من درر العلامة ابن القيم عن القرآن الكريم -2

منذ 2022-03-20

صوت القرآن يُسكِّن النفوس ويُطمئنها ويُوقرها, وصوت الغناء يستفزها ويُزعجها ويُهيجها.   [الكلام على مسألة السماع]

 

  • أسباب الانتفاع بالقرآن:

إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, وألق سمعك, واحضر حُضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه, فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله. قال تعالى: {إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد  [ق:37] قوله: {لمن كان له قلب}  المراد به القلب الحيُّ, الذي يعقلُ عن الله وقوله: {أو ألقى السمع} أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له وهذا شرط التأثر بالكلام وقوله  {وهو شهيد}  أي: شاهد القلب حاضر غيرُ غائب

فإذا حصل المؤثِّرُ وهو القرآنُ, والمحل القابل وهو القلب الحي, ووجد الشرط وهو الإصغاءُ, وانتفع المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيءٍ آخر, حَصَل الأثرُ وهو الانتفاع والتذكر.[الفوائد]

  • هجر القرآن:

هجر القرآن أنواع :

أحدها: هجرُ سماعه, والإيمان به, والإصغاء إليه.

الثاني: هجرُ العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه, وإن قرآه وآمن به.

الثالث: هجرُ تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.

الرابع: هجرُ تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

الخامس: هجرُ الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها.[الفوائد]

  • أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة استماع القرآن:

كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم, إذا اجتمعوا واشتاقوا إلى حادٍ يحدُو بهم ليطيب لهم السيرُ, ومُحركٍ يحرك قلوبهم إلى محبوبهم, أمروا واحداً منهم يقرأ والباقون يستمعون, فتطمئن قلوبهم, وتفيض عيونهم, يجدون من حلاوة الإيمان أضعاف ما يجده السماعاتيه من حلاوة السماع, وكان عمر بن الخطاب إذا جلس عنده أبو موسى يقول: يا أبا موسى ذكِّرنا ربنا, فيأخذ أبو موسى في القراءة, وتعمل تلك الأقوال في قلوب القوم عملها, وكان عثمان بن عفان يقول: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. وإي والله! كيف تشبع من كلام محبوبهم وفيه نهاية مطلوبهم ؟ وكيف تشبع من القرآن وإنما فتحت به لا بالغناء والألحان ؟

إذا مرضنا تداوينا بذكـركم       فإن تركناه زاد السُّقم والمرضُ

[الكلام على مسألة السماع]

حقيق بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص به من الخسران المبين وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبَّره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه وصرف العناية إليه والعكوف بالهمة عليه, فإنه الكفيل بمصالح العباد في العباد والمعاش والمعاد, والموصل لهم إلى سبيل الرشاد.

[مدارج السالكين في منازل السائرين]

  • تيسير الله عز وجل كتابه للذكر:

لا تجد كلامًا أحسن تفسيرًا، ولا أتم بيانًا من كلام الله سبحانه؛ ولهذا سماه سبحانه (بيانًا)، وأخبر أنه يسَّره للذكر، وتيسيره للذكر يتضمَّن أنواعًا من التيسير:

إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.

الثاني: تيسير معانيه للفَهم.

الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.

[الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة]

  • التأمل في القرآن الكريم:

التأمُّل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه, وجمع الفكر على تدبره وتعقُّله, وهو المقصود بإنزاله, لا مجرد تلاوته بلا تفهم ولا تدبر, قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مُبارك ليدبروا آياته وليتذكر أُولُوا الألباب }  [ص:29] فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمُّل له, وجمع الفكر على معاني آياته, فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما, وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما. وتتُلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة, وتثبيت قواعد الإيمان في قلبه, وتشيد بنياته وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه وتُحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر. وتشهده عدل الله وفضله, وتعرفه ذاته, وأسماءه, وصفاته, وأفعاله, وما يحبُّه, وما يبغضه, وصراطه الموصل إليه, وما لسالكيه بعد الوصول إليه والقدوم عليه, وقواطع الطريق, وآفاتها. وتعرفه النفس وصفاتها, ومفسدات الأعمال ومصححاتها, وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم...ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه.

وبالجملة تعرفه الربَّ المدعو إليه وطريق الوصول إليه, وماله من الكرامة إذا قدم عليه

وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان والطريق الموصلة إليه وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.[مدارج السالكين]

صوت القرآن يُسكِّن النفوس ويُطمئنها ويُوقرها, وصوت الغناء يستفزها ويُزعجها ويُهيجها.   [الكلام على مسألة السماع]

              كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ