الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: (وددت أنا قد رأينا إخواننا)

منذ 2022-07-27

«..فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا».

قال المصَنِّفُ: ولهما[1] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله؟، قَالَ:  «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ الله؟، فَقَالَ:  «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ» ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ:  «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا».

 

قوله: (وددتُ): قال ابن أبي العز في "شرح الطحاوية" (ص165): المرتبة الخامسة من مراتب المحبة: المودة، والود، وهي صفو المحبة وخالصها ولبُّها؛ قال تعالى:  {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم:96]؛ اهـ.

 

تعريف الغرة والتحجيل:

قال الحافظ في "الفتح" (1/ 311): الغر: هو بياض في الوجه غير فاحش، ومنه يطيل غرته.

والتحجيل: بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، والمراد به النور؛ اهـ.

 

تعريف الدُّهم والبُهم: في قوله: (دُهمٌ بُهمٌ):

قال النووي في "شرح مسلم" (2/ 132): الدهم: جمع أدهم وهو الأسود. والبهم قيل: السواد، وقيل: هو الذي لا يخالط لونه لونا سواه، بل يكون لونه خالص سواء كان أبيض أو أسود أو أحمرَ؛ اهـ.

 

قوله:(ليذادنَّ): قال محمد بن أبي نصر الأزدي في "تفسير غريب ما في الصحيحين" (ص152): ليذادن؛ أي: ليطردن، ذاده يذوده: إذا طرده؛ اهـ.

 

الحكمة من ذوده ص لأشخاص عن الحوض:

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (11/ 474): والحكمة في الذود المذكور أنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يرشد كلَّ أحد إلى حوض نبيه على ما تقدم أن لكل نبي حوضًا، وأنهم يتباهون بكثرة مَن يتبعهم، فيكون ذلك من جملة إنصافه ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم بخلًا عليهم بالماء.

 

ويحتمل: أنه يطرد من لا يستحق الشرب من الحوض، والعلم عند الله تعالى؛ اهـ.

 

قوله: (كما يذاد البعير الضال): قال القرطبي"المفهم" (3/ 133): وجه التشبيه أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضال والغريب، فكل أحدٍ من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله، حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه ودافعوه حتى لقد صار هذا مثلًا شائعًا؛ قال الحجاج لأهل العراق: لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل؛ اهـ.

 

فائدة لغوية في قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا هَلُمَّ):

قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (3/ 139): معناه: تعالوا، قال أهل اللغة: في هلم لغتان:

أفصحهما: هلمَّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين بصيغة واحدة.

 

وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى:  {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} [الأنعام:150]، {وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب:18].

 

واللغة الثانية: هلمَّ يا رجل، وهلمَّا يا رجلان، وهلمُّوا يا رجال، وللمرأة هلمِّي وللمرأتان هلمَّتا، وللنسوة هلمَّنَّ، قال ابن السكيت وغيره: الأولى أفصح كما قدمناه؛ اهـ.

 

معنى قوله صلى الله عليه وسلم: فأقول: سحقًا سحقًا، وتعليق الإمام ابن باز عليها:

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (11/ 385): أي: بعدًا بعدًا، والتأكيد للمبالغة؛ اهـ.

 

وقال العلامة ابن باز: الله أكبر! الله أكبر! أي: بعدًا بعدًا لمن بدَّل بعدي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذه علامة أمته غرًّا محجلين من آثار الوضوء، أمة محمد المستجيبين له عليه الصلاة والسلام؛ اهـ.

 


[1] أخرجه مسلم مطولًا برقم (585) والبخاري مختصرًا (6587).

_______________________________________

الكاتب: فواز بن علي بن عباس السليماني