لا يلام الذئب في عدوانه

منذ 2023-08-25

بنو هاشم نصروا محمَّدًا - ﷺ - حميَّة وعصبيَّة، ولم يكونوا على دينه، وأولئِكم النَّفر من قريش نصروهم؛ كراهيةً للظُّلم ووصْلاً للرحم، فكيف نخذل أخوننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها...

من المُضحِك المبكي أن يُلْقي بعض المحلِّلين التَّبِعة على الضَّحيَّة؛ بدعْوى أنَّه أعطى لعدوِّه الذَّريعة لضربه، وما تلك الذَّريعة إلا دفاعُه عن نفسه، بِما يَملكه وحسب قدراته.

وَوَفْقًا لهذا المنطِق؛ فإنَّ المطلوب من الضحيَّة أن يستسلِم للمُجْرم، ويبصِم لمشروعه بالعشَرة؛ ليبطش به ويفتك ويفعل ما يريد؛ كيلا يعطيَه ذريعةً؛ ليبطش به ويفتك ويفعل ما يريد!

منطق معكوس منكوس، يَخلط الحقائق، ويشوِّه الصورة ويقلب الموازين؛ ليسوِّي بين المجرم والضَّحيَّة، وبين المحاصِر والمحاصَر، والقاتل والمقتول، وهذا يلزم منه القوْل بأنَّ فكَّ هذا الحصار ووقْف العدوان لا يكون إلا بالقضاء على المُقاومة وكسْر شوكتِها، ومصادرة الأمَّة حقَّ الدفاع عن نفسِها وحقوقِها، وهذا من عجائب منطِق السياسة المعاصرة وفنونِها، ولا يُستغرب من أهْل السياسة هذا المنطق، لكن الغريب أن تَجري به بعضُ ألسنة المثقَّفين من أبناء جلدتنا، فيُردِّدوا هذه المقولة السَّاقطة دون إدراك لأبعادِها وآثارها القريبة والبعيدة.

وقد غاب عن هؤلاء البُلْه السذَّج أنَّ هذا العدوان قد تمَّ الإعداد له منذ أَمَد، ومخطَّط له ومتَّفقٌ عليه، ونسأل هؤلاء:

هل ينتظر صانعو مَجزرة دير ياسين، وكفر قاسم، وصبرا، وقانا، وجنين، وسواها ممَّا يطول عدُّه وحصْرُه - هل ينتظر هؤلاء الساديُّون ذريعةً لممارسة هوايتهم المفضَّلة في القتْل والذبْح والتَّنكيل؟!

وهل يعجِز الذين برعوا - عبر التَّاريخ قديمِه وحديثِه - في الكذِب والتَّزوير، والخداع والغدْر، والختْل والمراوغة، عن صنْع ذريعةٍ واختلاق مبرِّر؟!

ثمَّ كيف تلوم الضَّحيَّة التي تَموت بالحصار والتَّجويع موتًا بطيئًا يوميًّا منذ عام ونصف أو أكثر؟! كيف تلومُ مَن دفْع الموْت عن نفسِه بِما يستطيعُ؟! ألَم يسمع العاذِلُ قولَ المتنبي:
 

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوْتِ  بُـــدٌّ   ***   فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَمُوتَ جَبَانَا
وَلَوَ  انَّ  الحَيَاةَ  تَبْقَى  لِحَـيٍّ   ***   لَعَدَدْنَا   أَضَلَّنَا    الشُّجْعَانَـا
غَيْرَ أَنَّ الفَتَى  يُلاقِي  المَنَايَا   ***   كَالِحَاتٍ وَلا يُلاقِي  الهَوَانَا



لكن أقول لأمَّتنا أمَّة المليار ونصف المليار:
هذه غَزَّةُ - بَضْعة من القلب - قد حوصرت، ومُنِعت الطعامَ والشَّراب حتَّى أكلتْ علف الحيوانات، ثمَّ لمَّا وجد عدوُّهم أنَّ إفناءهم وإبادتَهم سيطول، نفِد صبرُه وصبرُ مَن يمدُّه في غيِّه، فأرسل طائراتِه وقاذفاتِه ودبَّاباته برًّا وبَحرًا وجوًّا؛ لتصُبَّ من فوق رؤوسهم الحميم، وتحرق المئاتِ والآلافَ شيبًا وشبابًا، صغارًا وكبارًا، حرقًا بالنار وما تزال، تحت سمع وبصر القاصي والداني، وقد قَتَلت قبلهم أضعافًا مضاعفة بالجوع والخنْق، والحصار والموت البطيء:
 

لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ القَلْبُ مِنْ كَمَدٍ   ***   إِنْ كَانَ فِي القَلْبِ إِيمَانٌ  وَإِسْلامُ

 
أُمَّتي، أيُقْتل بلا رأفةٍ مليون ونصف المليون من إخوانِنا، ونحن ننظر؟!

إنَّهم مسلمون، والمسلم أخو المسلم؛ لا يظلِمُه ولا يُسْلِمه!

وهَبْهُم غيرَ مسلمين، أليْسوا بشرًا؟! أليس نصرة المظلوم واجبةً؟

هبْهم مجرَّد جيران، أليْس من النخوة والمروءةِ والشَّهامة نجدتُهم وتحريرهم وفكُّ أسرِهم، أم ماتت فينا هذه المعاني؟!

بنو هاشم نصروا محمَّدًا - صلَّى الله عليْه وسلَّم - حميَّة وعصبيَّة، ولم يكونوا على دينه، وأولئِكم النَّفر من قريش نصروهم؛ كراهيةً للظُّلم ووصْلاً للرحم، فكيف نخذل أخوننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، ونقعُد عن نصرَتِهم، وقد رماهم العالَم كلُّه عن قوْسٍ واحدة، وهم إخوانُنا في الدِّين، وجيرانُنا في الدَّار، وتربطنا بهم أرْحام وأنساب؟!

انصروا حرَّاس الأقصى، المرابطين على أعْظم ثُغُور الإسلام، في بيت المقْدِس وأكناف بيْت المقْدِس؛ فإنَّ لهم عليْنا حقَّ الولاء، وحقَّ الأخوَّة، وحقَّ الجوار، وحقَّ الإنسانيَّة؛ فلا حجَّة لنا أمام الله - عزَّ وجلَّ - وقد قال تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

وقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أنَّه قال:
«المُؤْمِنُ للمُؤْمنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»؛ (متَّفق عليْه) ، وصحَّ عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أنَّه قال: «مثَلُ المُؤْمنينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهمْ وتَعاطُفِهِمْ مثلُ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى منهُ عُضْوٌ، تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى»؛ (صحيح مسلم) .

كيف لا نستجيب لآهات الثَّكالى، وأنَّات المرضى والجرحى، وصراخ الأطفال في أتون المحْرقة؛ وقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال:
«المُسْلِمُ أخو المُسْلم لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كان اللهُ في حاجَتِه، ومَن فَرَّجَ عَن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عنه كُرْبَةً من كُرُباتِ يَوْمِ القِيامةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا ستَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيامةِ»!

كلا، لا يجوز الصَّمت البتَّة؛ فالصَّمت حرام، والسَّاكت عن الحقِّ شيطانٌ أخْرس، والمتكلِّم بالباطل شيطانٌ ناطق؛ وقد قالَ رَسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم -:
«انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلومًا»، وقال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «مَن أُذلَّ عنده مؤمنٌ فلم ينصرْه - وهو قادر على أن ينْصُره - أذلَّه الله - عزَّ وجلَّ - على رؤوس الخلائِق يوم القيامة»؛ (رواه أحمد في مسنده) .

فلننْصُرْهم بالإعلام، والكلِمة الطيِّبة الحرَّة، وبالمقالة والقصَّة والشِّعر والخطبة، وبنشْر الوعْي السياسي والعِلْم الشَّرعي، وبالتَّحريض على المساعدة والنُّصرة، انصُروهم بالدُّعاء لهم والقُنوت في الصَّلوات، انصروهم بأنْفُسكم وأموالِكم وما تقدرون عليْه، فهذا ليس إرهابًا ولا تطرُّفًا؛ بل هذا جهادٌ من أعظم الجهاد، وعندما ننصرهم إنَّما ننصُر أنفُسَنا، وندفع عن أنفُسنا؛ لأنَّهم الخندقُ الأوَّل الذي يدافع عن الأمَّة بأسْرِها من تطوان إلى جاكرتا، وإلاَّ فلْننتظِرْ أن يُصيبنا ما أصابَهم - عياذاً بالله.

وإن لم ننصُرْهم، فإنَّ الله ناصِرُهم وإن كانوا قلَّة، وقد نصر نبيَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وكان وحْده، وصدق الحقُّ - سبحانه - إذ يقول:
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].

ويتذكَّر المرْءُ في مثل هذه اللَّحظات شاعرَ الشَّام، عمر أبو ريشة القائل - لله درُّه -:

 

أُمَّتِي  هَلْ   لَكِ   بَيْنَ   الأُمَــــمِ   ***   مِنْبَرٌ    لِلسَّيْفِ    أَوْ     لِلقَلَــــــمِ
أَتَلَقَّاكِ     وَطَرْفِي      مُطْــــرِقٌ   ***   خَجَلاً  مِنْ  أَمْسِكِ   المُنْصَــــرِمِ
وَيَكَادُ  الدَّمْعُ   يَهْمِي   عَاتِبًـــــا   ***   بِبَقَايَا       كِبْرِيَاءِ        الأَلَـــــــمِ
أَلإِسْرَائِيلَ       تَعْلُو       رَايَــــةٌ   ***   فِي حِمَى  المَهْدِ  وَظِلِّ  الحَــرَمِ
كَيْفَ أَغْضَيْتِ عَلَى الذُّلِّ وَلَـــمْ   ***   تَنْفُضِي   عَنْكِ   غُبَارَ   التُّهَــــــمِ
أَوَمَا كُنْتِ إِذَا  البَغْيُ  اعْتَــــدَى   ***   مَوْجَةً  مِنْ  لَهَـــــبٍ  أَوْ  مِنْ  دَمِ
اسْمَعِي نَوْحَ الحَزَانَى وَاطْرَبِـي   ***   وَانْظُرِي دَمْعَ اليَتَامَى وَابْسِمِــي
رُبَّ  وَا  مُعْتَصِمَاهُ   انْطَلَقَـــــتْ   ***   مِلْءَ   أَفْوَاهِ    الصَّبَايَا    اليُّتَّـــمِ
لامَسَتْ   أَسْمَاعَهُمْ    لَكِنَّهَـــــــا   ***   لَمْ   تُلامِسْ   نَخْوَةَ   المُعْتَصِـــمِ
أُمَّتِي    كَمْ    صَنَمٍ    مَجَّدتِــــهِ   ***   لَمْ يَكُنْ  يَحْمِلُ  طُهْرَ  الصَّنَــــــمِ
لا  يُلامُ  الذِّئْبُ  فِي   عُدْوَانِـــهِ   ***   إِنْ  يَكُ  الرَّاعِي  عَدُوَّ   الغَنَـــــمِ

 

___________________________________________________
الكاتب: محمد علي الخطيب