الحكم والغايات المقصودة المنشودة من شرعية الصيام

منذ 2022-03-27

ثمانية مقاصد وغاية في شرعية الصيام

الأولى: تحقيق التقوى التامة الكاملة:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

 

قال الماوردي رحمه الله في "النكت والعيون" (1/ 236): وفي قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قولان:...

والثاني: معناه الصوم سبب يَؤُول بصاحبه إلى تقوى الله تعالى؛ لما فيه من قهر النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج؛ اهـ[1].

 

وقال أبو بكر البيهقي رحمه الله في "شعب الإيمان" (3/ 287): قال أبو عبد الله الحليمي في مبسوط كلامه: قد أبان الله عز وجل أن الصوم من أسباب التقوى، وحقيقة التقوى فعل المأمور به والمندوب إليه، واجتناب المنهي عنه والمكروه والمنزه عنه؛ لأن المراد من التقوى وقاية العبد نفسه من النار، وهو إنما يقي نفسه بما ذَكَرْتُ.اهـ

 

ويأتي مزيدُ بيان لهذه الحكمة في (الفضيلة الأولى) -إن شاء الله تعالى-.

 

الثانية: تطهير الأعمال من الرياء وجعلها خالصة لوجه الله تبارك وتعالى:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، رواه البخاري برقم (38)، ومسلم (759).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عزوجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به؛ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، (رواه البخاري برقم (1805)، ومسلم (1151).

 

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يومًا في سبيل الله؛ باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا»  (رواه البخاري برقم (2685)، ومسلم (1153)[2]).

 

ووجه الدلالة من الأدلة السابقة ظاهرة، في أن الصيام المقبول، هو ما كان خالصًا لله، ومن أجله تبارك وتعالى، والله أعلم.

 

الثالثة والرابعة: تزكية النفس وتطهيرها وتهذيب الجوارح وضبطها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يفسق، ولا يجهل، فإن امرؤ سابه؛ فليقل: إني امرؤ صائم»، (رواه البخاري برقم (1805)، ومسلم (1151)).

 

فقوله صلى الله عليه وسلم «الصيام جنه»: أي: درع واقية من الإثم في الدينا، ومن النار في الآخرة، وبهذا يُحقِّق الصيام غاية تزكية النفس وتطهيرها، ووقايتها من الشرور والآثام. اهـ[3].

 

وفي (الفضيلة الثالثة والرابعة والخامسة والعشرون) - يأتي مزيد بسطٍ وإيضاح، لبيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم «الصيامُ جُنة»، -إن شاء الله تعالى-.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، (رواه البخاري برقم (6057)، وأبو داود (2362)[4].

 

وفي لفظٍ لأحمد (9838)[5]: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل».

 

وعند الطبراني في "الصغير" برقم (472)[6]: «من لم يدع الخنا والكذب، فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه».

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح" (4/ 117): قال ابن العربي مقتضى هذا الحديث: أن من فعل ما ذُكر لا يُثاب على صيامه، ومعناه: أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.

 

وقال البيضاوي: ليس المقصود من شريعة الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول؛ اهـ.

 

وقال ابن الهمام رحمه الله في "شرح فتح القدير" (2/ 300): الصوم يُسكِّن النفس الأمارة، ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح، من العين واللسان، والأذن والفرج، ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها؛ اهـ.

 

الخامسة: تهذيب الألفاظ:

تقدم في الحكمة الثالثة والرابعة -من هذا المدخل-: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول: «فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجهل، فإن امرؤ سابه؛ فليقل: إني امرؤ صائم».

 

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

 

ووجه الدلالة منهما على ما عُنْوِنَ لهما: أوضح من الشمس في رابعة النهار، ليس دونها سحاب، والله المستعان، وهو أعلم.

 

السادسة: إضعاف دواعي الشر:

قال في رسالة "مقاصد الشريعة في الصيام" (ص4): ومن حكم الصيام وأسراره: إضعاف دواعي الشر، إذ أن الصيام بما يتضمنه من إخبات لله، وخضوع بترك محبوبات النفس ومشتهياتها، يُؤدي إلى إضعاف نوازع الشر في النفس البشرية ودواعيه، وقد جاء من حديث صفية - زوج النبي ق، أنه قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»، (رواه البخاري برقم (1933)، ومسلم (2174).

 

وفي زيادة: «فضيقوا مجاريه بالجوع»[7] ، وهذه الزيادة وإن كان طَعن فيها جماعةٌ من أهل العلم، إلا أن إضعاف الصيام لدواعي الشر، في نفس الصائم أمر مشاهد ومحسوس، ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يستطع النكاح بالصيام، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإن له وجاء»، (رواه البخاري برقم (1806)، ومسلم (1400) ).

 

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" (1/ 497): لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان؛ اهـ.

 

السابعة: تذكُّر أحوال الفقراء والمعسرين:

قال في رسالة "مقاصد الشريعة في الصيام" (ص6): ومن مقاصد الصيام وحكمه وأسراره أن فيه تذكيرًا للنفس وتنبيهًا لها، بما يُلاقيه الفقراء والمحرومون من مرارة الجوع وألم الحرمان، فيوجب ذلك تنبيهًا للنفس وحثًّا لها على مواساتهم والإحسان إليهم.

 

قال ابن الجوزي رحمه الله في "التبصرة" (2/ 80): سأل المأمونُ علي بن موسى الرضا: أيُّ شيء فائدة الصوم في الحكمة؟ فقال: عَلِمَ اللهُ ما ينال الفقير من شدة الجوع، فأُدخل على الغني الصوم ليذوق طعم الجوع ضرورة، حتى لا ينسى الفقير، فقال المأمون أقسم بالله لا كَتَبْتُ هذا إلا بيدي؛ اهـ[8].

 

ويُروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في سِنِي القحط، التي أصابت مصر، فقيل له تجوع وبيدك خزائن الأرض؟، فقال: أخاف إن شبعتُ أنسى الجائع.

 

وأمر يوسف عليه السلام أيضًا طبَّاخي الملك: أن يجعلوا الغداة نصف النهار، وأراد أن يذوق الملك طعم الجوع، فلا ينسى الجائعين، ويحسن إلى المحتاجين[9].

 

وقال المُلَّا علي القاري رحمه الله في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (4/ 385) - في بيان حكم الصيام - رحمه الله ومنها كونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات، ذكر هذا، من حالُه في عموم الساعات، فتسارع إليه الرقة والرحمة؛ اهـ[10].

 

ولذا فإن من تدبَّر هذا، فقد هيأ قلبه لمواساة الفقراء بالمال والإطعام، والتصدُّق والبذل والجود والإحسان؛ لأنهم إخوانه المؤمنين، وهذا من أعظم التكامل الاجتماعي، الذي يجعل العبد يشعر بشعور مُعاناة أخيه الفقير، ومعدوم المال.

 

وإمعانًا من الشارع الحكيم، في ترسيخ هذا المبدأ - التكافل الاجتماعي - في نفوس الصائمين، نجده يحث ويرغب في تفطير الصائمين، ويرتب على ذلك الثواب الجزيل، فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطَّر صائمًا؛ كان له مثل أجره، غير أنه لا يَنْقُص من أجر الصائم شيئًا»[11].

 

فما أجمل مقصد الشارع الحكيم، في مشروعية الصوم، ولا ريب أنه يُورث تآلف أرواح الصائمين، وصفاء نفوسهم، وسلامة قلوب بعضهم لبعض، وذلك عند أداء تلك العبادة على وفق ما أمر به الشرع المطهَّر؛ اهـ بتصرفٍ يسير.

 

الثامنة: وما بعدها: جملة من مقاصد شرعية الصيام:

قال الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله في "مقاصد الصوم" (ص١٠) ومنها: رفع الدرجات، وتكفير الخطيئات، وكسر الشهوات، وتكثير الصدقات، وتوفير الطاعات، وشكر عالم الخفيات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات؛ اهـ.

 


[1] وراجع: "الكشاف" للزمخشري (1/ 250)، و"مقاصد الشريعة في الصيام" (ص2).

[2] وله ألفاظ عدَّة، يأتي ذكر بعضها، في (الفضيلة الثالثة والرابعة والخامسة والعشرون) - إن شاء الله تعالى-.

[3] من "مقاصد الشريعة في الصيام" (ص4).

[4] ذكر الحافظ رحمه الله في "البلوغ" برقم (663): أن هذا لفظُ أبي داود، وهو لفظ البخاري - أيضًا-، سِوى أنه قال: «حاجة أن يدع» بدون «في»وأيضًا-: لفظة: «والجهل» للبخاري دون أبي داود. راجع: تحقيق "بلوغ المرام" - ت الفحل - (ص263)، والله أعلم.

[5] صحيحٌ على شرط الشيخين: راجع: "تحقيق المسند" للشيخ الأرناؤوط رحمه الله (15/ 522).

[6] حسنٌ لغيره: راجع: "صحيح الترغيب والترهيب" برقم (1080).

[7] قال العجلوني رحمه الله في "كشف الخفاء" (1/ 256): متفق عليه دون: فضيقوا مجاريه بالجوع، فإنه مدرج من بعض الصوفية؛ اهـ، وكذا تكلَّم عليها العراقي، في "المغني عن حمل الأسفار" (1/ 183)، والقاري في "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (1/ 122)، والسبكي في "الأحاديث التي في الأحياء ولم يجد لها السبكي إسنادًا" (6/ 299)، والله أعلم.

[8] وانظر: "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار (18/ 238).

[9] انظر: "تفسير الثعلبي" (5/ 234)، و"تفسير البغوي" (2/ 434)، و"تفسير الطبري" (9/ 219)، و"لباب التأويل" للخازن (3/ 293)، و"الجواهر الحسان في تفسير القران" (5/ 234)، و"اللباب في علوم الكتاب" (11/ 141)، و"روح المعاني" للألوسي (13/ 6).

[10] وانظر: "شرح فتح القدير" لابن همام (2/ 301)، و"مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" لشيخي زاده (1/ 340)، و"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (1/ 423).

[11] صحيحٌ: رواه أحمد برقم (17033)، والترمذي (7148)، وقال رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح.اهـ راجع: "صحيح الجامع" برقم (6415)، و"تحقيق المسند" للأرناؤوط رحمه الله (28/ 261)، والله أعلم.

__________________________________________________________

الكاتب: فواز بن علي بن عباس السليماني