أصبت بعضا وأخطأت بعضا

منذ 2022-12-11

فعلينا أن نعرض هذه الأقوال والأفعال، والآراء والاجتهادات، والمقامات والأحوال على نصوص الكتاب والسنة، ونضعها في مكانها اللائق بها، بلا إفراط ولا تفريط، ولا تضخيم ولا تهوين.

الإطلاقات اللفظية والتقعيدات النصية المنسوبة للعلماء والفقهاء والقُصَّاص والوعَّاظ في كافة العلوم، تؤخذ على سبيل الفقه والنظر والاجتهاد في المسائل العلمية، وعلى وجه الوعظ والترغيب والاستئناس في الجوانب القلبية والسلوكية، ولا يكون لها حكم الإطلاق والتعميم والقطع واليقين، فلا تتجاوز أن تكون اجتهادات بشرية، وإشراقات إنسانية، قابلة للخطأ والصواب، وفيها الحق والباطل، ويعتريها هوى النفس، وقصور العلم، وضعف الفهم، وهذه الاجتهادات والتأملات وقعت من خير الأمة وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فجاء الوحي ببيان ما فيها من الخَلَلِ والزلل، سواء في الجانب العلمي ومن أمثلته:

عن عمار بن ياسر قال: ((جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجْنَبْتُ فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسرٍ لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفرٍ أنا وأنت، فأما أنت، فلم تصلِّ، وأما أنا، فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه»؛ (رواه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨)، وفي قصة سبيعة الأسلمية: ((لما تُوفِّيَ عنها زوجها سعد بن خولة عام حجة الوداع ووضعت بعده بليالٍ، وقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما أنتِ بناكحةٍ حتى يمضي عليك أربعة أشهرٍ وعشرًا، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «كذب أبو السنابل، حللت فانكحي»؛ (رواه البخاري (٣٩٩١).

 

ومثاله في الجانب السلوكي: عن سعد بن أبي وقاص قال: ((ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعونٍ التبتُّل، ولو أذِن له لاخْتَصَينا))؛ (رواه البخاري (٥٠٧٣)، وعن أنس قال: ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟! قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغِب عن سنتي فليس مني»؛ (رواه البخاري (٥٠٦٣).


والخلاف في حجية قول الصحابي شائع ومتقرر في كتب العقائد والأصول.

 

وبناء عليه؛ فعلينا أن نعرض هذه الأقوال والأفعال، والآراء والاجتهادات، والمقامات والأحوال على نصوص الكتاب والسنة، ونضعها في مكانها اللائق بها، بلا إفراط ولا تفريط، ولا تضخيم ولا تهوين، فلا تأخذ قدسية الوحي، ولا قيمة النص، ولا حتمية الاتباع، ولا قطعية القبول.

 

• ومضة: عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث: ((أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلةً تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سببٌ واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذتَ به فَعَلَوْتَ، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لَتدَعَنِّي فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعبُرْها»، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطُفُ من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيُعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به، ثم يُوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله، بأبي أنت، أصبتُ أم أخطأتُ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبتَ بعضًا وأخطأت بعضًا»، قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: «لا تقسم»؛ (رواه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩).

___________________________________________

الكاتب: علي بن حسين بن أحمد فقيهي