الفقه الإسلامي ودوره الرائد

منذ 2022-03-14

الشارع الأول هو الله (عز وجل) الذي أنزل مبادئ الشريعة الإسلامية بما فيها من دين ومن قضاء. فكان طبيعياً أن يبحث علم الفقه أو علم فروع الشريعة في العبادات وفي المعاملات جميعاً وأن يعد الأصوليون هذا العلم من العلوم الدينية.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 

الفقه لغة: الفهم، ومنه الآية الكريمة {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [1].

 

وأما في الاصطلاح، فقد خص بالفقه علم فروع الشريعة.

 

وسمى العالم به فقيهاً.

 

والفقه عند الفقهاء هو ((العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية)).

 

1 - الفقه ((علماً)) استعمل الفقهاء أحياناً كلمة العلم بمعنى الفهم والمعرفة. ولكن لا ريب أيضاً في أنهم درسوا الفقه على أنه ذو موضوع خاص وقواعد خاصة، بوجه نسبتين منه أنهم اعتبروه علماً بالمعنى الذي نعرفه اليوم. وهذا موافق للرأي الحديث السائد. وموضوع هذا العلم، يتلون بالآراء الاجتماعية، ويتأثر بظروف البيئة وبمظاهر الحياة الإنسانية، فلهذا اعتبره بعض القدماء فناً..


2 - الفقه علم ((بالأحكام الشرعية)) والحكم الشرعي: هو ((خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية)). وبعبارة أخرى، هو عند الأصوليين: ما خاطب به الشارع الناس المكلفين من طلب، أو تخيير، أو وضع، يتعلق بأفعالهم. أو هو القاعدة التي نص عليها الشرع في مسألة من المسائل.

 

وأن الحكم الشرعي يفترض وجود الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه. فالحاكم معناه الشارع، وهو الله عز وجل لأنه مصدر الأحكام الأول في الشرع الإسلامي. والمحكوم فيه: هو الفعل الذي يتعلق به الحكم الشرعي. والمحكوم عليه هو الإنسان المكلف بالحكم الشرعي.

 

ويشترط أن يكون عاقلاً أهلاً للتكليف. وثمة عوارض تؤثر على أهلية التكليف. وهي إما سماوية، تقع من دون اختبار الإنسان، كالصغر والجنون والعته والنوم والمرض والموت والنسيان، وإما مكتسبة بفعل الإنسان كالسكر والهزل والسفه والتبذير والخطأ والجهل والسفر والإكراه.

 

ثم إن الحكم الشرعي نوعان: تكليفي ووضعي. فالتكليفي: هو ما كان أثره يتعلق بالاقتضاء والتخيير. وتقسم الأفعال من هذه الناحية إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام. فالواجب: هو المطلوب فعله شرعاً مع الذم على تركه.

 

ثم الحرام: هو المطلوب تركه شرعاً مع الذم على فعله.

 

ثم المندوب: هو المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقاً.

 

ثم المكروه: هو المطلوب تركه من غير ذم على فعله.

 

وأخيراً المباح: هو ما كان المرء مخيراً فيه بين الفعل والترك من غير بدل. مثلاً الآية الكريمة {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [2].

 

فالبيع: حكم تكليفي مباح، والربا: حكم تكليفي حرام أو محظور وهكذا.

 

أما الحكم الوضعي، فهو ما كان موضوعاً كسبب أو شرط أو مانع للأفعال أو ما يترتب على هذه الأفعال من صحة أو بطلان أو رخصة أو عزيمة.

 

وأمثلة توضح ذلك:

يقال: إن القتل سبب القصاص، ومعناه أن القصاص هو الحكم الوضعي لفعل القتل، لأنه سبب له. وكذلك يعتبر تسليم المبيع شرطاً في عقد البيع لأنه من شروط إيفاء العقد. ويعد خيار العيب في المجلة مانعاً من لزوم البيع، لأن العيب في المبيع، أي الصفات التي تنقص قيمته، لما كانت تعطى المشتري حق فسخه، فهي تمنع من اعتبار البيع لازماً.

 

ثم ان بيع الراشد صحيح، وان بيع المجنون باطل، بإذن حكم الأول الوضعي هو الصحة، وحكم الثاني: البطلان ثم من أمثلة الرخصة الضرورات، فحكمها الترخيص وإباحة المحظورات وأخيراً، العزيمة هي ما جوز في الأصل من الأحكام، كما نرى في العقود المشروعة مثلاً. أما كلمة ((الفرعية)) في التعريف: فيقصد بها أن الأحكام الفقهية تتعلق بالمسائل العملية الناتجة من أفعال المكلفين في معاملاتهم اليومية. ولذا سميت أحكام هذه المسائل بالفروع لتفريقها عن الأصول، وهي الأدلة الشرعية موضوع علم أصول الفقه.


3 - إن علم الفقه ((مكتسب من أدلة الأحكام التفصيلية)) ومعناه أن على الفقيه أن يسند الأحكام الشرعية بالنظر والاستدلال إلى مآخذها والمصار التي تؤيدها وتثبتها. فلذا سمي المصدر في الاصطلاح الشرعي دليلاً أو أصلاً.

 

إن الشريعة أو الشرع عند المسلمين: هو ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الآية الكريمة {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [3].

 

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [4].

 

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [5].


فالشارع الأول إذن هو الله (عز وجل) الذي أنزل مبادئ الشريعة الإسلامية بما فيها من دين ومن قضاء. فكان طبيعياً أن يبحث علم الفقه أو علم فروع الشريعة في العبادات وفي المعاملات جميعاً وأن يعد الأصوليون هذا العلم من العلوم الدينية.

 

وكان طبيعياً أيضاً أن ترتبط أمور المعاملات بالدين في أصولها ومآخذها وفي أحكام التفسير والاجتهاد، وما إلى ذلك من مناهج التفكير والتحري والاستدلال.

 

والحاصل أن الشريعة الإسلامية شريعة إلاهية بمصادرها وأحكامها الأولى.

 

وتنقسم مسائل علم الفقه الإسلامي إلى قسمين كبيرين. أحدهما: قسم العبادات: وهو حق الله تعالى الذي يتعلق بأمور الآخرة، من إيمان وصلاة وزكاة وصيام وحج.. والقسم الثاني: حق العباد الذي يتعلق بأمور الدنيا، وهو ينقسم بدوره إلى عدة أقسام أشهرها: العقوبات والمناكحات والمعاملات. وزاد الغزالي قسماً ثالثاً لعلم الفروع، وهو علم الأخلاق الذي يتعلق بحق النفس. ولكن هذا القسم لم يبحث فيه الفقهاء في كتب الفقه العامة، بل بحثوا فيه على حدة، كما فعل الغزالي نفسه في كتاب إحياء علوم الدين:

فقسم العقوبات يبحث في الجنايات والجرائم، كالقتل والسرقة والزنا وشرب الخمر والقذف، وفي عقوباتها ومتفرعاتها، كالقصاص والحدود والديات.

 

ثم قسم المناكحات يشمل الزواج والطلاق وما تفرع عنهما، كالعدة والنسب والنفقة والحضانة والولادة والوصاية والإرث وغيرها.

 

ثم قسم المعاملات أخيراً يبحث في الأموال وما يتعلق بها من حقوق والتزامات وعقود، كأحكام البيوع والإجارة والهبة والإعارة والوديعة والكفالة والحوالة والشركة والصلح والغصب والإتلاف وما شابه ذلك.

 

وقَسَّم بعضهم المسائل الفقهية إلى ثلاث: العبادات والعقوبات والمعاملات. ثم قسموا مسائل المعاملات إلى مناكحات، ومعاوضات مالية، وأمانات، ومخاصمات.


ومن يتصفح الكتب الفقهية الإسلامية يجدها متشابهة في أسلوبها وتبويبها بوجه عام. فهي جميعاً تبتدئ بقسم العبادات. ثم تنتقل إلى باقي الأقسام، من عقوبات ومناكحات ومعاملات، فتبحث في أبوابها المتعددة على ترتيب يختلف أحياناً باختلاف المؤلفين ولكنه على كل حال ليس فيه التفريق الواضح بين أبواب هذه الأقسام الثلاثة. وفوق هذه الأقسام، نجد في الكتب الفقهية أقساماً أخرى أهمها المخاصمات والسير والأحكام السلطانية. فيشمل القسم الأول مسائل القضاء والدعاوي والبينات. ويبحث قسم السير (جمع سيرة) في أحكام الجهاد والغنائم والأمان وعقد الذمة واختلاف الدين واختلاف الدارين، أي أحكام الحرب والسلم واختلاف الجنسيات وأخيراً يبحث قسم الأحكام السلطانية في الخلافة والسلطات العامة والوزارة والولاة والجيش والضرائب، كالجزية والعشر والخراج.

 

والدور الأول في تاريخ التشريع الإسلامي هو عصر النبي صلى الله عليه وسلم. وقد بدأ ببداية رسالة النبي سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم سنة 610م وانتهى بوفاته صلى الله عليه وسلم سنة 632م.

 

وفي هذا الدور كان الكتاب، أي القرآن الكريم، مصدر التشريع الأساسي. وهو وحي من الله تعالى لهداية الناس أجمعين. وكانت مدة تنزيل القرآن الكريم اثنتين وعشرين سنة ونيف، منها اثنتا عشر سنة تقريباً في مكة المكرمة قبل الهجرة النبوية، والباقي في المدينة المنورة بعد هجرة النبي إليها صلى الله عليه وسلم.

 

وإلى جانب هذا المصدر الأساسي للتشريع، أضيف في هذا الدور مصدر آخر هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أي ما صدر عنه من حديث أو فعل أو تقرير.

 

وقد وضع القرآن الكريم والسنة أساس الدين والتشريع الإسلامي.


فنصَّا على مبادئ الإيمان والعبادات، وعلى قواعد الدعوة الإسلامية، ونظام العائلة، والمعاملات، والعقوبات. ومن أهم هذه المبادئ ما يلي:

أولاً: وجوب تقيد الحاكم بالمصلحة العامة وبالنصوص المقدسة.

 

ثانياً: الأمر بالعدل والإحسان، والمساواة، والأخوة الإنسانية.

 

ثالثاً: منع الحرب الاعتدائية وإباحة الحرب الدفاعية، والحض على السلم.

 

رابعاً: تحسين حالة المرأة والقاصرين.

 

خامساً: حرمة الملكية الفردية، وواجب الوفاء بالعقود، ومنع الغش والاحتيال.

 

سادساً: التفريق بين حق الله أو الحق العام، وحق العباد أو الحق الشخصي في مسائل العقوبات.

 

هذه بعض المبادئ العامة، التي أدخلها الإسلام على عادات العرب القديمة.

 

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بقي أهل الفتيا من الصحابة يُفْنُون ويحكمون فيما يعرض عليهم من الحوادث والقضايا على حسب القرآن والسنة.

 

وكانوا في ذلك يتشاورون فيما بينهم، ويأخذون بالإجماع أو القياس عند عدم النهي. فنشأ من ثم الإجماع والقياس كمصدرين إضافيين للتشريع. على جانب الكتاب والسنة. وبذلك صارت المصادر الرئيسية المعروفة أربعة، وقد قام أولاً بالفتيا والقضاء الخلفاء الراشدون، أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وأخص بالذكر منهم عمر الفاروق، الذي كان المؤسس الأكبر للدولة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وسلم والذي نظر إلى روح الشريعة الحقيقية، ونفَّذها بحزم وقوة، وعدل إحسان، ونَظَّم الدولة والدواوين وفق حاجات الزمن وتطوره.


وفي عصر الصحابة والتابعين، تفرق بعض هؤلاء في الأمصار الإسلامية المختلفة. فاشتهر منهم كثيرون أمثال عبدالله بن عباس في مكة، وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر في المدينة، وعبدالله بن مسعود في الكوفة، وعبدالله بن عمرو بن العاص في مصر. وقد غلب على كل بلد فتاوي من كان فيه من الصحابة أو التابعين.

 

وقد جمع القرآن الكريم في هذا الدور زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الصديق. ثم جمع في عهد عثمان بن عفان عام 650م على قراءة واحدة ومصحف واحد. أما السنة فإنها لم تجمع في هذا الدور، بل لقيت تنقل برواية المحدثين من دون تدوين.

 

وقد انتهى هذا الدور الثاني من تاريخ التشريع الإسلامي في أوائل القرن الثاني للهجرة (الثامن للميلاد). وهذا الدور الثاني من تاريخ التشريع الإسلامي هو عصر الخلفاء الراشدين والأمويين.

 

وابتدأ دور العصر الذهبي العباسي في أوائل القرن الثاني للهجرة، (الثامن للميلاد) وانتهى في منتصف القرن الرابع (العاشر للميلاد). وهو العصر الذهبي في الدولة العباسية.


ففي هذا العصر ازدهرت الدولة في جميع النواحي الاقتصادية والعلمية فازدهر علم الفقه، وتعددت المذاهب الفقهية، فانقرض بعضها بزوال أتباعها، وبقي البعض الآخر وذاع شيئاً فشيئاً. واشتهر من المذاهب السنية أربعة، وهي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.

 

وكذلك جمع الحديث في هذا الدور، ودونت المجموعات الشهيرة وكتبت تفاسير القرآن الكريم، وصنفت الكتب العديدة في فروع الفقه وأصوله. وهكذا درس الفقه على أساس علمي في علوم عديدة هي علم التفسير وعلم مصطلح الحديث وعلم الأصول وعلم الفروع.

 

وعلى الجملة، انقسم الفقهاء عند أهل السنة طائفتين كبيرتين.

 

أحداهما: طائفة أهل الرأي في العراق برئاسة أبي حنيفة النعمان.

 

والثانية: طائفة أهل الحديث في الحجاز برئاسة مالك بن أنس.

 

وقد اشتهر بذهب الحديث بالتمسك بالسنة النبوية، وبالنفور عن الرأي والاجتهاد. وسببه أن البلاد الحجازية كانت مهد السنة وموطن الصحابة. فكان فقهاؤها أعلم بها من غيرهم. هذا إلى أن أهلها كانوا لا يزالون على بساطة من العيش. فكانت الفتيا المستمدة من النصوص الشرعية، ومن إجماع الفقهاء كافية للفصل في منازعاتهم.

 

ولم يكن بالتالي من احتياج إلى التوسع في الاجتهاد والاستنباط. أما في العراق، فكان الأمر على العكس من هذا. فكانت هناك مشكلات عديدة، ووقائع متجددة. وكان الفقهاء لا يأخذون من الأحاديث إلا قليلها، بسبب بعدهم عن أرض الحديث، وما يتبع ذلك من تفشي الكذب في روايته. وكانوا يرجعون في كثير من المسائل الفقهية إلى تحكيم العقل والرأي، وإلى الاجتهاد بالقياس والاستحسان.

 

وقد توسعوا في ذلك وأفرطوا في التوسع، حتى تعرضوا لمسائل فرضية محضة.


منذ أواخر الدولة العباسية، توقف ازدهار علم الفقه، واكتفى الفقهاء بتدوين المذاهب، وبحصر اجتهادهم في المسائل الفرعية. ومنذ أوائل القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) أجمع الفقهاء السنيون إجماعاً ضمنياً على سد باب الاجتهاد، خوفاً من الاضطهاد، وعلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة المعروفة.

 

ثم تقهقرت المدنية العربية شيئاً فشيئاً، وأصابها الجمود في جميع نواحيهاً، فاستتبع ذلك تفشي التقليد، وتوقف الاجتهاد في الفقه. واكتفى الفقهاء باختصار الكتب الشرعية، ثم بشرح هذه المختصرات، وبتدوين كتب الفتاوي، لا سيما في المذهب الحنفي.

 

ولكن على الرغم من ذلك، فقد ترك المتأخرون بعض الكتب الفقهية القيمة، وحفظوا كثيراً من تراث الأئمة الأولين.

 

وفي عصر التقليد الذي مر معنا، كثر انتشار البدع والخرفات المبنية على الوهم والجهل، وجمد الناس في تفكيرهم، حتى أنهم تقيدوا باجتهاد بعض الأولين، تاركين روح الشريعة الأصلية.

 

لذلك كان من الفقهاء المسلمين من لم يقبل بهذا التقليد، فقاموا يعلنون لزوم الاجتهاد، والرجوع إلى مصادر التشريع الأصلية أي القرآن الكريم والسنة وحدهما. فلذا سمي مذهبهما بمذهب السلف الصالح.

 

ومن هؤلاء المجددين: تقي الدين بن تيمية، وابن قيم الجوزية، من الفقهاء الحنابلة في القرن الثامن للهجرة (الرابع عشر للميلاد).

 

ثم سار على خطتها في القرن الثاني عشر للهجرة (الثامن عشر الميلادي) محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية.

 

وأخيراً قام في القرن التاسع عشر جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده وتلامذتهما، ودعوا إلى نبذ التقليد، وإلى توحيد المذاهب، والرجوع إلى مصادر الشريعة الأصلية، والابتعاد عن البدع والخرافات. وكانت نتيجة ذلك دراسة الشرع الإسلامي على ضوء نصوصه الأصلية، وعلى ضوء حاجات المدنية العصرية.

 


بعد هذه النبذة المختصرة عن تطور التشريع الإسلامي، لابد لنا من كلمة في الأسلوب الذي اتبعه الفقهاء في دراساتهم الشرعية.

 

فالخلاف الظاهر من هذه الناحية كان بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث. ومثل يوضح نوع هذا الخلاف، وهو يتعلق بتفسير الحديث الشريف: " «لا تبيعوا التمر حتى يبدو صلاحه» ". فقال أهل الحديث: إن الصلاح معناه ظهور النضج وبدو الحلاوة، وأنه من ثم لا يجوز بيع ما سيبرز من الثمار مع ما برز تبعاً له. أما عند أهل الرأي، فهذا بيع جائز، لأن الصلاح عندهم معناه أمن العاهة والفساد.

 

وإذا أردنا سرد المذاهب السنية بالقياس إلى درجة توسعها في الرأي، وجب وضع المذهب الحنفي في المركز الأول، ووضع المذهب الظاهري في الطرف الأخير، ثم وجب ترتيب باقي المذاهب السنية المعروفة كما يلي:

الشافعي فالمالكي ثم الحنبلي. ولابد من الإشارة إلى أن هذا الترتيب ليس إلا تقرباً إجمالياً. إذ برغم ذلك، ليس من النادر أن نرى هذا الترتيب معكوساً، أو مختلفاً في بعض المسائل مثاله: سنرى في مسألة قبول الشاهد الواحد أن المذاهب الحنبلي أكثر توسعاً من المذهب الحنفي. وهكذا.

 

غير أن هذا التباين بين أئمة المذاهب المختلفة لم يدم على هذا النحو بين تلامذتهم. إذ أن كثيرين من تلامذة الإمام الواحد قد رحلوا إلى الأمصار الأخرى، واتصلوا بالأئمة الآخرين وبتلامذتهم وأخذ كل فريق عن الفريق الآخر الشيء الكثير. وكان بينهم جدال وحوار ومناظرات فأسفر ذلك كله عن اتجاه جديد يرمي إلى تقريب النظريات المتعارضة، وإلى مزج طريقة أهل الحديث بطريقة أهل الرأي. فاستتبع هذا الاتجاه ظهور أئمة وتلامذة من الطريقتين معتدلين ومتوسطين، كما تلمس في مذهب الإمام الشافعي الجديد، وفي فتاوي أبي يوسف الطحاوي وغيرهم. حتى أننا نرى في الكتب الحنفية أحاديث عديدة لم يقبل بها أهل الحديث، ونرى في مذاهب أهل الحديث توسعاً ظاهراً في الاجتهاد كدليل المصالح المرسلة عند المالكيين، وكالاتجاه العقلي الملموس عند مجددي المذهب الحنبلي، أمثال بن تيمية وابن قيم الجوزية.


ومن الأمور الظاهرة في تعدد المذاهب الإسلامية أن الطريقة التي اتبعها الفقهاء في اجتهادهم واستدلالهم هي الطريقة التحليلية فيما يتعلق بالنصوص، والطريقة الاستقرائية فيما لا نص عليه. أي أن الفقهاء كانوا يأخذون النص كقاعدة، ثم يفسرونه ويحللونه ويستخرجون منه النتائج والفروع. أما إذا لم يكن من نص في المسألة، فإنهم كانوا حذرين يقظين، خائفين في البدأ من وضع القواعد العامة، لئلا يصطدموا بالنصوص المقدسة. فكانوا يدرسون القضية التي تعرض عليهم، أو التي كانوا يستعرضونها أثناء أبحاثهم ويجتهدون في استنباط الحل اللازم بالقياس أو الإجماع أو غير ذلك من الأدلة الشرعية. فكان اجتهادهم مبنياً على الاستقراء والخبرة وعلى التأني والحذر. وهذا هو السبب في أن الفقهاء المسلمين بوجه عام درسوا نظرية الجرم ونظرية العقد في أبواب الجرائم والعقود المختلفة. ولكن هذا لم يمنع المتأخرين منهم عن استخلاص القواعد الحقوقية الأساسية ودرسها درساً علمياً مستفيضاً.

 

وعلى الإجمال، لم يكن الخلاف بين المذاهب المختلفة خلافاً على المبادئ والتعاليم الأساسية، بل كان بوجه عام واقعاً على الفروع بمناسبة تطبيق المبادئ على القضايا العملية، فإذن، بوجه عام يعتبر اختلاف المذاهب شبيهاً باختلاف المحاكم اليوم في تفسير بعض النصوص أو القواعد عند تطبيقها على الدعاوى المعروضة عليهم.


ونحن نورد مثلاً على ذلك لنرى نوع الخلاف في هذا الأمر فقد اتفق الفقهاء على أن غاصب الشيء يلزمه أن يرده عيناً، وعلى أنه إذا استهلك الغاصب الشيء أو تلف أو ضاع، كان عليه إعطاء مثله إن أمكن وإلا فإعطاء قيمته. ولكن، لما كانت القيم والأسعار تتقلب مع الزمان والأمكنة، وجب تحديد الوقت والمكان اللذين ينظر إليهما عند تعيين قيمة المغصوب. فقال الحنفيون أن ينظر في ذلك إلى زمان حصول الغصب ومكانه. واعتمد الحنبليون وقت حصول التلف ومكانه. أما في المذهب الشافعي، فيضمن الغاصب المغصوب بأقصى قيمته من وقت الغصب إلى التلف. هذا مَثَلٌ عن اختلاف المذاهب. فالجميع متفقون على أن الغاصب يلزمه دفع القيمة عند تعذر أداء المثل، ولكنهم اختلفوا في التفصيلات المتعلقة بطريقة تقدير هذه القيمة ليس إلا.

 

وهكذا نرى أن اختلاف المذاهب، بوجه عام، كان اختلافاً في تطبيق القاعدة على القضايا العملية، شبيهاً باختلاف المحاكم اليوم في اجتهادهم القضائي.

 

قُلْتُ بوجه عام، لأن الاختلاف وقع على المبادئ أيضاً في بعض المستثنيات القليلة.


وأنه ليجدر بنا الوقوف لحظات وقفة عبرة وتأمل، وإلقاء نظرة خاطفة على هذا التراث العظيم الذي خلفه لنا فقهاء الإسلام في فجر انبعاث حركة التأليف، وانتشار المذاهب الفقهية، وما صنف فيها من مصنفات جليلة دلت على عظمة هذا المنتوج الذهني المستمد من تشريع سماوي مصدره الأول القرآن الكريم، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

 

والتاريخ يحدثنا أن حركة التأليف في التشريع لم يكن لها وجود في العصر الأول للإسلام، أي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كان القرآن ينزل منجماً فيدون، أما السنة فتحفظ.

 

ثم كان الناس يجتهدون ويقيسون الأحكام، وما لم يوجد فيه نص صريح من قرآن أو سنة، وقع الرجوع فيه إلى إعمال الرأي، والاستنتاج والاستنباط.


ولما فتح المسلمون عدة أقطار، وانتشر الإسلام، وقع الاحتياج إلى التدوين والتصنيف، وبرز عدة فقهاء ألفوا عدة كتب، نذكر منهم بالأخص أبا بكر عمر بن حزم الأنصاري، المتوفي سنة 120هـ. ومحمد بن محمد بن مسلم بن عبيدالله ابن شهاب، المتوفي سنة 124هـ.

 

ثم لما كثرت تفاريع التشريع، ونمت ملكة التفقه بسبب حركة الفتوحات، والتبسط في العمران، واختلاف البيئات والمجتمعات والنمو الاقتصادي، كان لزاماً أن تحدث الخلافات في الرأي وفي الاستنباط، واحتيج إلى توحيد العمل، وإلى تدوين الفتوى، وإرساء نظام خاص لقواعد القضاء، ونادى المنادي يوضع الكتب لهذه الغايات إجتناباً للفتنة، وحرصاً على عدم الانقسام، فكتب مثلاً ((ابن المقفع رسالته المشهورة إلى الخليفة ((أبي جعفر المنصور)) يقول فيها: "فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك، وأمضى في كل قضية رأيه، ونهى عن القضاء بخلافه وكتب في ذلك كتاباً جامعاً"... إلخ.


ولما حج ((أبو جعفر المنصور)) والتقى بالإمام ((مالك)) رحمه الله قال له: "يا مالك، لم يبق عالم غيري وغيرك. أما أنا فقد اشتغلت بالسياسة، وأما أنت فضع للناس كتاباً في السنة والفقه، تجنب فيه رخص ابن عباس، وتشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ووطئه توطئة".

 

فألف مالك ((الموطأ)) وكان أول ما ظهر للناس في الفقه قال فيه الإمام الشافعي رضي الله عنه ((ليس بعد كتاب الله أصح من كتاب الموطأ لمالك)).

 

وانطلقت حركة التأليف في الفقه الإسلامي بعد ذلك فألف ((أسد ابن الفرات)) كتاب ((الأسدية)) وهو مختصر لمدونه مالك. وألف عبدالسلام ((سحنون)) مدونته أيضاً، التي اختصرها عبدالله ((ابن أبي زيد)) النفزي وألف ((أبو حنيفة)) كتاب ((الفقه الأكبر)) وألف تلميذه ((أبو سيف)) عدة كتب ذكرها صاحب الفهرست، منها ((كتاب الحدود)) و((كتاب الوكالة)) و((كتاب الفرائض)) و((كتاب الوصايا)) ومن أشهر كتبه التي بقيت مرجعاً ممتازاً لكل الدارسين والباحثين ((كتاب الخراج)) في ضبط النظم الإدارية للدولة الإسلامية والضرائب.

 

وألف الشافعي ((كتاب الأم)) الذي حوى بحوثاً فنية اعتبرت بحق فتحاً في التأليف الفقهي.


ولقد كان لقطرنا التونسي الفخر كل الفخر، بظهور فقهاء الفوا في الفقه كتباً عزيزة خالدة، نذكر منها:

مدونة سحنون، وأسدية ابن الفرات، فاتح صقلية، وكتاب الفائق في معرفة القضاء والوثائق، لابن راشد القفصي، وشرح المدونة لابن ناجي القيرواني، وكتاب الأحكام للقاضي ابن عبد الرفيع وكتاب الإمام عمر بن عبدالسلام على جامع الأمهات لابن الحاجب وكتاب الحاوي للفتاوي للإمام البرزلي، وكتاب أحكام السوق ليحيى بن عمر دفين سوسة، الذي يتحدث فيه عن نظام الحسبة في الإسلام وكتاب أحكام السماسرة لتلميذه محمد الأبياني.


ولقد كان لهذا البلد الكريم الفخر والمجد بأن أخرج فحولاً من الفقهاء يشار إليهم بالبنان، وسجل التاريخ أسماءهم بأحرف من نور. نخص منهم بالذكر الإمام المازري: أبا عبدالله محمد بن علي بن عمر التميمي. أصله من مازرة من بلاد صقلية، نزل المهدية من الجمهورية التونسية. وهو من أكبر علماء المالكية، وصل إلى مرتبة الاجتهاد، وكان – إلى جانب تفقهه في التشريع – أديباً وعالماً بالطب، يفزع إليه في علم الأبدان، وفي علم الأديان.

 

قال في الديباج: يحكى أن سبب تعلمه الطب، ونظره فيه، أنه مرض فكان يطببه حكيم من اليهود، قال له يوماً: "لا أجد قربة أتقرب بها في ديني مثل أن أسعى إلى أن يفقدك المسلمون".

 

فسعى الإمام من وقتها في تعلم الطب. وكان قلمه في العلم أبلغ وأفصح من لسانه، ألف في الفقه والأصول، وشرح صحيح الإمام مسلم شرحاً سماه: ((المعلم، بشرح مسلم)) وشرح كتاب القاضي عبدالوهاب في الأصول، وبشرح البرهان، في الأصول أيضاً، وسماه: ((إيضاح المحصول من برهان الأصول)).

 

وتوفي في ربيع الأول من سنة، 536هـ، وقد نيف على الثمانين وكانت وفاته بالمهدية ومنها نقل إلى المنستير ودفت بمقبرتها، ثم لما امتد البحر وكاد أن يغمر المقبرة، نقل جثمانه إلى مكانه الآن داخل مدينة المنستير.

 

وقد ترجم له ((ابن فرحون)) المالكي[6].

 

كما ترجم له الشيخ مخلوف في كتاب شجرة النور الذكية.

 

وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى أثناء ترجمة الإمام الغزالي وأثنى عليه.

 

كما ذكر أيضاً من فقهاء المنستير: الشيخ أبا الحسن حسن بن محمد الخولاني الكانشي، المتوفي بالمنستير سنة 347هـ.


ومن علماء وأدباء المنستير الشيخ محمد زيتونة، المولود بالمنتسير سنة 1081، ومنها انتقل إلى تونس العاصمة، فأخذ العلم عن علماء عصره وتبحر في علمي المعقول والمنقول، ودخل المشرق، وباشر التدريس هناك، ثم رجع إلى تونس، وولي مشيخه المدرسة المرادية بعد مناظرة مع منافسيه. وله تآليف كثيرة، منها: حاشية على الوسطى في جزأين، وشرح على ((البيقونية)) في مصطلح الحديث وشرح على ((السلم)) في المنطق.

 

توفي بتونس سنة 1138هـ، ودفن بمقبرة الزلاج. وقد ترجم له الشيخ ((محمد النيفر))[7].

 

ومن العلماء الادباء المتأخرين أيضاً من أبناء المنستير، نذكر الشيخ أبا عبدالله محمد بن عمر سعادة.

 

ولد بالمنستير سنة 1088هـ، وبها نشأ، ثم قدم إلى تونس فأخذ من فقهائها، ومنها هاجر إلى القاهرة، وتتلمذ بالأزهر على عدة شيوخ، منهم محمد الزرقاني ومنصور المنوفي..


وكان فقيهاً أصولياً، ولي قضاء الحاضرة، والفتوى على المذهب المالكي. وكان أيضاً أديباً، شاعراً ناثراً.. قرض شرح ((التسهيل)) لعلي باشا الأول نثراً ونظماً، وله تآليف منها: حاشية على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، وله نظم بديع في مناسك الحج.. توفي سنة 1171هـ وترجم له الشيخ النيفر[8].

 

ومن فقهاء المنستير المعاصرين نذكر الشيخ ((محمد مخلوف)) قاضي المنستير، المتوفي منذ أعوام قليلة. ولعل الكثير من كهول البلاد فضلاً عن الشيوخ يعرفونه، وهو مؤلف كتاب التراجم الشهير: ((شجرة النور الزكية)) وذيلها وهما مطبوعان.

 

وبالجملة فإن مادة الفقه الإسلامي قد كان لها شأنها ووزنها، في صدر الإسلام، وفي شبابه وأيام انتشاره وشمول حكمه لعدة أقطار وأن هذه المادة كانت تحكم تلكم البلاد، بما سنته من قواعد، وضبطته من أحكام، وأن علماء الإسلام اشتغلوا بها، وألفوا فيها المؤلفات الضخمة التي أصبحت فيما بعد مرجعاً يرجع إليه، ومصدراً يعتمد عليه.


وعسى أن نجد من همم رجالات الإسلام وفقهائه عناية كبرى بإبراز تلكم المادة الخام، وإظهارها للناس، وإجراء المقارنات بينها وبين هذه القوانين العصرية، ليعلم الكل مدى صلوحية فقهنا لعصرنا ولكل العصور، وليعلم الكل مدى ما أخذت عنه تلكم القوانين الوضعية من أحكام وقواعد، مغفلة النسبة، متحاشية ذكره، لغرض في النفس وحتى نتمكن بعد الدراسة والتمحيص من الوقوف أمام التحديات المعاصرة وحل كافة المشاكل الحاضرة في ظل ذلك التشريع الحنيف - ونذكر باعتزاز وفخر، أن فقهنا الإسلامي تأثرت به عدة تشريعات، واقتبست منه عدة قوانين، ومن أهمها: القانون الفرنسي، الذي كان الفضل فيه لرجوع ((نابليون بونابرت)) من حملته على مصر، واطلاعه على الفقه الإسلامي هناك، واشتغاله بتدوين أحكامه، حتى ظهرت آثار ذلك فيما سن من تشريع بعد ذلك.

 

وقد اعترف بهذه الحقيقة شاهد من أهلها. يقول الفقيه الفرنسي ((لامبار)): "تعتبر نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي أشد ما تكون حزماً وشمولاً".

 

وأن غالب التشريعات العصرية اقتبست عن الفقه الإسلامي نظرية سوء استعمال الحق، التي لا يعرف الرومان عنها شيئاً.

 


[1] سورة التوبة الآية 87.

[2] البقرة الآية 275.

[3] الشورى الآية 13.

[4] المائدة الآية 48.

[5] الجاثية الآية 18.

[6] انظر الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب صفحة 279 وما بعدها.

[7] انظر عنوان الأريب صفحة 9 وما بعدها ج2.

[8] عنوان الأريب جزء 2 صفحة 75 وما بعدها.

____________________________________________________________

الكاتب: عثمان العياري