ما معنى "المشاحن" المذكور في حديث النصف من شعبان؟

منذ 2023-03-03

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مُشاحن»

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مُشاحن» [1]، فما المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مشاحن"؟

 

اختلف العلماء في ذلك على أقوال:

((القول الأول)):

المشاحن: هو "صاحب البدعة"، وهذا قول بعض السلف، فهو مروي عن: الأوزاعي [2]، وأبي خليد [3].

 

قال ابن المبارك: عن الحجاج: سمعت الأوزاعي يفسر (المشاحن): ((كل صاحب بدعة فارق عليها أمته)) [4].

 

قال الدقيقي أبو جعفر: سمعت هشام بن خالد الدمشقي يقول: قال أبو خليد: ((المشاحن صاحب البدع، الخارج على أمته)) [5].

 

((القول الثاني)):

المشاحن: الذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو رواية أخرى عن الأوزاعي -رحمه الله[6].

 

((القول الثالث)):

المشاحن: التارك لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الطاعن على أمته، السافك لدمائهم، وهذا قول ابن ثوبان [7].

 

عن عمير بن هانئ قال: سألت ابن ثوبان عن المشاحن؟ فقال: ((هو التارك لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الطاعن على أمته، السافك دماءهم))[8].

 

قلت: وهذه الأقوال الثلاثة السابقة مردُّها إلى حمل معنى "المشاحن" على أهل البدع، وحملوه عليه؛ لأنه مشاحن لأهل السنة [9]، ولا شك أن هذا من أعظم الشحناء.

 

قال الإمام "ابن رجب الحنبلي" - رحمه الله -:

((وهذا الشحناء - أعني: شحناء البدعة - توجب الطعن على جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ كبدع الخوارج والروافض ونحوهم؛ فأفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها، وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الأمة، وبغضهم، والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم، أو تبديعهم وتضليلهم، ثم يلي ذلك سلامةُ القلب من الشحناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، وقد وصف الله تعالى المؤمنين عمومًا بأنهم يقولون:  {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}  [الحشر: 10] [10].

 

((القول الرابع)):

المشاحن: المخاصم [11] المعادي [12] لمسلم [13] لغير سبب ديني [14].

 

وهذا قول الجمهور، وعليه أكثر الشراح [15].

 

((تنبيه)):لا يدخل في باب الشحناء – المخاصم المعادي على قول الجمهور - إن كان تعلقها بسبب شرعي ديني؛ كمن هجر لزجره - كصاحب البدعة - أو الفاسق لردعه للتوبة.

 

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله:

((وفي حديث كعب هذا، دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت له منه بدعة أو فاحشة، يرجو أن يكون هِجرانه تأديبًا له، وزجرًا عنها، والله أعلم)) [16].

 

قال الإمام النووي رحمه الله:

((قلت: الصواب: الجزم بتحريم الهجران فيما زاد على ثلاثة أيام، وعدم التحريم في الثلاثة، للحديث الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، قال أصحابنا وغيرهم:

هذا في الهجران لغير عذر شرعي، فإن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسقٍ أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور، فلا تحريم.

 

وعلى هذا يحمل ما ثبت من هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه صلى الله عليه وسلم الصحابة عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعضًا، والله أعلم)) [17].

 

قال الإمام البيضاوي رحمه الله:

((هذا إذا كان السبب أمرًا دنيويًّا، فإن كان الغرض أمرًا دينيًّا فلا حجر فيه، ولا هذا الحد له؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - هجر الثلاثة الذين خُلفوا، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، فلم يكلمهم خمسين يومًا، وأمر الناس بهجرانهم)) [18].

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

((فتبيَّن هنا السبب المسوِّغ للهجر وهو لمن صدرت منه معصية، فيسوغ لمن اطَّلع عليها منه هجره عليها ليكف عنها)) [19].

 

خلاصة الكلام:

اختلف العلماء في معنى المشاحن على أقوال:

أ- صاحب البدعة.

ب- الذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ج- التارك لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الطاعن على أمته، السافك لدمائهم.

د- المخاصم المعادي لمسلم لغير سبب شرعي.

وقيل غير ذلك، وهذه هي أشهر الأقوال.

 

((الترجيح)):

الراجح في نظري والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم، إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه بَراء، وأسأل الله أن يوفقني إلى مراده -هو قول الجمهور، وهو أن المراد بالمشاحن: ((المخاصم المعادي لمسلم لغير سبب شرعي)).

 

برهان ذلك:

أ- ما جاء مفسرًا في بعض الروايات عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن الله يطَّلع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويُملي الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدَعوه» [20]، وفي رواية: «ويترك أهل الضغائن وأهل الحقد بحقدهم»[21].

 

ب- ولأن هذا هو مقتضى اللغة، فالمشاحن في اللغة هو "المعادي" [22].

 

وبالله التوفيق...

 

ولا يَبعُد قول مَن حمله من العلماء على الشحناء على أهل السنة؛ لأنه إن منع من المغفرة [23] لأجل الشحناء على مسلم واحد، فمنعُه بالشحناء على أهل السنة من باب أَولى؟!

 

والله أعلم...

وبالله التوفيق.

 


[1] حديث حسن لغيره: فهو مروي عن جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- من طرق مختلفة: (عن أبي بكر الصديق، وأبي هريرة، ومعاذ، وعوف بن مالك، وعائشة، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرو، وأبي ثعلبة، رضي الله عنهم).

رواه عبد الرزاق (7924)، وابن أبي شيبة (92985)، وأحمد (6642)، والترمذي (739)، وابن ماجه (1389)، وابن حبان (5665)، وابن أبي الدنيا في فضائل رمضان (3 – 5)، والدارقطني في "النزول" (84)، والبيهقي في الشعب (3550)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (764)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (915) وغيرهم.

وهو حديث مختلف فيه: ضعفه أكثر المحدثين، ضعفه: (الدارقطني، وابن الجوزي، والهيثمي، والذهبي، وابن حجر)، وغيرهم.

ومن العلماء من قواه وقال بثبوته، منهم: (ابن حبان، المنذري، أبو شامة)، وقد يفهم من كلام البيهقي، ومن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

والحديث له طرق لا تخلو من مقال، قد يقوي بعضها بعضًا -والله أعلم-.

[2] مسند إسحاق بن راهويه (1702)، ابن أبي الدنيا، "فضائل رمضان" (5)، والدارقطني في "النزول" (84)،

وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير (صـ 2104) رقم: (7912)، مادة: "شحن"طـ (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) قطر، لطائف المعارف، ابن رجب (صـ 139) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان، تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي مادة: "شحن"، (35/ 276) طـ (التراث العربي) الكويت.

[3] صفات رب العالمين، ابن المحب (1178).

[4] انظر: "فضائل رمضان"، لابن أبي الدنيا، (5)، والدارقطني في "النزول" (84).

[5] انظر كتاب:"صفات رب العالمين" ابن المحب (1178).

[6] لطائف المعارف، ابن رجب (صـ 139) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان، معارف الإنعام وفضل الشهور والأيام،

ابن المبرد، (صـ 103) طـ (دار النوادر) سورية ـ لبنان ـ الكويت، تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي

مادة:"شحن"، (35/ 276) طـ (التراث العربي) الكويت.

[7] الترغيب والترهيب، إسماعيل الأصفهاني، (1859)، ولطائف المعارف، ابن رجب (صـ 139) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان، تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي مادة:"شحن"، (35/ 276) طـ (التراث العربي) الكويت.

[8] الترغيب والترهيب، إسماعيل الأصفهاني، (1859)، تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي مادة: "شحن"، (35/ 276) طـ (التراث العربي) الكويت.

[9] التنوير شرح الجامع الصغير، الأمير الصنعاني (7/ 554) حديث رقم: (5945)، ت: محمد إسحاق محمد إبراهيم، لطائف المعارف، ابن رجب (صـ 139) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان.

[10] لطائف المعارف، ابن رجب (صـ 139) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان.

[11] فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي (4/ 602) حديث رقم: (5963) طـ (دار الكتب العلمية) بيروت ـ لبنان، التنوير شرح الجامع الصغير، الأمير الصنعاني (7/ 554) حديث رقم: (5945) ت: محمد إسحاق محمد إبراهيم، مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه، محمد الأمين الهرري (8/ 366).

[12] النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير (صـ 2105) رقم: (7913)، مادة: "شحن" طـ (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) قطر، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري (3/ 975) حديث رقم: (1306)، لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، عبد الحق الدهلوي (3/ 419) ت: د/ الندوي، طـ (دار الكتب العلمية) بيروت ـ لبنان، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح "الكاشف عن حقائق السنن" الطيبي (4/ 1238) حديث رقم: (1306) طـ (مكتبة نزار مصطفى الباز) مكة المكرمة ـ الرياض، شروح سنن ابن ماجه،(صـ 557) حديث رقم: (1390) طـ (بيت الأفكار الدولية).

[13] لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، عبد الحق الدهلوي (3/ 419) ت: د/ الندوي، طـ (دار الكتب العلمية) بيروت ـ لبنان.

[14] شرح الطيبي على مشكاة المصابيح "الكاشف عن حقائق السنن" الطيبي (4/ 1238) حديث رقم: (1306)

طـ (مكتبة نزار مصطفى الباز) مكة المكرمة ـ الرياض، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري (3/ 975) حديث رقم: (1306)، لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، عبد الحق الدهلوي (3/ 419) ت: د/ الندوي،

طـ (دار الكتب العلمية) بيروت ـ لبنان، شروح سنن ابن ماجه، (صـ 557) حديث رقم: (1390) طـ (بيت الأفكار الدولية)، التنوير شرح الجامع الصغير، الأمير الصنعاني (7/ 554) حديث رقم: (5945) ت: محمد إسحاق محمد إبراهيم.

[15] النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير (صـ 2105) رقم: (7913)، مادة: "شحن" طـ (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) قطر، التبصرة، ابن الجوزي (2/ 61) ت: مصطفى عبد الواحد، طـ (دار الكتب العلمية)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح "الكاشف عن حقائق السنن" الطيبي (4/ 1238) حديث رقم: (1306) طـ (مكتبة نزار مصطفى الباز) مكة المكرمة ـ الرياض، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري (3/ 975) حديث رقم: (1306)، لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، عبد الحق الدهلوي (3/ 419) ت: د/ الندوي، طـ (دار الكتب العلمية) بيروت ـ لبنان، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي (2/ 333) حديث رقم: (1798) طـ (دار الكتب العلمية) بيروت ـ لبنان، التنوير شرح الجامع الصغير، الأمير الصنعاني (3/ 344) حديث رقم: (1792) ت: محمد إسحاق محمد إبراهيم، وانظر (7/ 554) حديث رقم: (5945)، تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي مادة: "شحن"، (35/ 276) طـ (التراث العربي) الكويت.

[16] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر (4/ 105) ت: بشار عواد، طـ(مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي)

[17] روضة الطالبين وعمدة المفتين، النووي (صـ 1312) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان.

[18] تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، البيضاوي (3/ 263) حديث رقم: (1264) طـ (دار الثقافة الإسلامية).

[19] فتح الباري، ابن حجر (12/ 97) باب: (ما يجوز من الهجران لمن عصى) تحت الحديث رقم: (6078) طـ (دار الفكر) بيروت ـ لبنان.

[20] رواه الطبراني في الكبير (593).

[21] رواه ابن أبي عاصم في السنة (511).

[22] مختار الصحار، عبد القادر الرازي (صـ 188) طـ (دار الحديث) القاهرة، المصباح المنير، الفيومي (صـ 184)

طـ (دار الحديث) القاهرة، لسان العرب، ابن منظور (5/ 47) مادة: (شحن) طـ (دار الحديث) القاهرة.

[23] المقصود: منع من مغفرة ذنب المشاحنة، أو ذنوب لم يتب منها، أما إذا تاب من ذنب مع مشاحنته لأخيه بغير وجه حق، فإنه يغفر له هذا الذنب _بإذن الله_ إذ التوبة تتبعض، فيكون تائبًا من وجه دون وجه: كمن كان مصرًا على ذنب، وتاب من ذنب آخر، لم يبطل إصراره على الذنب توبته: كمن كان مصرًا على التعامل بالربا _والعياذ بالله_ وهو يشرب الخمر، فتاب من شرب الخمر، فإصراره على الربا لا يمنع توبته من الخمر.

___________________________________________________________
الكاتب: محمد أنور محمد مرسال