أكتب إليك بعد الحج

منذ 2022-07-16

أكتب إليك، وفي القلب شوقٌ، وفي القلب حنين، وأكتب إليك، والمشاعر والانطباعات، والأفكار والخواطر، والعبر والدروس كثيرةٌ كثيرة، تتزاحم علي وتشرئبُّ...

أكتبُ إليك - يا أخي المسلم - حيث أنت هذه الكلماتِ الودود بعد إذ أكرمني الله عز وجل بأداء فريضة الحج، أكتب إليك، وفي القلب شوقٌ، وفي القلب حنين، وأكتب إليك، والمشاعر والانطباعات، والأفكار والخواطر، والعبر والدروس كثيرةٌ كثيرة، تتزاحم علي وتشرئبُّ، فيحار المرء بأيِّها يبدأ، ومهما يكن، وبأي شيء بدأ الحديث فلا بد قبل كل شيء من حمد الله عز وجل، حمدًا كثيرًا كثيرًا أن يَسَّرَ لنا بجودِه وعونِه أداء الحج هذا العام، وإنَّها لَنِعمةٌ كبرى تستحقُّ أعظمَ الحمد والثناء.

 

لقد كانت رحلةً ربانيةً روحانيةً قدسية، أسعدنا اللهُ تعالى فيها بأشرفِ الأعمال، وأقدس المواقف، وأطهرِ الأماكن والبقاع، وأروعِ الأدعية والأذكار، فطابت نفوسنا، وسعدت أرواحنا، وهبّت علينا نسائم الصفاء والهناءة، والسكينة والبِشر، والطمأنينة والرِّضوان.

 

لقد كنا في هذه الرحلة العُلْوية، وكأننا في معراجٍ من نور، طافت فيه أرواحُنا كما طافت أجسادُنا بمشاهد الذكريات الإيمانية العظيمة، من عهدِ إبراهيم الخليل، وإسماعيل الذبيح الأمين عليهما الصلاة والسلام، إلى عهدِ رسالة الإسلام ينهض بها محمد صلى الله عليه وسلم، ولَكَمْ لَذَّ لنا النظرُ إلى الكعبة الغرّاء تطوف بها أمواجٌ من البشر، من مشارق الأرض ومغاربها، وَحَّدَ بينها الإسلامُ العظيمُ، وجمعتها التلبيةُ الخالدة: ((لبيك اللهم لبيك))!.. أمواجٌ ترى فيها الأسود والأبيض، والغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والعربي وغير العربي، إخوةً متحابِّين في الله عز وجل، أسقطَ الإسلامُ الخالد كلَّ الفوارق الزائفة التي تفرِّقُ بينهم.

 

وما أجملَها صورةً لا تكاد تُمحى! إنها صورةُ بعضِ الشباب الأوروبيين ممن هداهم الله تعالى للإسلام، فجاؤونا إخوةً كرامًا أعزاء، أعضاءً أحبّةً في أسرة المسلم العالمية، لقد كانوا يُكبِّرون ويُلبُّون، وهم بملابس الإحرام، تفيض وجوههم بالجلال والجمال، والحب والحنين، والخشوع والإنابة، وهم في سلامٍ روحي ونفسي عميق، افتقده ذووهم منذ زمنٍ بعيد؛ حيث طحنتهم المادية العاتية في بلادٍ لا مكانَ فيها لغير المادة.

 

لقد شاهدتُ مَعْرِضَ الأجناسِ والألوان، واللغاتِ والأشكال، والأزياءِ والبُلدان، يجمعها كلَّها هذا الحرمُ القدسيُّ الكريم، في هذه البقعة الطاهرة المباركة، وهي تهتف من الأعماق: الله أكبر!.. وتردد من الأعماق: ((لبيك اللهم لبيك!)).. وقلوبُها ضارعة إلى خالقها، ووجوهُها مشدودة إلى كعبتها، ترى في طوافِها حولَها طاعةً لخالقِها جل شأنه، وترى فيها مثابةً تهفو إليها القلوب المؤمنة، وعنوانًا لمجدِ الأمة المسلمةِ وقوتها، واتحادها وتعاونها:

قدسيَّةُ الكعبةِ في جَمْعِها   ***   أُمَّتَنا مِنْ كلِّ أقطارِهــــــــا 

وأنها محورُ أمجادِهـــــــا   ***   وأنها مصدرُ أنوارِهــــــــــا 

وكعبةُ المؤمن في قلبِـــهِ   ***   يطوفُ أنّى كانَ في دارِها[1] 

 

 

ولو طفق المرء يتحدث عن عرفات لهاله الأمر، وسالت به أوديةُ الحديث فما يدري ما الذي يدع؟! وما الذي يأخذ؟! عرفات صعيدٌ عجيب من الجمال والجلال والإيمان، ترى العالمَ كلَّه فوق جبلِه، وترى فيه الحَشْرَ الأصغر قبلَ يومِ الحشر الأكبر، جبلٌ عظيمٌ ذرّاتُه البَشَر، وبَشَرٌ عظيم في صورة جبل، جموعٌ متلاحمةٌ مزدحمة من الرجال والنساء، والشيب والشبان يجأرون لربّهم بالدعوات بمختلف اللغات، وقد توحَّدت منهم الغاية والهدف، وقد صدقت منهم النوايا والسرائر، وقد انصهر بعضُهم في بعض فكأنهم فردٌ واحد، وذاب الفردُ الواحد في نفسِه فتجلَّى قلبًا منيبًا مفوِّضًا داعيًا باكيًا مستغفرًا، وصارَ دعوةً صادقةً حرَّى تشقُّ أجوازَ الفضاء وهي تردد: الله أكبر! وتخلعُ عنها الأرضَ وجواذبَ الأرضِ وهي تهتف: ((لبيك اللهم لبيك!)).

 

ولعلك في عرفات استشعرتَ كما استشعرَ الواقفون هناك، عظمةَ هذا الموقفِ الرهيب فسكبتَ الدموع كما سكبوها، وعزمتَ على التوبةِ النصوح كما عزموا، وعاهدتَ ربَّكَ أنْ تقطعَ ما بقيَ من رحلةِ العمر كما عاهده الآخرون، مستقيمًا على نهجِه، ملتزمًا بأمره، حريصًا على مرضاته، بعيدًا عن معاصيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، مجاهدًا في سبيل الله تعالى بصدقٍ وإصرار، من أجل استئنافِ حياةٍ إسلامية، خالصةٍ صادقة، تقيمُ المجتمعَ المسلم، وتُنْشِئُ دولةَ الإسلام، وتحكمُ بالقرآنِ وحده، وتحاربُ ليلَ الجاهليةِ والباطلِ والمذاهبِ الأرضيةِ المستوردة.

 

ولعلك قد استقرَّ في قلبِكَ العزمُ الجيّاش، والأملُ الوقّاد، واليقينُ العميقُ القوي، أنَّ المستقبلَ للإسلام، فهو طريقُ المسلمين الوحيدُ للخلاصِ والسعادةِ في دينهم ودنياهم، بل هو طريقُ الإنسانيةِ كلِّها، وطريقُ الحضارةِ للنجاةِ من الصعابِ التي تعاني، والمشاقِّ التي تكابد، والتحديات التي تواجه، فإنَّ عصرًا من العصور لم يشهد من القلقِ والمتاعب والحيرةِ والضياع والصراعِ والمآسي ما شهدَه عصرُنا؛ مما يجعل حاجتَه للإسلام أكبر، ومما يجعلُ مسؤوليةَ المسلمين أعظمَ في أن ينقذوا بالإسلام أنفسَهم، وينقذوا به البشريةَ جمعاء، والحضارةَ التي باتتْ في طور الاحتضار.

 


[1] شعر عمر بهاء الدين الأميري.

_______________________________________________

الكاتب: د. حيدر الغدير