مراحل النقد (مرحلة الانبهار)

منذ 2023-06-22

تبنَّى بعض أبناء العربية والإسلام أفكار المستشرقين وتلقفوها متأثِّرين بهم، وتمت الاقتباسات الطويلة من إنتاجهم بلغاتهم، وصلت إلى نقل إنتاجهم العلمي وترجمته إلى اللغة العربية

تبنَّى بعض أبناء العربية والإسلام أفكار المستشرقين وتلقفوها متأثِّرين بهم، وتمت الاقتباسات الطويلة من إنتاجهم بلغاتهم، وصلت إلى نقل إنتاجهم العلمي وترجمته إلى اللغة العربية، ومِن ثمَّ نسبة جزء كبير منه إليهم، وربما انتحاله، يقول محمد محمد أبو شهبة: "ومما يؤسَف له غاية الأسف أن بعض الذين يثقون بكل ما يَرد عن الغربيين من آراء ومذاهب قد تلقَّفوا هذه الشبهات والطعون، ونسبها بعضهم إلى نفسه زورًا، فكان كلابس ثوبَي زور، والبعض الآخر لم ينتحلْها لنفسه ولكنه ارتضاها، وجعل من نفسه بوقًا لتردادها، ومِن هؤلاء من ضمَّن كتبه هذه الشبهات، بل وقوَّى من أمرها؛ وذلك كما فعل الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في كتابيه "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام"، وهو وإن كان جارى المستشرقين في كثير مما زعموا فقد خالفهم في بعض ما حدسوا، وكان عفيفًا في عبارته، مترفِّقًا في نقده.

 

وبعض هؤلاء المتلقفين كانوا أشد من المستشرقين والمبشرين هوى وعصبيةً وعداءً ظاهرًا للسنة وأهلها، وزاد عليهم الإسفاف في العبارة، وأتى في تناوله للصحابة، ولا سيما الصحابي الجليل "أبي هريرة" رضي الله عنه بألفاظ نابية عارية عن كل أدب ومروءة؛ وذلك كما صنع الشيخ "محمود أبو رية" في كتابه: "أضواء على السنة المحمدية"[1].

 

تمت الإفادة من المستشرقين في الجامعات العربية في مصر والشام والعراق، وصاروا أعضاء في المجامع العربية العلمية واللغوية، لا سيما في القاهرة ودمشق وبغداد، يشاركون في صنع القرار اللغوي والفكري، ويقدمون أبحاثهم اللغوية والعلمية، ويستفيدون من فطاحل اللغة العربية في هذه المجامع العلمية، ويفيدونها بما لديهم من خلفيات لغوية، من حيث قواعد اللغة وفقهها[2].

 

جرى في هذه المرحلة تكريم المستشرقين واستقبالهم والاحتفاء بهم، ورثاء "تأبين" المتوفى منهم، وعرض كتاباتهم والحوار معهم على صفحات الدوريات الثقافية والعلمية، وربما مع شيء مِن المبالغات في التكريم والرثاء[3]، حتى انتقد عبدالقدوس الأنصاري هذا الموقف، وعاب على بعض منتقدي المستشرقين بأن نقدهم مال إلى التأييد أكثر من كونه نقدًا علميًّا[4]، مما يعني ضعف الثقة ببعض منتقدي الاستشراق.

 


[1] انظر: كتاب أضواء على السنة المُحَمَّدية لمحمود أبو ريَّة، وردِّ مُحمَّد مُحمَّد أبو شهبة: دفاع عن السنة وردّ شُبه المستشرقين والكُتَّاب المعاصرين، القاهرة: مطبعة الأزهر، 1383هـ / 1967م، ص 6 - 7.

[2] انظر: نذير حمدان: مستشرقون سياسيون، جامعيون، مجمعيون، الطائف: مكتبة الصديق، (1408هـ / 1988م)، 265ص.

[3] انظر مثلًا: إبراهيم مدكور. المرحوم الأستاذ لويس ماسينون، مجلَّة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ع 17 (شوَّال 1383هـ - يناير 1964م)، ص 111 - 119.

[4] انظر: عبدالقدوس الأنصاري. نقدٌ في الظاهر للمبشِّرين والمستشرقين وتأييدٌ لهم في الباطن، رابطة العالم الإسلامي، مج 5 ع 1 (1387هـ - 2 / 1967م)، ص 31 - 32.

________________________________________________________
الكاتب: أ. د. علي بن إبراهيم النملة