شرح حديث ويل للأعقاب من النار

منذ 2022-10-09

عن عبدالله بن عمرٍو، قال: تخلَّف رسول الله - ﷺ - في سفر سافرناه، فأدركَنا وقد أرهَقْنا الصلاةَ - صلاةَ العصر - ونحن نتوضَّأ، فجعلنا نمسح على أرجُلِنا، فنادى بأعلى صوتِه: «ويلٌ للأعقاب من النَّار»، مرَّتين أو ثلاثًا.

الحمد لله، نحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا، ومن سيِّئات أعمالنا؛ من يهدِه الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلِلْ، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أمَّا بعدُ:

فسأقدِّم في هذا المقال شرحًا موجزًا لحديث: ((ويلٌ للأعقاب من النار))، مستعرضًا قولَ كبار شرَّاح الحديث.

 

نصُّ الحديث:

عن عبدالله بن عمرٍو، قال: تخلَّف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفر سافرناه، فأدركَنا وقد أرهَقْنا الصلاةَ - صلاةَ العصر - ونحن نتوضَّأ، فجعلنا نمسح على أرجُلِنا، فنادى بأعلى صوتِه: «ويلٌ للأعقاب من النَّار»، مرَّتين أو ثلاثًا؛ (أخرجه البخاريُّ، ومسلم، وأصحابُ السنن).

 

قال ابن الأثير في النهاية: "أرهَقْنا الصلاةَ، ونحن نتوضَّأ؛ أيْ: أخَّرناها عن وقتِها؛ حتى كِدنا نُغشيها ونُلحقها بالصلاة التي بعدها".

 

قال ابن حجرٍ: "العقِب مؤخّر القدم، قال البغويُّ: معناه: ويلٌ لأصحاب الأعقابِ المقصِّرين في غَسلِها، وقيل: أراد أنَّ العَقِب مختصٌّ بالعقاب إذا قُصِّر في غَسله، وفي الحديث: تعليمُ الجاهل، ورفْعُ الصوت بالإنكار، وتَكرار المسألة لتُفهَم".

 

قال النَّووي: "ويلٌ للأعقاب من النار، توعَّدها بالنار؛ لعدم طهارتها، ولو كان المسْح كافيًا، لَما توعَّد مَن ترك غَسل عقبيه، وقد صحَّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماءٍ فغسل كفَّيه ثلاثًا، إلى أن قال: ثم غسلَ رِجْليه ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوُضوء؛ فمن زاد على هذا أو نقَص، فقد أساءَ وظلم» (هذا حديثٌ صحيح؛ أخرجه أبو داود وغيرُه بأسانيدهم الصَّحيحة، والله أعلم).

 

ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد: "عن عمرو بن عبدالله بن كعب، عن امرأةٍ من المُبايعات أنها قالت: جاءنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومعه أصحابُه من بني سلِمة، فقرَّبْنا له طعامًا فأكل ومعه أصحابُه، ثم قرَّبنا إليه وَضوءًا فتوضَّأ، ثم أقبل على أصحابه فقال: «ألا أخبِرُكم بمكفِّرات الخطايا»؟، قالوا: بلى، قال: «إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة»؛ (رواه أحمد والطَّبراني في الكبير، وإسنادُه محتمل).

 

وعن عبيدة بن عمرو الكِلابي قال: "رأيتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - توضَّأ، فأسبغ الوضوء، قال: وكانت رِبْعيَّةُ إذا توضأت أسبغت الوضوءَ"؛ (رواه أحمدُ والبزَّار والطبراني في الكبير، ورجالُ أحمد ثقات).

 

وعن حُمرانَ قال: "دعا عثمان بوَضوء، وهو يريد الخروج إلى الصَّلاة في ليلة باردةٍ، فجئتُه بماء، فغسَل وجهَه ويديه، فقلت: حسْبُك، والليلةُ شديدة البرد، فقال: سمعت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «لا يُسبِغ عبدٌ الوضوء إلا غفر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر»؛ (رواه البزَّار، ورجاله موثَّقون، والحديث حسنٌ إن شاء الله).

 

وعن عبدالله بن مسعودٍ قال: "أمرنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بإسباغ الوضوء"؛ (رواه الطبرانيُّ في الأوسط، وفيه عثمانُ بن صفوان، روى عن الثوريِّ، وروى عنه ابنه محمَّد، ولَم أجد مَن ترجمه).

 

وعن أنس قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «ألا أدلُّكم على ما يكفِّر الله به الخطايا: إسباغُ الوضوء، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد»؛ (رواه البزَّار، وعاصمُ بن بهدلةَ لم يسمع من أنسٍ، وبقية رجاله ثقات).

 

يقول الدكتور وجيه الشيمي: "والحديث يُرشدنا إلى عددٍ من القضايا التي تهمُّ المسلمَ في حياته؛ منها:

1- فضيلة إسباغِ الوضوء على كلِّ أجزاء الأعضاء، ومعنى الإسباغِ: إيصالُ الماء إلى أعضاء الوضوء كاملةً.

 

2- يُفيد الحديث أيضًا وجوبَ غَسلِ الرِّجلين في الوضوء، وقد أجمعَ أهل السُّنة فيما حكى النَّووي وغيرُه على وجوب غَسل الرِّجلين، ولَم يُخالف في ذلك - على حدِّ تعبيره - مَن يُعتدُّ به، ولكن خالَف الشيعةُ، فقالوا: الواجب المسْحُ.

 

3- في الحديث دليلٌ على وجوب تعليم الجاهل، وأنَّه لا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة، فالنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رفَع صوته مع أنه يكره رفع الصوت، ولكنَّ الضرورة ألْجَأتْه إلى ذلك؛ ليُسمعَ القاصيَ والداني، وليُبيِّن خطورة المسألة".

 

والحمد لله ربِّ العالمين.