لمحات في عقيدة الإسماعيلية

منذ 2024-04-17

فرق الشيعة كثيرة جدًّا غير أن أكبرها في عصرنا الحاضر ثلاث: الاثنا عشريَّة، وهي كبرى الفرق الشيعيَّة، والزيديَّة، وثالثتها: الإسماعيليَّة، وهم يَنتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق

 

 

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

الخطبة الأولى:

أمَّا بعدُ:

مرَّ عمر بن الخطاب -رضي َالله عنه- بدير راهبٍ من النصارى يتعبَّد، فناداه عمر: "يا راهب! يا راهب! فأشرَف عليه الراهب، فجعَل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يُبكيك من هذا؟ فقال: ذكَرت قول الله -عز وجل- في كتابه: {(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً)} [الغاشية: 3 - 4]، فذاك الذي أبكاني"، وحُقَّ لعمر أن يبكي لحال هذا الراهب الذي انقطَع للعبادة، ومع هذا سيصلى نارًا حامية؛ لأنه لَم يتَّبع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إذ لا دين إلاَّ الإسلام بعد بَعثة محمد -صلى الله عليه وسلمَ-.

ومن هنا كان حقًّا علينا أن نَحمد الله -تعالى- على نعمة الهداية، فنَحمده -سبحانه- أن لَم يَجعلنا يهودًا ولا نصارى ولا مُلحدين، ولا من المُتخبِّطين في عقائدهم، ممن عَمِيتْ أعينهم عن الحقِّ، وسلَّموا أنفسهم لأئمَّة الضلالة، ومما يَجعل المسلم الموحِّد يُدرك قدرَ نعمة الله عليه، أن يطَّلع على بعض مُعتقدات وأحوال المخالفين للعقيدة الصحيحة؛ ليَحذرها، وليَتمسَّك بدينه، ويَعرف أعداء دينه، ومن تلك الطوائف الضالة: فرقة الإسماعيليَّة، وهي إحدى الفرق التي تَدَّعي التشيُّع والمناصرة لآل البيت، والشيعة هم الأتباع والأنصار، وغلبَ اسم التشيُّع على مَن يتولَّى عليًّا -رضي َالله عنه- وأهلَ بيته -رحمهم الله- في أوَّل الأمر، ثم صار علمًا على الرافضة والزيديَّة، وقد مرَّ التشيُّع بثلاث مراحل:

1- كان التشيُّع عبارة عن حبِّ علي -رضي َالله عنه- وأهل البيت، دون انتقاص أحدٍ من إخوانه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلَم-.

2- ثم تطوَّر التشيُّع إلى الرَّفض وهو الغُلو في علي -رضي َالله عنه- وطائفة من أهل بيته، والطَّعن في الصحابة -رضي َالله عنهم- وتكفيرهم، مع عقائد أخرى ليست من الإسلام في شيء؛ كالتقيَّة والإمامة، والرجعة، والعِصمة والباطنيَّة.

3- تَأْليه علي -رَضي الله عنه- والأئمَّة من بعده، والقول بالتناسخ، وغير ذلك من عقائد الكفر والإلحاد المُتسترة بالتشيُّع، والتي انتهَت بعقائد الباطنيَّة الفاسدة.

وفرق الشيعة كثيرة جدًّا، غير أن أكبرها في عصرنا الحاضر ثلاث: الاثنا عشريَّة، وهي كبرى الفرق الشيعيَّة، والزيديَّة، وثالثتها الإسماعيليَّة، وهم يَنتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق من ذريَّة علي -رضي َالله عنه-، ويَزعمون إمامته، فنُسبوا إليه.

ومن أشهر ألقابهم: الباطنيَّة؛ لقولهم بأن الناس يعلمون علمَ الظاهر، وإمامهم يعلم علمَ الباطن، وأَوَّلوا آيات القرآن الكريم تأويلات غريبة تَهدم الدين.

وقد أسَّس هذا المذهب جماعة من المجوس حين رأوا قوة الإسلام لا تُقهر، وعزَّة المسلمين لا تُغلب، فامْتَلأَت نفوسهم بالحقد على الإسلام والمسلمين، ورأوا أنه لا سبيل لهم بالانتصار على المسلمين بقوة السلاح، فرامُوا كيده بالباطن، عن طريق الاحتيال والتآمُر؛ ليطفئوا نور الله بأفواههم، وخَفِي على هؤلاء الملاحدة أنَّ الله مُتِمُّ نوره ولو كَرِه الكافرون.

وقد ظهَرت بذور هذه الطائفة في عهد المأمون العباسي على يد جماعة كان على رأسهم: ميمون القدَّاح؛ حيث اجتمَع مع نفرٍ من أصحابه، ووضَعوا مذهب الباطنية، وأسَّسوا قواعده.

والإسماعيلية اليوم مُنبثَّة في أقاليم مُتفرِّقة في العالم الإسلامي، فلها وجود في جنوب جزيرة العرب، وجنوب إفريقيا ووسطها، كما يوجدون في بلاد الشام، وفي باكستان، ويَكثرون في الهند وفي أماكن أخرى.

وقد قامت للإسماعيلية في التاريخ الإسلامي دولٌ كانتْ بلاءً كبيرًا على الإسلام والمسلمين، ولها تاريخ أسود مُظلم، لا مجال لاستعراضه، وقد سجَّل التاريخ تعاونهم مع أعداء المسلمين من النصارى والتتار، ومن دولهم التي قامَت الدولة العُبيدية في المغرب وفي مصر، والقرامطة في البحرين، وهم الذين قتَلوا الحجيج، وانتزَعوا الحجر الأسود من الكعبة، وبَقِي عندهم مدة، حتى تمكَّن المسلمون من استرجاعه، ومنهم الحشَّاشون الذين عُرِفوا بتعاطي الحشيش المُخدر، ورَوَّعوا المسلمين، وقطَعوا طُرقهم، وفتَكوا بقادة المسلمين.

وقد قال علماء الإسلام: إنَّ مذهب الباطنية ظاهره الرَّفض؛ أي: ادِّعاء التشيُّع لعلي، ورَفْض إمامة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق -رضي الله عنهما- وباطنه الكفر المَحض، فهم يتظاهرون بالتشيُّع، وباطن مُعتقدهم الكفر الصريح؛ قال ابن النديم -رحمه الله- بعد أن اطَّلع على أحد كُتبهم: "وقد قرأْتُه فرأيتُ فيه أمرًا عظيمًا من إباحة المحظورات، والوضع من الشرائع وأصحابها".

ومن معتقدات الإسماعيلية التي عُرِفوا بها:

1- لا يُقيمون الصلاة في مساجد المسلمين، بل يصلونها في مساجد داخل بيوتهم، ويَمنعون غيرهم من دخولها، ويصلُّون الظهر والعصر بأذانٍ واحدٍ، والمغرب والعشاء كذلك، ويصلُّونها فُرادى غالبًا، وفي سرعة واضحة؛ حيث يرون أن الصلاة لا تَصِحُّ إلاَّ خلف أئمَّتهم، أو من يُجيزه أئمَّتهم بعد التأكُّد من مُعتقده، ولا يصلون الجمعة، بل يصلونها ظهرًا، كسائر أيام الأسبوع، بحجَّة أنه لا يوجد إمام عادلٌ يصلون وراءه.

2- أمَّا الزكاة، فيدفعونها إلى مشايخهم، ويرون أنَّ هذا معنى الزكاة في الباطن، ولا يعتدُّون بالزكاة التي تؤخَذ من قِبَل وُلاة الأمور، ويرون أنها الزكاة في الظاهر، وقد خالفوا بذلك أمرَ الله -تعالى- بدَفْع الزكاة للفقراء، ومستحقي الزكاة دون الأغنياء.

3- أمَّا الصيام، فهم يصومون رمضان ثلاثين يومًا باستمرار، ولا عِبرة برؤية الهلال ولا بموافقة المسلمين، فهم يصومون على الحساب الفلكي.

4- وفي الحج لا يوافقون المسلمين فيه، بل يَسبقونهم بيومٍ، أو يتأخَّرون عنهم بيوم على حسابهم الذي يَسيرون عليه.

5- ومما عُرِفوا به تقديس مشايخهم، ورَفْع مقاماتهم؛ حتى إن منهم مَن يرى أنَّ أئمَّتهم آلهة، أو أنهم يوحَى إليهم، وأنهم يعلمون الغيب، وهم يسجدون لهم، ويَطلبون منهم المَغفرة، ورُبَّما أصدَروا لهم صكوكَ غفرانٍ، وأقطَعوهم من أراضي الجنة كما يَزعمون.

6- يرون أنه لا سَمْع ولا طاعة، إلاَّ لأئمَّتهم المعصومين، وما عداهم، فليسوا ولاة أمرٍ تجب طاعتهم مهما كانت صفتهم.

7- لا يرون شيئًا محرَّمًا، بل الحلال ما حلَّ بأيديهم، ولا حُرمة لدم مسلم ما لَم يكن منتسبًا لمعتقدهم الباطل.

8- يرون أنَّ القرآن الكريم محرَّفٌ؛ لذا لا يوجد منهم أحدٌ يَحفظ القرآن الكريم، ولا جزءًا واحدًا منه، أو يُتقن تلاوته؛ لا من علمائهم، ولا من عوامِّهم.

9- من ركائز معتقدهم: سبُّ صحابة النبي -صلى الله عليه وسلمَ- ورضي َالله عنهم- ويخصُّون أبا بكر الصديق وعمرَ بن الخطاب وأبا هريرة -رضي َالله عنهم- بمزيد من الطَّعن والقَدح، كما يَقذفون أمَّ المؤمنين عائشة -رَضي الله عنها- وهي التي برَّأها الله -تعالى- من فوق سبع سموات، وأنزَل في ذلك قرآنًا يُتلى.

10- أن معتقدهم قائمٌ على الخرافة والتناقض، ومن ذلك أنهم يقومون بكَسْر اليد اليسرى لميِّتهم؛ حتى لا يأخذ كتابه بالشمال كما يَزعمون، وقد جَهِلوا أن الذي يُعيد الجسد كما كان قادرٌ على أن يجعل اليد سويَّة، ويَعتقدون أنَّ الأرواح بعد الموت تتناسَخ؛ أي: ترجع بعد موت الجسد، فتارة تعود الرُّوح إلى جسد خبيثٍ، وتارة تعود إلى جسد طيِّب، كما يَكثر فيهم تعاطي السِّحر والشعوذة.

11- كما يَشتهرون بمخالفة السُّنة في كثيرٍ من الخِصال، فهم جميعًا يُطيلون ثيابهم كثيرًا؛ عالُمهم وجاهلُهم، بل يَعيبون على أهل السُّنة تَرْكَ الإسبال في الثياب، كما يَكثر فيهم الوسواس في الوضوء والصلوات، وربما صلُّوا صلوات كثيرة من باب الاحتياط عن صلاة مَنسيَّة ونحوها، مع أنَّ السُّنة لَم تَرِد بذلك.

ويَكثر الجهل فيهم، وهذا لا يُستغرب، فالعقائد الفاسدة والخُزعبلات إنما تنمو وتَترعرَع في أجواء الجهل وقلة البصيرة، وإلاَّ فإنَّ دينَنا -بحمد الله- دين الفطرة، يَفهمه العالم والعامي، والكبير والصغير، ولا يصادم العقول الصحيحة؛ لذا يرفض أصحاب هذه العقائد الباطلة المناقشة والمجادلة في مُعتقداتهم هذه، والتي لا يَقتنع بها إلا السُّذج والعوام.

أمَّا مَن أعطاه الله -تعالى- البصيرة والعقل، فإنه يرفض هذه الأفكار والمعتقدات، حتى وإن نشَأَ عليها من صِغره.

ولقد اهتدَى كثيرٌ منهم إلى السُّنة بعد أن عرَفوا حقيقة ما عليه أئمَّتهم؛ لذا يَحرص علماؤهم على كِتمان حقيقة معتقدهم حتى عن أتباعهم، ما لَم يبلغوا مرحلة متقدِّمة في العُمر ويَأْمنوهم، ولا يَقبلون المناقشة والمجادلة للوصول إلى الحق؛ يقول أحدُ المعاصرين من هذه الطائفة الإسماعيليَّة: "إنَّ لنا كتبًا لا يقف على قراءتها غيرُنا، ولا يطَّلع على حقائقها سوانا".

إلى غير ذلك من أحوالهم ومعتقداتهم التي تُذكِّر المسلم الموحِّد، بقول الله -تعالى-: {(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)} [فاطر: 8].

وتَجعله يتذكَّر قول المؤمنين إذا دخَلوا الجنة: {(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)} [الأعراف: 43].

الخطبة الثانية:

وبعدُ:

يا عباد الله: هذه لمحات موجزة تَكشف الخطوط العريضة لمعتقد الإسماعيلية الباطنيَّة؛ بيانًا للحق، وكشْفًا عن سُبل ومناهج أهل الضلال، ولنَعلم أنَّ بلادنا وعقيدتنا مُستهدفة من الكثير؛ على تنوُّع أفكارهم، واختلاف عقائدهم، ممن تَضيق صدورهم بعلوِّ أهل السُّنة، واتحاد كلمتهم، ويغيظهم ما عليه بلادنا من الأمن والأمان، ورَفْع راية التوحيد، وقَمْع السحرة والمشعوذين، وكل دجَّال أثيمٍ، والله -سبحانه- خيرُ حافظٍ، وهو أرحم الراحمين.

اللهم يا مقلِّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.