من دروس رمضان

منذ 2022-04-11

تخرج المسلمون في مدرسة الصيام بنسبٍ مُتفاوتة، ونتائج مُتباينة، وإن في ذهاب الأيام والليالي لعبرةً، عشية تمضي، وبكرة تأتي، ألاَ وإنَّ سُرعة مُضِيِّ الليل والنهار لتؤكِّد تقارُب الزمان الذي هو من أشراط الساعة التي أخبرنا بها المصطفى - عليه الصلاة والسلام

الحمدُ لله الحليمِ الشكور، العزيز الغفور، أحْمَد ربِّي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، العليم بذات الصُّدور، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمَّدًا عبده ورسوله الدَّاعي إلى كلِّ عملٍ مبرور، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28].

 

أيُّها المصلون، تخرج المسلمون في مدرسة الصيام بنسبٍ مُتفاوتة، ونتائج مُتباينة، وإن في ذهاب الأيام والليالي لعبرةً، عشية تمضي، وبكرة تأتي، ألاَ وإنَّ سُرعة مُضِيِّ الليل والنهار لتؤكِّد تقارُب الزمان الذي هو من أشراط الساعة التي أخبرنا بها المصطفى - عليه الصلاة والسلام - كما ثبت في الصحيحين، وفي محكم التنزيل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].

 

إخوة الإيمان، لقد ظل المسلمون شهرًا كاملاً ينالون من نفحات ربهم، متقلِّبين بين دعاء وصلاة، وذكر وصدقة وتلاوةٍ للقرآن.

وصدق الله إذ يقول: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184]، فسرعان ما انقضت.

 

حقًّا لقد كان رمضانُ مدرسةً تعلمنا منها دروسًا عديدة، فمن أبرز ذلك ما يلي:

أولاً: تحقيق العبودية لله - سبحانه - بفعل ما أمر، فالمسلم يُمسك في وقت محدد، ويأكل في وقت معلوم؛ امتثالاً لأمر الله، مراقبًا مولاه.

 

والثاني من دروس رمضان: زيادة الارتباط بالقرآن سماعًا وتلاوة، فكم من الأجر في قراءته! وكم من الأثر عند تدبره! فحَرِيٌّ بالمسلم بعد رمضان أنْ يكونَ له ورد منه يقرؤه يوميًّا، وفي "صحيح البخاري" قال - عليه الصلاة والسلام - لعبدالله بن عمرو: «اقرأ القرآنَ في شهر»، قلت: إنِّي أجد قوة، حتى قال: «فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك»، إنك - رعاك الله - حين تقرأ ورقتين مع كل صلاة مفروضة تَختم القرآن كُلَّ شهر.

 

وإنَّ من دروس الصيام التربوية تربيةَ النفس على الصبر، ففي رمضان تَجتمع أنواعُ الصبر الثلاثة: صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى أقدار الله.

ومن الآثار الطيبة التي تركها رمضان: إِلْف المُكث في المسجد والبقاء فيه، والمساجد بيوت الله، فكم من الخيرات يُحصِّلها من طال بقاؤه في المسجد.

ومن دروس رمضان المهمة: تعوُّد المسلم على صلاة الليل، وعلى المسلم أن يتدرج بنفسه، فيا مَن كان لا يُصلي الوتر، حافظ على ركعة، ويا من كان يوتر بواحدة قبل رمضان، حافظ الآن على ثلاث، ويا من كان يوتر بثلاث، حافظ الآن على خمس وهكذا، والمصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يوتر بإحدى عشرة ركعة.

 

وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان الرجلُ في حياة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى رؤيا، قصَّها على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: وكنت غلامًا شابًّا عَزَبًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فرأيتُ في النوم كأنَّ مَلكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطَيِّ البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك، فقال لي: لَمْ تُرَعْ، فقصصتها على حفصة، فقصتها على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «نِعْمَ الرجل عبدالله، لو كان يصلي من الليل»، قال سالم: فكان عبدالله بعد ذلك لا ينام من الليل إلاَّ قليلاً.

 

إخوة الإسلام، حَقًّا لقد كان الصيامُ مدرسةً إيمانية تربوية، فانظر كيف يربِّي المسلمَ على تنزيه لسانه عن الفُحش والحرام من سبٍّ وغيبة وكذب وغير ذلك.

بل كم قَوَّى رمضان، وأظهر وحدة المسلمين في أصقاع المعمورة! فالناس تُمسك في وقت واحد، ثم تفطر في وقت واحد.

كم تعود المسلم في هذا الشهر على البذل والصدقة! وكم هو جميل أن يُخصص المسلم جزءًا من ماله يتصدق به كل شهر؛ {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39].

 

كم يرفع المسلم كفيه إلى السماء يتضرع إلى مولاه الكريم، ويَسأله العفو والصفح، ويطلب منه من خيري الدُّنيا والآخرة!

 

نعم أيُّها الفضلاء، هذه دروس يسيرة من آثار شهر الصيام الكبيرة الكثيرة، نفعني الله وإيَّاكم بالقرآن والسنة، وبما صرَّف فيهما من الآيات والحكمة، واستغفروا الله إنه كان غفارًا.

 

أيُّها الفضلاء، إذا كان للصوم هذه الفوائد المتنوعة وغيرها، فحريٌّ بالمسلم أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، كما وصى بذلك الحبيب - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصحابه، فالصيام قوة في الإيمان، وعافية في الأبدان، فاستعنْ بالله واعقد العزم على ذلك.

 

إخوة الإسلام، إنَّ الشارع الحكيم قد سنَّ صيام الست من شوال، وجعل ذلك من مُتابعة الإحسان بالإحسان، فقد قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَن صام رمضان وأتبعه بسِتٍّ من شوال كان كصيام الدهر كله»؛ (رواه مسلم).

 

وقد قال بعض أهل العلم: إنَّ وجه كون صيام الست بعد رمضان كصيام الدهر، هو أنَّ الله - جلَّ وعلا - جعل الحسنة بعشر أمثالها، كما في قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، فصيام رمضان يُعدُّ مُضاعفًا بعشرة شهور، وصيام الست بستين يومًا، فيتحصَّل من ذلك أجرُ صيام سنة كاملة، والله أعلم.

_______________________________________________________

الكاتب: حسام بن عبدالعزيز الجبرين