الإسراء والمعراج (دروس وعبر)

منذ 2024-02-02

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].

قبل الهجرة بسنة أُسرِيَ بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]، وكان ذلك على الصحيح في السنة الثانية عشرة من البعثة، ثم عُرج به إلى السماوات العلا، فرجع في ليلة واحدة، فحدَّث قريشًا فكذَّبوه، فردَّ الله تكذيبهم بقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 1 - 4]، وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 11، 12].

 

فما هي الدروس والعِبر المستفادة من هذا الحدث؟

عباد الله: من المستفادات في حادثة الإسراء والمعراج ما يلي:

1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم: بعد موت عمه أبي طالب وزوجته خديجةَ في عام واحد، فحزِن صلى الله عليه وسلم لموتهما حزنًا شديدًا، وبعد ما لاقاه من أهل الطائف من رفض دعوته، وأغرَوا به سفهاءهم حتى أدمَوا قدمَه الشريفة، جاءت هذه الرحلة تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتفريجًا لهمومه، من خلال هذا المعراج الروحي إلى الملأ الأعلى، ونستفيد أن السياحة واستبدال الأماكن تجديدٌ للنشاط، وتسلية للروح، شريطة أن تكون مشروعةً.

 

2- فرض الصلوات الخمس: الصلاة كانت معروفةً قبل المعراج؛ حيث كانوا يصلون ركعتين بالغداة (أول النهار)، وركعتين بالعشِيِّ (آخر النهار)، لكن الصلوات الخمس المفروضة علينا إنما فرضها الله على رسوله ليلة المعراج بدون واسطة، وكانت في البداية خمسين صلاةً، ثم طلب النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف بأمر من موسى عليه السلام، حتى أصبحت خمسًا في العمل وخمسين في الأجر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.

 

وهذا يفيدكم عظمة هذه الشعيرة وأهميتها التي تهاون الكثير من المسلمين بتركها، وانشغلوا عنها بالتجارة واللهو، ومشاهدة المباريات الكروية؛ ألم يقرأ هؤلاء قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]، وليس المقصود بالسهو هنا السهو أثناء الصلاة، بأن تُنسَى فتزيد أو تنقص، فهذا معفوٌّ عنه؛ لأنه خارج عن إرادة الإنسان، ويُجبَر بسجدتي السهو؛ لأن الله لم يقل: (في صلاتهم)، وإنما قال: {عَنْ صَلَاتِهِمْ} [الماعون: 5]، فالمقصود بالسهو هنا أمور؛ منها: التاركون للصلاة تكاسلًا وغفلةً وليس جحودًا، فهذا كفر والعياذ بالله، والذين يجمعون الصلوات ويصلونها دفعةً واحدةً ولا يلتزمون بأوقاتها؛ قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، والذين يُصلُّون مباهاةً ورياءً، وهي صلاة المنافقين؛ قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من سمَّع الناس بعمله، سمَّع الله به سامِعَ خَلْقِهِ، وصغَّره وحقَّره»[1]، والذين يُصلُّون ولا يقيمون ركوعها ولا سجودها، ولا قيامها ولا قعودها، ويُكْثِرون الحركة في صلاتهم، ولا يهتمون بها اهتمامًا، فهذا دليل على سهوهم عنها.
 

فنستفيد كذلك:

3- مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لآيات الله الكبرى؛ قال تعالى في بيان الهدف من هذه الرحلة: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1]، وقال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]، ومن الآيات الكبرى التي أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى البُراق ((وهو دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض))[2]، يضع خطوه عند أقصى طرفه، ورأى الأنبياء وقد جُمعوا للصلاة بهم في بيت المقدس؛ قال صلى الله عليه وسلم: «فحانت الصلاة فأمَمْتُهم»[3]، وهذا دليل على أنهم سلَّموا له بالقيادة والريادة والأفضلية، وأن شريعة الإسلام نسخت الشرائع السابقة، كما أن ابتداء رحلة الإسراء من المسجد الحرام وانتهاءها ببيت المقدس دلالة على الترابط بينهما، وعدم التفريط في أحدهما، ولزوم الدفاع عنهما، ورأى السماوات العلا سماءً بعد سماء، ورأى الأنبياء فيها، ورأى البيت المعمور، «وإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألف مَلَكٍ لا يعودون إليه»[4]، ورُفِعَتْ له سدرة المنتهى، وكلَّمه ربه بدون واسطة من وراء حجاب، وهناك فُرِضت عليه الصلوات كما أسلفنا، فسبحان من يسَّر له قطع هذه المسافات؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله عز وجل على العرش يعلم ما أنتم عليه»[5]، فهل قَدَرْنا الله حقَّ قدره؟ ورأى جبريل على الهيئة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13، 14]، ورآه «كالحِلْسِ البالي[6] من خشية الله عز وجل» [7]،فعلينا خشية الله في السر والعلن، ومما رآه صلى الله عليه وسلم «قومٌ لهم أظفار من نُحاس، يخمُشون وجوههم وصدورهم، فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم»[8]، فاجتنبوا – إخواني - الغِيبةَ والنميمة والسخرية بالمؤمنين، ورأى «رجالًا تُقرَض شِفاههم بمقارضَ من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أُمَّتِك يأمرون الناس بالبر، وينسَون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به»[9]، ورأى «رجلًا يسبح في نهر ويُلقَم الحجارة، فسألت: ما هذا؟ فقيل لي: آكل الربا»[10]، فاجتنبوا الربا وأكل أموال الناس بالباطل، ورأى «مالكًا خازن النار، والدجالَ، في آيات أراهن الله إياه»[11]، فلا تكونوا في مرية من لقاء الدجال؛ فهو من علامات الساعة الكبرى كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم، ورأى: «الجنة فإذا فيها جَنَابِذُ اللؤلؤ[12]، وإذا ترابُها الْمِسْكُ»[13].

 

فاللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجِلِه، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، آمين.

 

(تتمة الدعاء).

 


[1] رواه أحمد، رقم: 6509.

[2] رواه البخاري، رقم: 3887.

[3] رواه مسلم، رقم: 172.

[4] رواه أحمد، برقم: 12505.

[5] رواه أحمد في المسند برقم: 12505، وضعَّف إسناده شعيب الأرنؤوط.

[6] الحلس: كساء يكون تحت برذعة البعير؛ أي صارت الخشية له كالكساء.

[7] صحيح الجامع برقم: 5864.

[8] صحيح الجامع برقم: 5213.

[9] رواه ابن حبان في صحيحه برقم: 53.

[10] رواه أحمد في المسند برقم: 20100.

[11] رواه البخاري برقم: 4881.

[12] الجنابذ: جمع جُنْبُذَة؛ وهو ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة.

[13] رواه البخاري برقم: 3342.

___________________________________________________________
الكاتب: عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت