لماذا يترك الله أهل الظلم والفساد؟!

منذ 2023-11-03

فقد يطرأ هذا السؤال على خاطر الكثير من المظلومين المقهورين: لماذا يترك الله سبحانه وتعالى أهل الباطل والظلم والفساد، يعيثون في الأرض فسادًا، فيقهرون المستضعفين المقهورين المظلومين، ويفتنون المؤمنين، ولا يأخذهم الله تعالى في التوِّ والحال؟

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:

فقد يطرأ هذا السؤال على خاطر الكثير من المظلومين المقهورين: لماذا يترك الله سبحانه وتعالى أهل الباطل والظلم والفساد، يعيثون في الأرض فسادًا، فيقهرون المستضعفين المقهورين المظلومين، ويفتنون المؤمنين، ولا يأخذهم الله تعالى في التوِّ والحال؟

 

اعلم - رحمنا الله وإياك - أن الجواب على هذا السؤال لا تتسع له المجلدات، ولكن سأذكر لك وَمَضات على هذا السؤال، وقبل الجواب على هذا السؤال لا بد من تأصيل مهم في الباب اختصارًا:

أولًا: الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل؛ فالخلق خَلْقُه، والملك مُلْكُه، يفعل ما يشاء؛ قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فهو الملك الحقُّ، يفعل ما يشاء.

 

ثانيًا: الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئًا؛ لكمال عدله؛ كما قال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118].

 

قال تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33].

 

قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].

 

قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].

 

قال تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].

 

وأما الجواب عن السؤال: لماذا يترك الله سبحانه وتعالى أهل الباطل والظلم والفساد، يعيثون في الأرض فسادًا، فيقهرون المستضعفين المقهورين المظلومين، ويفتنون المؤمنين، ولا يأخذهم الله تعالى في التو والحال؟

الجواب:

لِحِكَمٍ عظيمة، وغايات جليلة؛ منها على سبيل الاختصار:

أولًا: إظهار الله تبارك وتعالى لعباده حلمه وصبره:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لأنه الرحمن الحليم، يمهل الظالمين والطغاة والمتكبرين، ولا يأخذهم مباشرةً، بل يصبر عليهم لعلهم يتوبون عن غيِّهم وظلمهم وكفرهم؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} [البروج: 10].

 

فانظر يفتنون المؤمنين في دينهم، ويُمْهِلهم ويحلُم ويصبر عليهم؛ لعلهم يتوبون ويرجعون، بل يرزقهم، سبحان الرحمن!

 

وتأمل إذا كانت هذه معاملة الله الطغاة والمتكبرين والظَّلَمة، فكيف تكون معاملته لأهل الإيمان؟ وإذا علِم المؤمن ذلك، زاد طمعه في رحمة الله وجوده وكرمه.

 

ثانيًا: اختبارًا لأهل الحق:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ اختبارًا لأهل الحق؛ فالله تعالى يختبر أهل الحق بأهل الباطل، يختبر صبرهم وإيمانهم ويقينهم، فإن وُجِدَ الصبر كان معه كل خير؛ قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].

 

قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141]، ومن معاني التمحيص: الاختبار[1].

 

ثالثًا: ولأن الانتصار بعد اليأس له طعم خاص:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لينصر الله حزبه من أهل الإيمان وهم في غاية الضعف، وقد انقطعت بهم الأسباب، واشتد عليهم الاضطهاد، وليس لهم إلا أعظم الأسباب؛ وهو ربط الأرض بالسماء، فينصرهم الله على عدوِّه وعدوِّهم في وقت لا يتوقعون فيه الانتصار، فيكون للانتصار مذاق آخر؛ كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

 

رابعًا: لتظهر بطولات أهل الإيمان:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليشتد البلاء على المؤمنين، ويُمهِل الله الظالمين؛ لتظهر بطولات أهل الإيمان، القلوب التي غمرتها بشاشة الإيمان، فهذا يجهر بكلمة الحق بحقٍّ، وهذا يموت في سبيل دينه، وهذا يُقتَل مظلومًا ولا يعبأ بروحه، وهذا يثبت على شرعة الله، فلا يبدِّل ولا يغيِّر مع وجود البلاء والمحن، وهذا يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بضوابطه الشرعية، وهذا يتحمل البلاء والاضطهاد كالطود الشامخ...؛ إلخ.

 

خامسًا: إظهارًا لقوته عز وجل:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لأن الله الملك العزيز القوي عز وجل يظهر عزَّته وقوته لخلقه؛ وذلك عندما يأخذ الباطل وأهله وهم في تمام صولتهم وجولتهم، وقوتهم وجاههم، وقد اكتملت أسبابهم، وارتكزت دعائمهم، فيأخذهم الله عز وجل أخذَ عزيز مقتدر؛ قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]،فتظهر قوة الله عز وجل وعزته عندما يقصم الطغاة في عز صولتهم وارتفاعهم.

 

سادسًا: يتخذ الله ويصطفي شهداء:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليجتبي سبحانه وتعالى شهداء يموتون في سبيل الله، فيجازيهم الله الخير الكبير الذي لا تقوم له الدنيا؛ قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140].

 

عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «للشهيد عند الله ستُّ خِصال: يُغفَر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» [2].

 

سابعًا: تكفيرًا للسيئات أو رفعةً للدرجات:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليكون ذلك تكفيرًا لسيئات المؤمنين أو رفعةً لدرجاتهم؛ كما في الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها، إلا رفعه الله بها درجةً، أو حط عنه بها خطيئةً» [3].

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» [4]، بينما يزداد أهل الباطل إثمًا.

 

ثامنًا: استخراج عبوديات عظيمة:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لتظهر عبوديات جليلة عند أهل الإيمان، فيظهر الجهاد في سبيل الله، وموالاة المؤمنين، والصبر، والتذلل والانكسار، واللجوء والتضرع إلى الله تعالى، فيتعلق القلب بالله لا سيما مع طول البلاء.

 

تاسعًا: تنقية الصف المؤمن من أهل النفاق:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليفتضح أهل النفاق، ويظهر وجههم الكالح، وموالاتهم للكفار، وتثبيطهم لصف المؤمنين الموحدين؛ فيظهر نفاقهم في فعالهم، ولحن قولهم، فيفتضح مكنون صدورهم وقلوبهم العفنة.

 

عاشرًا: ليعلم الناس أن الأسباب بيد الله:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لأن الملك عز وجل نصر المستضعفين من أهل الإيمان ولا أسباب مادية معهم، ومع ذلك مكَّن لهم في الأرض، وأهل الباطل سلكوا كل الأسباب التي تمكنهم في الأرض، ولكنهم لم يربطوا الأرض بالسماء، فيأخذهم الله بعد اكتمال الأسباب وقد ظنوا أن الأمور قد آلت لهم، كما نجى الله موسى وقومه من فرعون؛ قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 61 - 68].

 

فسبحان من نجى موسى صلى الله عليه وسلم وقومه مع انعدام السبب، وأهلك فرعون مع اكتمال السبب في عتاده وجنده!

 

الحادي عشر: وجود الولاء والبراء:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليظهر الولاء للحق وأهله، والبراءة من الباطل وأهله بضوابطه، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراءة من الشرك والمشركين.

 

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 51، 52].

 

وروى الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «أوثق عُرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله عز وجل» [5].

 

 

الثاني عشر: البلاء يربي الرجال:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله، فيبتلي بهم المؤمنين؛ إذ البلاء مصنع الرجال، فالابتلاء يربي الرجال؛ ولذلك سيد الرجال رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار الله له العيش الشديد الذي تخلَّلته الشدائد منذ الصغر؛ فقد مات أبوه قبل أن يُولَد، ثم بعد ذلك ماتت أمه، ثم جده، ثم بعد ذلك انتقل للعيش مع عمه، ثم رعى الغنم، ثم بعد ذلك اشتغل بالتجارة، بأبي هو وأمي، فكأن الله يهيئ نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الشدائد وبهذه التربية لأجل هذه المهمة العظيمة التي اصطفاه لها؛ وهي النبوة والرسالة.

 

وكذلك الصحابة رضي الله عنهم عاشوا في شدة العيش والبلاء؛ تربيةً من الله سبحانه وتعالى لهم لحمل لواء الدين،وحمل هذه الرسالة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولتبليغ هذه الرسالة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ولفتح الفتوحات.

 

وكذلك تجد العلماء الربانيين كالأئمة الأربعة وغيرهم عاشوا في فلك اليتم والـفـقـر والـبـلايـا والمحن؛ تهيئةً مـن الله سبحانه وتعالى لهـم، وكأنما يـعـدهم بهذه المعاناة وهذه الشدائد من الصغر لتحمل المسؤولية والأمانة العظيمة في الكبر.

 

الثالث عشر: تعلُّق القلب بالله سبحانه وتعالى:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليزداد تعلق قلوب المؤمنين بالله عز وجل؛ فالإنسان عندما تضيق عليه الأمور يزداد تعلق قـلـبـه بربه سبحانه وتعالى، وينتظر الفرج من ربه وخالقه ومولاه، ولا سيما إن طال البلاء، وضعف الاحتمال، وقل النصير، فإنه يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى، ويعلم أنه لا محيص ولا مفر ولا مخرج له من البلاء إلا بالله سبحانه وتعالى، فيعلق قلبه بربه، فكم من عبدٍ علَّق قلبه بالله سبحانه وتعالى بعد البلاء، فسبحان رب العرش العظيم!

 

الرابع عشر: الاشتياق للجنة:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليذوق المؤمن مرارة الدنيا، فيشتاق للجنة، فإذا ذاق المؤمن مرارة الدنيا، اشتاق أشد الاشتياق للجنة.

 

ولذلك لما سُئِل الإمام أحمد رحمه الله: متى يجد الرجل الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة[6].

 

فهناك تكون الراحة في الدار التي فيها النعيم المقيم، التي لا فيها كَدَر ولا هم، ولا حزن ولا بلاء، بفضل الله سبحانه وتعالى.

 

الخامس عشر: التذكير بأن الذنوب سبب البلاء:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لأن البلاء يذكِّرك بذنوبك التي هي سبب في تسلط الأعداء؛ لتتوب إلى ربك؛ قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]، فوالله لو نَصَرْنَا الله لَنَصَرَنا؛ قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب؛ لأنه يذكرك بذنوبك؛ إذ الذنوب سبب البلاء؛ ولذلك قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

 

قال العباس رضي الله عنه في استسقائه في عهد عمر رضي الله عنه: "اللهم إنه لم ينزل من السماء بلاء إلا بذنب، ولن تكشفه إلا بتوبة"[7].

 

فهذا البلاء سبيل للتوبة، فكم من إنسان كان غارقًا في المعاصي والذنوب فابتلاه الله تعالى فتاب، وآب، ورجع إلى ربه!

 

ولذلك قال تعالى:{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21]، والعذاب الأدنى: هو مصيبات الدنيا وبلاؤها ونكدها، وما يصيب الإنسان من السوء فيها، على وجه من وجوه التفسير[8].

 

ولأن الإنسان إذا عاش دون بلاء، فإنه سيطغى؛ كما قال تعالى:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7].

 

فإذا استمرت هذه الحياة هانئةً، فسوف يصل الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر، ويظن نفسه مستغنيًا عن الله سبحانه وتعالى، فمن رحمة الله تعالى أنه يبتلي العبد؛ ليعلم العبد أنه لا يستغني عن خالقه ومولاه طرفة عين، وليعود العاصي إلى ربه تعالى؛ فكم من عبد رجع عن غيه وظلمه ومعصيته بسبب البلاء!

 

السادس عشر: حسرةً وعقوبةً لأهل الباطل:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ لأن الله يُمهلهم للتوبة، فإن أصروا واستمروا في غيهم وظلمهم وكفرهم، أهلكهم الله تعالى وقد اكتملت أسبابهم المادية، ولا عائق لهم من البشر، فيأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فتزداد حسرتهم وقد أخذهم في عز صولتهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، فتزداد حسرتهم وندمهم: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].

 

السابع عشر: تهذيبًا وإصلاحًا للعبد المؤمن:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليراجع المؤمن حاله مع ربه، ولربما حمله البلاء على التوبة والرجوع إلى الله؛ قال تعالى: {وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 48].

 

قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 27].

 

قال تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83].

 

فكم من بلاء كان نعمةً على صاحبه، فرُبَّ عبدٍ كان الخير له في البلاء؛ فمن الناس من لو كثُر ماله وجاءته النعماء، طغى وتكبر، فسبحان من يبتلي ليجتبي!

 

الثامن عشر: لطف الله بعباده المؤمنين:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ ليظهر الله لطفه بعباده المؤمنين؛ حيث يثبتهم على الحق، ثم تكون العاقبة لهم.

 

التاسع عشر: استدراج الكافرين:

يقدر الله بقاء الباطل وأهله؛ استدراجًا للكافرين والمجرمين والظالمين؛ ليكونوا عِبْرَةً وآية لمن بعدهم؛ قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178]، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].

 

قال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44، 45].

 

عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «إن الله لَيُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه» ، قال: ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102])[9].

 

العشرون: شُكْر الله على هلاك أهل الباطل:

وعند زوال الباطل وأهله، تظهر عبودية الشكر لله على نعمة زوال الباطل،والحمد لله رب العالمين.

 

وأخيرًا: لا تأمن مكر الله:

يأخذ الله أهل الباطل في عز صولتهم وجولتهم، وانظر كيف مكر بهم وجعل تدميرهم في تدبيرهم، فاحذر - يا عبدَالله - من مكر الله؛ قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99].

 

وهذا غيض من فيض في هذاالباب، وإنما هي ومضات وعناوين للجواب

__________________________________________________________

كتبه/ أبو عبدالله محمد أنور مرسال


[1] تفسير القرطبي (4/195)، طـ (المكتبة التوفيقية) القاهرة، لسان العرب، ابن منظور (8/214)، مادة "محص" طـ (دار الحديث)، القاهرة.

[2] صحيح: رواه أحمد (17783)، والترمذي (1663)، وابن ماجه (2799).

[3] رواه مسلم (2572)، وهذا الحديث فيه جواب على إشكال؛ وهو: إذا كان البلاء لتكفير السيئات، فما الحكمة من بلاء الأنبياء وهم معصومون ومن أهل الجنة؟

والجواب: إنما البلاء للأنبياء يكون لأمور؛ ومنها:

أ- كما في الحديث: لِرفعة درجاتهم صلوات ربي وسلامه عليهم.

ب- ليتسلَّى بهم مَن بعدهم من الصالحين والمُصلِحين وغيرهم من أُمَمهم، فَيَأْتَسوا بهم، ويصبروا.

ج- ولتزداد سيئات المشركين المحاربين لأنبياء الله، فيمتلئ صاع الكفار، فيستحقوا العقاب الوخيم الأليم؛ لكفرهم بأنبيائهم، وغير ذلك من الحِكم العظيمة.

[4]صحيح: رواه أحمد (7859)، والترمذي (2399).

[5] صحيح: رواه الطبراني في الكبير (11537).

[6] تاريخ دمشق، ابن عساكر (3/ 315)، طـ (دار الكتب العلمية)، بيروت، لبنان.

[7] المجالسة وجواهر العلم، أبو بكر الدينوري، رقم (727)، المسالك في شرح موطأ مالك، ابن العربي (2/ 298)، طـ (دار الكتب العلمية)، بيروت، لبنان.

[8] تفسير الطبري (9/ 166)، طـ (دار الحديث)، القاهرة، وفي تفسيرها أوجه؛ ومنها: قيل: الحدود، وقيل: عذاب القبر، وقيل: عذاب الدنيا وعذاب القبر.

[9] رواه البخاري (4686)، ومسلم (2583).