صلاة الاستسقاء

منذ 2022-11-19

ما من كائن على الأرض إلا وللماء دور في حياته، وأنظر إلى الإنسان ثلثي جسمه مركب من الماء فهو محتاج إليه حاجته للحياة، وكلما قل الماء في الجسد كانت تبعًا له الأمراض والأوجاع.

احتباس المطر نلمس منه جانب الرحمة في صورتين عظيمتين لفئتين من البشر:

الفئة الأولى: أهل الإيمان والصلاح فالله يمنع عنهم بعض ما يحتاجونه ليسمع صوت ضراعتهم ونجواهم والتي من أعظم ما يحبه سبحانه وتعالى لأنها مقام الذل والانكسار؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ[1].

 

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: "مَا يَكْرَهُ الْعَبْدُ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا يُحِبُّ؛ لِأَنَّ مَا يَكْرَهُهُ يَهِيجُهُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَمَا يُحِبُّ يُلْهِيهِ عَنْهُ".

 

والفئة الثانية: العصاة والمقصرين في جانب الله ليبتليهم لتضيق عليهم الدنيا فيفرون إلى الله ليجدوا عنده سعة فضله ورحمته؛ قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[2].

 

 

الوقفة الثانية:

لماذا نحتاج الماء؟

• قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ[3].

 

• ما من كائن على الأرض إلا وللماء دور في حياته، وأنظر إلى الإنسان ثلثي جسمه مركب من الماء فهو محتاج إليه حاجته للحياة، وكلما قل الماء في الجسد كانت تبعًا له الأمراض والأوجاع.

 

• ثم أنظر إلى النبات فلا يكتب لبذورها الحياة إلا بعد وجود الماء وفي وصف دقيق لإنباتها قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[4].

 

• يدخل الماء لتسبب في حركة داخل البذرة يستيقظ الجنين نتيجة هذا الاهتزاز وينشط فتظهر بواكير الخير من كل زوج بهيج.

 

الوقفة الثالثة:

الدعاء بنزل الغيث: الدعاء أعظم صلة بين العبد الذليل وربه الكريم ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «الدُّعاءُ هو العبادةُ» [5] فهو شعار عباد الرحمان ووسيلتهم إلى التزلف إلى الله لنيل ما عنده من الخيرات.

 

والدعاء له أركان وواجبات وآداب لكن أمرين يجمعها:

الأول: صورة ظاهرية من رفع الأيدي ولهج اللسان بأنواع الدعوات والسكينة وتواضع في الهيئة واللباس، وهذا كله وسائل بين يدي المسائل، وهو مطلوب اتباعًا لسنة وهدي خير المرسلين صلى الله عليه وسلم.

 

الثاني: انكسار القلب وذله وخشيته وانقطاعه لرب الأرض والسماوات قال صلى الله عليه وسلم: «ادعوا اللَّهَ وأنتُم موقِنونَ بالإجابَةِ، واعلَموا أنَّ اللَّهَ لا يستجيبُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ» [6]، ولذا من كرامة انقطاع القلب إلى الله بالدعوة الخالصة أنه لو دعا بها كافر لاستجيب له قال تعالى: «فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ» [7].

 

الوقفة الرابعة:

كلنا فقراء: الفقر لنا لازم لأن الغنى المطلق لله ونحن عبيده الضعفاء لا غنى بنا على فضله وكرمه وجوده من كل وجه: يجسد هذا الفقر حديث عظيم جليل عن أبي ذر: (عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: «يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ»؛ (مسلم) .

 

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين اللهم اسقنا من بركاتك ولا تهلكنا بالسنين.

 

اللَّهمَّ اسقِنا وأغِثْنا اللَّهمَّ اسقِنا غَيثًا مُغِيثًا تُحيي به البلادَ وتُغيثُ به العِبادَ وتجعَلُه بَلاغًا للحاضرِ منَّا والبادِ.

 

اللَّهمَّ أنزِلْ علينا في أرضِنا زينتَها وأنزِلْ في أرضِنا سَكَنَها اللَّهمَّ أنزِلْ علينا مِن السَّماءِ ماءً طَهورًا فأحْيِ به بلدةً مَيْتةً وأسْقِه ممَّا خلَقْتَ لنا أنعامًا وأناسِيَّ كثيرًا.

 

اللهم لا تحرِمنا خيرَ ما عندك بشرِّ ما عندنا يا ذا الجلال والإكرام نستغفرك ونتوب إليك.

 

للهم اسقِنا غيثًا مغيثًا، مَريئًا مريعًا، نافعًا غير ضارٍّ، عاجلًا غير آجل.

 

اللهم اسقِ عبادَك وبهائمك، وانشُرْ رحمتَك، وأحيِ بلدَك الميت.

 

اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخَلْق من اللأواءِ والجَهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم أنبِتْ لنا الزرع، وأدِرَّ لنا الضرع، واسقِنا من بركات السماء، وأنبِتْ لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجَهدَ والجوع والعُرْيَ، واكشف عنا مِن البلاء ما لا يكشفه غيرُك، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفارًا؛ فأرسلِ السماءَ علينا مِدرارًا)) وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.


[1] الأنعام/ 42.

[2] الزمر الآية 53.

[3] الأنبياء الآية 30.

[4] الحج الآية 5.

[5] أخرجه أبو داود (1479)، والترمذي (2969)، وابن ماجة (3828)، وصححه النووي في الأذكار، والألباني في صحيح الجامع.

[6] أخرجه الترمذي (3479) واللفظ له، والبزار (10061) وقال الحاكم في المستدرك : مستقيم الإسناد، حسنه الألباني في صحيح الترمذي .

[7] العنكبوت الآية 65.

_______________________________________________________________

الكاتب: د. عطية بن عبدالله الباحوث