التفكير والتفكر في الإسلام

منذ 2022-03-07

يسود تصور خاطئ عند البعض - وبخاصة المثقفون والمتعلمون - بأن الإسلام يعد عائقًا أمام التفكير، وبأن الدين مانع للتفكر، وقد يكون هذا التصور ناتجًا عن موقف سياسي، أو تبنٍّ فكري، أو لأحداث تاريخية قديمة لا علاقة لها بالإسلام.

يسود تصور خاطئ عند البعض - وبخاصة المثقفون والمتعلمون - بأن الإسلام يعد عائقًا أمام التفكير، وبأن الدين مانع للتفكر، وقد يكون هذا التصور ناتجًا عن موقف سياسي، أو تبنٍّ فكري، أو لأحداث تاريخية قديمة لا علاقة لها بالإسلام.

 

الإسلام باعتباره خاتم الأديان قد جاء بما يدفع الإنسان للعمل والإبداع، والفكر والتفكير؛ قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

 

بل لقد جعل الإسلام في النظر في الكون ونشأته، وكذلك من مخلوقات الله في الأرض مجالاتِ التفكر؛ فقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3].

 

وقد أدرك الأستاذ محمود عباس العقاد رحمه الله هذه الحقيقة الإسلامية، فأعد بحثه: "التفكير فريضة إسلامية"، وقدمه للمؤتمر الإسلامي في ستينيات القرن العشرين الميلادي، ونُشر في كتاب بواسطة دار العلم بالقاهرة؛ قال فيه: "القرآن لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يُلام فيها المنكِر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه، ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة، بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها، وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع، ولا في العقل المدرك، ولا في العقل الذي يُناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة"[1].

 

مفهوم التفكير:

مفهوم التفكير لغويًّا: جاء في لسان العرب لابن منظور أن التفكير اسم، ومن العرب من يقول الفكر والفكرة والفكري.

 

ومفهوم التفكير اصطلاحًا: كل نشاط ذهني أو عقلي يختلف عن الإحساس والإدراك الحسي، أو يتجاوز الاثنين إلى الأفكار المجردة، أو هو البحث عن المعنى، سواء كان هذا المعنى موجودًا بالفعل، ونحاول العثور عليه والكشف عنه، أو استخلاص المعنى من أمور لا يبدو فيها المعنى ظاهرًا، ونحن نستخلصه أو نعيد تشكيله من متفرقات موجودة[2].

 

إن عملية التفكير عملية إنسانية تتطلب مجودات من أطراف عديدة خلال مراحل النمو، ويؤثر فيها كثير من العوامل الوراثية والبيئية والثقافية، ويولد الإنسان وهو مزود بآلة التفكير؛ وهي العقل[3].

 

التفكير والتفكر في القرآن الكريم:

يعد التفكير أرقى سمة يتسم بها الإنسان الذي كرمه سبحانه وتعالى، وميزه عن غيره من سائر الكائنات الحية، ولقد حث الله سبحانه وتعالى البشر على التفكير في كثير من الآيات القرآنية، وكرم العقل والعلم والعلماء، وإن الأديان السماوية حثت على التفكير، والإسلام أحد هذه الأديان، الذي اعتبر التفكير فريضة إسلامية، وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكامل ما احتواه من الوظائف بخصائصها جميعًا[4].

 

ورد في القرآن الكريم: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [المدثر: 18 - 20]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191].

 

 

وردت كلمة "يتفكرون" في القرآن ثماني عشرة مرة؛ في سورة البقرة مرتين: الآية: 219، والآية: 266، الأنعام: الآية: 50، بالياء، الأعراف مرتين: الآية: 176، والآية: 184، بلفظ "يتفكرون"، والثانية بلفظ "يتفكروا"، يونس: الآية: 24 بالياء، النحل: الآية: 11، والآية: 44، والآية: 69، ثلاث مرات في سورة النحل كلها بالياء، الروم مرتين: الآية: 8، والآية: 21، الأولى بلفظ "يتفكروا"، والثانية "يتفكرون"، سبأ: الآية: 46 بلفظ "تتفكروا"، الزمر: الآية: 42 بالياء "يتفكرون"، الجاثية: الآية: 13 بالياء "يتفكرون"، الحشر: الآية: 21 بالياء "يتفكرون"، وأخيرًا في سورة المدثر الآية: 18 بلفظ "فكر".

 

أهمية التفكير:

1- يساهم التفكير في إعداد الإنسان للتعامل مع ظروف الحياة، وتحديد ما ينفعه وما يضره.

 

2- إنشاء الفكر لدى المجتمع، واستغلال طاقات ومقدرات المجتمع بحيث تحدث النهضة والتنمية المنشودة.

 

3- امتلاك مقومات القوة، سواء المادية أو المعنوية، وسواء كان ذلك للأفراد أو المجتمع أو الدولة.

 

4- صنع فرد صالح قادر على البناء والمساهمة في التنمية.

 

5- مواكبة ما يحدث في العالم من تغيرات سريعة ومتلاحقة، بل والمساهمة في هذه التغيرات.



 

التفكير والعلم:

لا شك أن التفكير والعقلانية والتدبر لا يمكن أن يتحقق لإنسان جاهل لا يعلم من الحياة شيئًا، ويخطئ من يظن أن إطلاق لفظ العلم والتعلم في الإسلام مقصور على تعلم الأمور الدينية الشرعية فقط، بل المقصود بذلك - إلى جانب العلم الشرعي - كل ما يخدم الأمة والإنسانية، ويحقق أهدافها بالخير والسعادة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، وهكذا تتضح المنزلة التي وصفها الإسلام للعلم والعلماء؛ حيث فضلهم وقدمهم على العبادات النافلة، وعن ابن مسعود قال: "الدراسة صلاة"؛ أي: العلم والدراسة عبادة مثل الصلاة، كما يولي الإسلام عناية خاصة بالعلم التطبيقي التجريبي؛ إذ يسعى الإسلام إلى إيجاد العقلية العلمية العملية الواعية[5].

 

الكاتب الماركسي مكسيم رودنسون يقول في حديثه عن العقيدة القرآنية: "القرآن الكريم كتاب مقدس تحتل فيه العقلانية مكانًا كبيرًا، فالله لا ينفك فيه يناقش ويقيم البراهين، بل إن أكثرنا يلفت النظر: إن الوحي نفسه - هذه الظاهرة الأقل اتسامًا بالعقلانية في أي دين، الوحي الذي أنزله الله على مختلف الرسل عبر العصور وعلى خاتمهم محمد - يعتبره القرآن هو نفسه أداة للبرهان، فهو في مناسبات عديدة يكرر لنا أن الرسل قد جاؤوا بـ(البينات)، وهو لا يألو يتحدى معارضيه أن يأتوا بوحي مثله.

 

تنمية الفكر:

إن تنمية الفكر تقوم على ثلاثة أسس رئيسية؛ هي:

1- التعرف على المبادئ والمنطلقات الصحيحة التي تستخدم في التفكير.

 

2- معرفة بعض التقنيات التي تساعدنا على استخدام إمكاناتنا العقلية على نحو صحيح.

 

3- تسليط الضوء على بعض الانحرافات على سبيل التفكير المنهجي[6].

 

 

التفكير والمعلومات:

في التفكير استقصاء وبحث، وهذا يحتاج إلى توفير المعلومات، بل قد يكون التفكير مستحيلًا في حال عدم توفر المعلومات أو إن كانت المعلومات منقوصة غير كاملة.

 

كما أن توفر معلومات زائدة عن الحاجة تُشتِّت التفكير، وقد تُعيق العقل وتضيعه.

 

أما الأخطر في موضوع التفكير والمعلومات هو توفير معلومات خاطئة غير صحيحة ولا سليمة، مما يجعل من التفكير غير دقيق، ومن ثَمَّ الحصول على نتائج خاطئة ليست ذات أي فائدة.

 

متفرقات في التفكر والتفكير:

• كلف الله الإنسان بعمارة الأرض، وهذا تكليف لا يحتاج تكاسلًا أو تجاهلًا، إنما يحتاج لتفكير نشط واعٍ قادر على إعمار الأرض الإعمار الصحيح.

 

 

• لا بد من التفكير بالمستقبل، فالأمم البائسة أمم بلا مستقبل؛ لذا مطلوب التفكير بالمستقبل وتطوير هذا التفكير، وفتح المجال أمام الإبداع.

 

 

• مطلوب الخروج من النمطية بالتفكير، والخروج من الأنماط السائدة، وهذا يحتاج لتنوع معرفي، وسعة اطلاع، وخروج من الصندوق الضيق بالتفكير.

 

 

• الخروج من التصلب الذهني، ويقول الدكتور عبدالكريم البكار في كتابه: "مدخل إلى التنمية المتكاملة": إن المرونة الذهنية هي قدرة العقل البشري على إدراك الفروق الدقيقة بين الأشياء، والمراوحة المستمرة بين الأمس والأصول، وبين المسائل الفرعية التخصصية، وتعرية الألفاظ والمصطلحات مما يعلق بها من شوائب الاستعمال والتقليد، من أجل بعث حيويتها في الدلالة والإيحاء، إلى جانب قدرته على التفلت من القولبة والنماذج الثابتة".

 

 

• إطلاق حرية التفكير والترحيب بكل الأفكار، وتشذيبها فيما بعد.

 


[1] موسى، نظمي: العقل نعمة إلهية والتفكير فريضة إسلامية: https://2u.pw/ooqwS.

[2] بركات، زياد: التفكير الإيجابي والتفكير السلبي، دار الشروق، الأردن، الطبعة الأولى، 2018، ص 108.

[3] بركات، زياد - المصدر السابق - ص 107.

[4] بركات، زياد - المصدر السابق - ص 23.

[5] حلاوة، جمال: مدخل إلى علم التنمية، دار الشروق، الأردن، الطبعة الأولى، 2009، ص61-62.

[6] بكار، عبدالكريم: مدخل إلى التنمية المتكاملة، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1999، ص51.

_____________________________________________
الكاتب: ثامر عبدالغني فائق سباعنه