحشتك الذنوب      فدعها إذا شئت واستأنــس  

* الله جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوعاً من الطعام والشراب الحسي وللقلب منه خلاصته وصفوه والثاني غذاء روحاني معنوي خارج عن الطعام والشراب من السرور والفرح والابتهاج واللذة, والعلوم والمعارف.

منزلة الذِّكر

* من منازل  {إياك نعبدُ وإياك نستعين}  : منزلة الذِّكر, وهي منزلة القوم الكبرى, التي منها يتزودون, وفيها يتجرون, وإليها دائماً يترددون... وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته.

*الذكر قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً, وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطاع الطريق وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق ودواء أسقاهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب...والعلاقة التي بينهم وبين علام الغيوب

* به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات إذا أظلهم البلاءُ فإليه ملجؤهم وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون, يدعُ القلب الحزين ضاحكاً مسروراً.

* بالذكر يصرع العبدُ الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان...والفرق بين الغفلة والنسيان: أن الغفلة ترك باختيار الغافل, والنسيان ترك بغير اختياره.

* ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتاب " الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب" وقد ذكرنا أسرار الذكر, وعِظَمَ نفعه, وطيب ثمرته.

*الذكر ثلاثة أنواع ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله بها وتوحيد الله بها

وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام. وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي.

منزلة الفقر

* من منازل  {إياك نعبدُ وإياك نستعين }  : منزلة الفقر.

* الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله تعالى في كل حال, وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجهٍ.

* قيل أركان الفقر أربعة: علم يسوسه, وورع يحجزه, ويقين يحمله, وذكر يؤنسه.

* الفقر له بداية ونهاية, وظاهر وباطن. فبدايته الذُّلُّ, ونهايته العزُّ, وظاهره العدم, وباطنه الغنى.

منزلة العلم

* من منازل {إياك نعبدُ وإياك نستعين }  منزلة العلم وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه فسلوكه على غير طريق وهو مقطوع عليه طريق الوصول مسدود عليه سبلُ الهدى...مغلق عنه أبوابها

* العلم حياة القلوب, ونور البصائر, وشفاء الصدور, ورياض العقول, ولذة الأرواح, وأنس المستوحشين, ودليل المتحرين. وهو الميزان الذي به تُوزن الأقوال والأعمال والأحوال. وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين, والغي والرشاد, والهدى والضلال.

* به يُعرف الله ويُعبد, ويذكر ويُوحد, ويُحمد ويمجد, وبه اهتدى إليه السالكون, ومن طريقه وصل إليه الواصلون وبه تعرف الشرائع والأحكام ويتميز الحلال من الحرام وبه تُوصل الأرحام وبه تُعرف مراضي الحبيب وبمعرفتها ومتابعتها يُوصل إليه من قريب

* من أحالك على غير ( أخبرنا ) و ( حدثنا ) فقد أحالك: أما على خيال صوفي, أو قياس فلسفي, أو رأي نفسي, فليس بعد القرآن, و( أخبرنا ) و( حدثنا ) إلا شبهات المتكلمين, وآراء المتخرصين, وخيالات المتصوفين, وقياسات المتفلسفين.

* من فارق الدليل ضلَّ عن سواء السبيل, ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة, وكلُّ طريق لم يصحبها دليل السنة والقرآن فهي من طرق الجحيم والشيطان.

منزلة الحكمة

* من منازل {إياك نعبدُ وإياك نستعين}  : منزلة الحكمة, قال الله تعالى: ﴿ يُؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أُوتى خيراً كثيراً [البقرة:269]

* أحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهدٍ ومالكٍ: إنها معرفة الحق والعمل به, والإصابة في القول والعمل, وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن, والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان.

* الحكمة...لها ثلاثة أركان: العلم, والحلم, والأناة. وآفتها وأضدادها: الجهل, والطَّيش, والعَجَلة, فلا حكمة لجاهلٍ, ولا طائشٍ, ولا عجولٍ.

منزلة الفراسة

* من منازل   {إياك نعبدُ وإياك نستعين} : منزلة الفراسة, قال الله تعالى:  {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر:75] قال مجاهد رحمه الله: للمتفرِّسين.

* الفراسة الإيمانية...نور يقذفه الله في قلب عبده, يُفرق به بين الحق والباطل...والصادق والكاذب. وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان, فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدَّ فراسة.

* قال أبو عمرو بن نجيد: كان شاه الكرماني حاد الفراسة, لا يخطئ, ويقول: من غضَّ بصره عن المحارم, وأمسك نفسه عن الشهوات, وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة, وتعود أكل الحلال لم تخطئ فراسته.

* قال أحمد بن عاصم الأنطاكي: إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق, فإنهم جواسيس القلوب, يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون.

* يقال في بعض الكتب القديمة: إن الصديق لا تُخطئ فراسته.

* كان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسةً, وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووقائع فراسته مشهورة فإنه ما قال لشيءٍ "أظنه كذا" إلا كان كما قال. وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه كان صادق الفراسة. وفراسة الصحابة أصدق الفراسة

* أصل هذا النوع من الفراسة: من الحياة والنور اللذين يهبهما الله لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك ويستنير, فلا تكاد فراسته تخطئ.

* للفراسة سببان: جودة ذهن المتفرس وحدة قلبه وحسن فطنته. والثاني: ظهور الأدلة ...على المتفرس فيه. فإذا اجتمع السببان لم تكد تُخطئ للعبد فراسة وإذا انتفيا لم تكد تصحُّ له فراسة, وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.

* كان إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسة, وله الوقائع المشهورة, وكذلك الشافعي رحمه الله. ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية أموراً عجيبة, وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم, ووقائع فراسته تستدعى سفراً ضخماً.

 

منزلة التعظيم

* من منازل  { إياك نعبدُ وإياك نستعين} منزلة التعظيم. وهذه المنزلة تابعة للمعرفة, فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب وأعرفُ الناس به أشدهم له تعظيماً وإجلالاً, وقد ذمّ الله من لم يُعظمه حق عظمته, ولا عرفوه حق معرفته.

* قال تعالى:  {ما لكم لا ترجون لله وقاراً }  [نوح:13] قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة, وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته ؟

منزلة السكينة

*من منازل {إياك نعبدُ وإياك نستعين}  منزلة السكينة. هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب وقد ذكر الله سبحانه السكينة في كتابه في ستة مواضع. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة.

* سمعته يقول في واقعة عظيمةٍ جرت له في مرضه, تعجز العقول والقوى عن حملها – من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة – قال: فلما اشتد عليَّ الأمر قلت لأقاربي: اقرؤوا آيات السكينة, قال: ثم أقلع عني ذلك الحال.

* لقد جرَّبتُ أنا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه, فرأيتُ لها تأثيراً عظيماً في سكونه وطُمأنينته.

* أصل السكينة هي الطمأنينة والوقار, والسُّكون الذي يُنزله الله في قلب عبده, عند اضطرابه من شدة المخاوف, فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه, ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات.

*أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب. كيوم الهجرة, هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رؤوسهم, لو نظر إلى ما تحت قدميه لرآهما. وكيوم حنين, ولَّوا مُدبرين من شدة بأس الكفار, لا يلوي أحد على أحدٍ

* السكينة إذ نزلت في القلب اطمأن بها, وسكنت إليها الجوارح وخشعت, واكتسبت الوقار, وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة, وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش, واللغو والهجر, وكل باطل.

* قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنّا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه.

* كثير ما ينطق صاحب السكينة بكلام لم يكن عن فكرة منه ولا رويّةٍ, ولا هيَّأه, ويستغربه هو من نفسه كما يستغرب السامع له وربما لم يعلم بعد انقضائه بما صدر منه

* أكثر ما يكون هذا عند الحاجة, وصدق الرغبة من السائل والمُجالس, وصدقِ الرغبة منه هو إلى الله, والإسراع بقلبه إلى بين يديه وحضرته, مع تجرده من الهوى, وتجريده النصيحة لله ورسوله وعباده, وإزالة نفسه من البين.     

منزلة الطُّمأنينة

* من منازل  {إياك نعبدُ وإياك نستعين} منزلة الطُّمأنينة. قال الله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قُلُوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب }  [الرعد:28]  *الطُّمأنينة: سكون القلب إلى الشيء, وعدم اضطرابه وقلقه.

*من أدركه الضجر من قوة التكاليف...ولاسيما فيمن أُقيم مقام التبليغ عن الله ومجاهدة أعداء الله...فإن ما يحمله...فوق ما يحمله الناس ويتحملونه, فإذا أراد الله أن يُريحه ويحمل عنه أنزل عليه سكينته, فاطمأن إلى حكمه الديني وحكمه القدري

*إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم أنه دينه الحق وهو صراطه وهو ناصره وناصر أهله وكافيهم ووليهم وإذا اطمأن إلى حكمه الكوني علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا وجه للجزع والقلق إلا ضعف اليقين والإيمان.   

* المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه واطمأنَّ بمشاهدة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمه, ولا يستبعد هذا فكثير من العقلاء إذا تحقق نفع الدواء الكريه فإنه يكاد يلتذَّ به, وملاحظته لنفعه تغنيه عن تألمه بمذاقه.

منزلة المحبّة

* من منازل {إياك نعبدُ وإياك نستعين } منزلة المحبة. وهي المنزلة التي فيها يتنافس المتنافسون, وإليها شخص العاملون, وإلى علمها شمر السابقون, وعليها تفانى المحبون, وبروح نسيمها تروح العابدون.

* هي قوت القلوب, وغذاء الأرواح, وقرة العيون, وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات, والنور الذي من فقده ففي بحار الظلمات, والشفاء الذي من عدمه حلَّت بقلبه جميعُ الأسقام, واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كلُّه هموم والآم.

* هي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال, التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه,

* تحملُ أثقال السائرين إلى بلادٍ لم يكونوا إلا بشِقِّ الأنفس بالغيها, وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها, وتُبوِّئهم من مقاعد الصدق مقاماتٍ لم يكونوا لولا هي داخليها.

* تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة, إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب, وقد قضى الله....أنّ المرء مع من أحب, فيا لها من نعمة على المحبين سابغة!

* لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى... { قُل إن كنتم تُحبُّون الله فاتبعوني يُحببكم الله}  [آل عمران:31] فتأخر الخلق كلهم, وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه.

* تأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم, فهلُمُّوا إلى بيعة {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} [التوبة:111]

* عند الجهمية والمعطلة. لا يُحَبُّ لذاته ولا يُحِبُّ, فأنكروا حياة القلوب ونعيم الأرواح, وبهجة النفوس, وقرة العيون, وأعلى نعيم الدنيا والآخرة, ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضرب دونهم ودون الله حجاب...فلا يعرفونه ولا يحبُّونه.

* المحب يجد في لذة المحبة ما يُنسيه المصائب, ولا يجد من مسها ما يجد غيره, حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست بطبيعة الخلق, بل يقوى سلطانُ المحبة, حتى يلتذّ بكثير من المصائب أعظم من التذاذ الخَلِي بحظوظه وشهواته.  

 * المحبة...ثباتها بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أعماله وأقواله وأخلاقه, فبحسب هذا الاتِّباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها, وبحسب نقصانه يكون نقصانها

* ليس الشأن أن تحبّ الله, بل الشأن في أن يحبّك الله, ولا يُحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهراً وباطناً, وصدقته خبراً, وأطعته أمراً, وأجبته دعوةً, وآثرته طوعاً.

* تأمل قوله: {فاتبعوني يُحببكم الله}  [آل عمران:31] أي الشأن في أن الله يحبُّكم, لا في أنكم تحبُّونه, وهذا لا تنالوه إلا باتِّباع الحبيب.

* العقول تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكلِّ ما سواه وكلُّ من لم يحكم عقله بهذا فلا تعبأ بعقله فإن العقل والفطرة والشرعة...يدعو إلى محبته بل إلى توحيده في المحبة وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول.

كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ