إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا

منذ 2022-12-03

إن عدوَّنا إبليس حريص كل الحرص أن يكون الإنسانُ جاهلًا بربه، فقيرًا ضعيفًا، مريضًا نفسيًّا وجسديًّا؛ لأن هذه العوامل تُساعِدُه كثيرًا على تحقيق أهدافه الخسيسة.

إن عدوَّنا إبليس حريص كل الحرص أن يكون الإنسانُ جاهلًا بربه، فقيرًا ضعيفًا، مريضًا نفسيًّا وجسديًّا؛ لأن هذه العوامل تُساعِدُه كثيرًا على تحقيق أهدافه الخسيسة.

 

وقد أخبرنا الله عن حواره مع إبليس، وعن حقده وحسده للإنسان؛ قال الله تعالى:  {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر: 39 - 44].

 

عباد الله:

نظرًا لِعِظَمِ عداوة إبليس لنا، وحقده علينا، وحسده لنا، ومَكْرِه بنا، وكيده المستمر لنا؛ فقد حذَّرَنا الله العليم الخبير الرحيم منه، فقال:  {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].

 

بل إن الأنبياءَ والرسلَ كانت مهمتهم بعد إقرار التوحيد التحذيرَ من الشيطان ومكره.

 

وبالرغم من وضوح عداوة الشيطان للإنسان وثبوتها قطعًا، فإن هناك من البشر من يعمل معه، ويسخِّر طاقاته وأمواله وإمكاناته لخدمة الشيطان وتحقيق أهدافه، حتى إن بعض البشر يقول:

لقد كنتُ جنديًّا لإبليس فارتقتْ   **  بي الحال حتى صار إبليس من جندي 

 

 

إخواني:

الحمد لله الذي أسبَغَ علينا نعمه، وأنعم علينا بالإسلام في هذا البلد الأمين، الذي يحكِّم شرع الله، ويعلِّم الناس أمور دينهم، ومناهجه صحيحة، وأنعم علينا بقادة مسلمين يقيمون حدود الله، ويعينوننا على عدوِّنا الإستراتيجي الشيطان الرجيم، والحمد لله أنْ جعلنا مسلمين، والحمد لله الذي أخبرنا عن هذا العالَمِ الغيبيِّ الخطير، وعلَّمَنا كيف نتعامل مع الشيطان، وكيف نُحبِط مخططاته، وكيف ننجو من حبائله وحِيَلِه، وكيف نهزمه ونجعله خاسئًا خاسرًا مدحورًا.

 

عباد الله:

ليس للشيطان سلطان مباشر على الإنسان، وكيدُ الشيطانِ ضعيفٌ؛ قال الله تعالى:  {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].

 

وقال تعالى:  {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99].

 

عباد الله:

لقد كشف الله سبحانه وتعالى للإنسان جميع حيل الشيطان، وقد اشتغل علماء المسلمين بدراسة أحوال عدوِّ البشرية، وبيَّنوا لنا إستراتيجياته ووسائله في إغواء الإنسان، وإليكم بعض ما قالوا:

أولًا: نظرًا لأن إبليس مرافق للإنسان من عهد آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وإلى يوم البعث؛ فإن الشيطانَ لا يعلم الغيب، لكنه ملازم للإنسان، ويرصد كل حركة وسكنة؛ فهو خبيرٌ باحتياجات الإنسان وملذَّاته ومشاعره، وما يحب وما يكره، ومتى يغضب ومتى يرضى؛ ولذلك فالشيطانُ يعد لكل إنسان خطةً مفصَّلة له حسب مكانته الاجتماعية، وإمكاناته المادية والمعنوية، وظروف معيشته، وحالته النفسية، وبُعده وقُربه من الله، بحيث يبعده عن التوحيد وطاعة الله وفعل كل جميل، ويجعله كافرًا بالله، جاحدًا لنعمه، مرتكبًا للمعاصي والمنكَرات القولية والعملية والشعورية.

فيُغوي كلَّ إنسان بما يحب من عمل؛ فيأتي للعلماء من عِلمِهم، ولأهل المناصب من مناصبهم، ولأهل المال من أموالهم، وللوالد من أولاده، ولأصحاب المهن من مهنهم، وللجاهل من جهله، وللفقير من فقره، وللمريض من مرضه، وللمحتاج من حاجته، وهكذا...

 

ثانيًا: من أساليب الشيطان الوسوسة بالتدرج؛ فهو لا يأتي للإنسان الموحِّد ويوسوس له بالكفر، هذا مستحيل.

لكنه يوسوس له بتقليل الطاعات شيئًا فشيئًا حسب مرونته واستجابته، فيُزيِّن له الراحة والعمل بالأساسيات، وترك السُّنن والمستحَبَّات، فإنِ استجاب بدأ في تزيين المباحات والإكثار منها حتى يغفل، فإذا غفل عن العلم بدأ يُزيِّن له الباطل المختلف فيه، ويركز اهتمامه على فتاوى مَن يبيح الباطل، ويُكرِّهه في أقوال وأفعال من يخالفه، ثم يتدرج مع الإنسان في المحرَّمات فكريًّا وسلوكيًّا، حتى يعتاد ويألَفَ المنكَرَ، ويكره وينفر من الحقِّ وأهله.

 

ثالثًا: يعمل إبليس بمبدأ المرحليَّة، وله في ذلك سبع مراحل:

• مرحلة الفكرة: والفكرة تولَد عندما يُدرِك الإنسان قولًا أو عملًا بسمعه وبصره، وشمِّه وذوقه ولمسه.

 

فمهمة إبليس وجنوده في هذه المرحلة فقط لفتُ انتباه الإنسان لما يُغضِب اللهَ ورسوله؛ أي: يحرص كل الحرص أن يسمع الباطل أو يراه أو يشمه أو يتذوقه أو يلمسه، ثم يكرِّر ذلك فقط.

 

• مرحلة حديث النفس: بعد أن تتكرر الفكرة بإحدى الحواس أو بمعظمها، يكرس إبليس وجنوده الوسوسة للإنسان؛ لكي يحدِّث نفسه بالشعور أو القول أو الفعل أو بها معًا، ويكرِّر حديث النفس، وفي هذه المرحلة يرغِّبون الإنسانَ ويشوِّقونه للباطل.

 

• مرحلة الكلام: إذا بدأ الإنسان في مرحلة الكلام عن الباطل، فقد بدأ يفقد الحياء، فإذا تكلَّم عن الباطل ولو كان مازحًا، فإن إبليس يعلم أنه في مرحلة متقدمة نحو الهلاك والخسران، ويفرح بهذه المرحلة جدًّا جدًّا، ويضاعف جهوده هو وجنوده من الإنس والجن، ويصرفون على ذلك الأموال والأوقات، فيتكلَّم ويتكلَّم، ويكرِّر الكلام ويكرِّر، حتى تتوق نفسه للفعل ويهون عليه ذلك.

 

• مرحلة الفعل: في هذه المرحلة يَنصِبُ إبليس راياتِه، ويكون فرحًا مسرورًا؛ فقد حقَّق هدفًا متقدمًا، وهنا يعزل الشيطانُ الإنسانَ عن القرآن الكريم والسُّنة، وعن مجالس الخير والعلم وأهل العلم والفضل عزلًا كبيرًا، ويزيِّن له كل ما يدعم الباطلَ، ويحبِّبه في رموز الباطل ووسائله، ويحيطه بأصدقاء السوء، ويزين له الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي:

• مرحلة الممارسة: وهي مرحلة يمارس ‏‎فيها الإنسانُ الباطلَ باحتراف وتلقائية ومتعة وبدون تركيز؛ أي: يتقن فعل وقول الباطل ويكرِّره، ويكون مهيأً للمرحلة التالية، وهي:

• مرحلة العادة: في مرحلة العادة يصبح الإنسان معتادًا لفعل الباطل، ويستثمر فيه، ويدعو غيره له، ويعمل وكيلًا لإبليس، ويقتنع تمامًا بالباطل ويضحِّي من أجله، وربما يقاتِل ويستعدي كلَّ من يخالفه، ويخلع رداء الحياء كليًّا، ويرى أن من يخالفه متخلِّفٌ، ويكرهه كرهًا شديدًا، ويقاوم العلم، ويَعْمى بصرُه وبصيرتُه، ويلغي عقله، وتتحكم فيه عاطفته وشهواته، نسأل الله السلامة والعافية، ثم ينتقل إلى مرحلة الشخصية.

 

• مرحلة الشخصية: هذه هي المرحلة الخطيرة جدًّا جدًّا؛ ففي هذه المرحلة يسخِّر الإنسان كلَّ الوسائل والمال والجهود والأوقات للمحافظة على هُوِيَّةِ الباطل، ويقتنع الإنسان كامل القناعة بالسلوك الشيطاني، وتؤلف ‏‎فيه الكتب والروايات، ويقولب الإنسان الإنسان ويحكم عليه من خلال قُرْبِه وبُعده عن هذا السلوك.

 

ويصبح الإنسان ممن قال الله فيهم:  {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104].

 

وفي هذه المرحلة لا يهتدي الإنسان؛ قال تعالى:  {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24].

 

إخواني الكرام:

قال الله تعالى:  {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].

 

ولكن عدوَّنا إبليس ليس عدوًّا سهلًا؛ فقد أصبح له أتْباعٌ من الإنس والجن يعملون معه ونيابة عنه، وينفِّذون خُطَطَه بأنفسهم وأموالهم؛ ولذلك لا بد من الاجتهاد في دفع ضررهم عن النفس؛ لكي ننجوَ ونَكسِبَ في الدنيا والآخرة.

 

وإليكم بعض الخطوات العملية التي تساعد في التغلب على عدوِّنا الإستراتيجي إبليس الرجيم.

 

إخواني:

قال الله تعالى:  {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99].

ومن هذه الآية الكريمة نستنبط الخطوات العملية التالية لدفع الشيطان:

• الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والعمل بمقتضى ذلك الإيمان.

• أداء أركان الإسلام الخمسة أداء كاملًا.

• قراءة القرآن الكريم وتفسيره، وقراءة السُّنة النبوية والعمل بما فيهما.

• التخطيط لاستثمار الوقت استثمارًا مثاليًّا.

• اختيار شريك الحياة الصالح وإحسان عشرته.

• تربية الأولاد تربية صالحة وتحفيظهم القرآن الكريم.

• اختيار أصدقاء صالحين أخيار.

• حضور الجُمَع والسماعات ودروس العلم وحلقاته ومجالسة العلماء.

• أكل الحلال.

• الطهارة باستمرار.

• إغلاق السمع والبصر، والشم والذوق واللمس، عن كل منكَر ومحرَّم ومكروه.

• الابتعاد عن مواطن الشُّبَهِ والمعاصي تمامًا.

• إتقان الصلاة، والخشوع ‏‎فيها، وحضور القلب؛ لأن صلاة الإنسان تنهاه عن الفحشاء والمنكر.

• حسن التعامل مع جميع الناس.

• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

• نشر العلم في كل زمان ومكان وبكل وسيلة

• المحافظة على الصحة النفسية والجسدية.

• الاهتمام الكامل بالرؤية والرسالة والقيم والأهداف الإستراتيجية في نفسك، واغرسها في أولادك وطلابك ومن حولك.

 

ورؤيتنا رضا الله.

 

ورسالتنا عبادة الله بكل قول وصمت، وبكل فعل وترك، وبكل شعور إيجابي وسلبي مدى الحياة،

 

وقيمنا حبُّ الله ورسوله، والأمانة والحياء والوفاء، والشكر لله وخلقه، والكرم والشجاعة، وحسن التعامل والعشرة والجيرة.

 

وأهدافنا الإستراتيجية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية تحقِّق الرؤية والرسالة، وتعمِّق القيم وتؤكدها.

 

الدعاء وطلب الهداية لنا ولكافة البشر، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وشركه وجنده.

 

عباد الله:  {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأَكثِروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضةٌ عليَّ»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أَوْلَى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة».

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارِكْ على محمد وآل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

_____________________________________________________

الكاتب: لاحق محمد أحمد لاحق