هجر القرآن

منذ يوم

هجر القرآن له جانبان: أحدهما يتعلق بالقرآن دون أخذٍ له، وهذا صنيعُ الكفار والمنافقين، والآخر يتعلق به بعد الإقرار بأنه كلام الله، وهذا صنيعُ بعض المسلمين الذين لا يقرؤون القرآن، أو يقرؤونه لا يجاوز حناجرهم، فلا يعملون به.

لم تذكُر كتبُ المصطلحات هجرَ القرآن مصطلحًا، ويمكن في ضوء ما أوردَته كتبُ اللغة وما ذكره المفسرون أن هجر القرآن له جانبان: أحدهما يتعلق بالقرآن دون أخذٍ له، وهذا صنيعُ الكفار والمنافقين، والآخر يتعلق به بعد الإقرار بأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا مِن خلفه، وهذا صنيعُ بعض المسلمين الذين لا يقرؤون القرآن، أو يقرؤونه لا يجاوز حناجرهم، فلا يعملون به.

 

الآيات والأحاديث الواردة في هجر القرآن:

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُون} [المؤمنون: 64 - 74].

 

قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 30 - 32].

 

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ): «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلْ اللهَ بِهِ، فَإِنهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ الناسَ»[1].

 

عن زيد بن وهب الجهني أَنهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِي الذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِي: أَيهَا الناسُ، إِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ) يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمتِي يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلاَ صَلاَتُكُمْ إِلَى صَلاَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلاَ صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لاَتُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السهْمُ مِنَ الرمِيةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الذِينَ يُصِيبُونَهُمْ، مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِمْ (صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ)، لاَتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَن فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلاَءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللهِ، إِني لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ، فَإِنهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ الناسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا، حَتى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَما الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الراسِبِي، فَقَالَ: لَهُمْ أَلْقُوا الرمَاحَ، وَسُلوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِني أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا فَوَحشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَسَلوا السيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ الناسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ الناسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلاَنِ، فَقَالَ عَلِي: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِي بِنَفْسِهِ حَتى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِما يَلِي الأَرْضَ، فَكَبرَ، ثُم قَالَ: صَدَقَ اللهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السلْمَانِي، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلِلهَ الذِي لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ، لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ)؟ فَقَالَ: إِي، وَاللهِ الذِي لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ، حَتى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاَثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ)[2].

 

لهجر القرآن مظاهر عديدة؛ منها:

1) القول فيه بغير الحق، وهذا صنيع الكفار الذين حُكي عنهم في قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]، قال القرطبي: أي قالوا فيه غير الحق من أنه سحر أو شعرٌ، وقال الطبري: يعني قولهم فيه السيئ من القول، فقالوا غير الحق.

 

2) الإعراض عن القرآن واللغو فيه، وقد ورد هذا المعنى في تفسير الآية السابقة، يقول الطبري: وذلك أن الله أخبر عنهم بأنهم قالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26]، وذلك هجرهم إياه.

 

3) ترك تلاوة القرآن بالكلية، وهذا المعنى قد أورده القرطبي في تفسير الآية الكريمة السابقة عندما ذكر: وقيل معنى مهجورًا: متروكًا، وما جاء عن ابن عباس: الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب.

 

4) نسيان القرآن بعد حفظه، وإلى هذا المعنى أشارت الآية الكريمة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} [طه: 124، 125]، إلى قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 126].

 

5) ترك العمل بالقرآن، ودليل ذلك عن جابر عن النبي (صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ) قال: «القرآنُ شافعٌ مشفَّع، وماحِلٌ مصدق، من جعله أمامَه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار»[3].

 

حكم هجر القرآن:

يختلف حكم هجر القرآن باختلاف نوع الهجر:

1) إن كان الهجر بالإعراض عنه واللغو فيه، فهذا كفرٌ صُراحٌ.

 

2) وإن كان الهجر بمعنى الترك المؤدي إلى النسيان بعد الحفظ، فقد ذكر ابن حجر أنه من الكبائر، وقال: إن ذلك هو ما ذهب إليه الرافعي وغيره، ونقل عن بعض العلماء أن محل كون نسيان القرآن كبيرة عند مَن قال به، مشروط بأن يكون عن تكاسل وتهاون، وهذا احتراز عما لو اشتغل عنه بمرضٍ مانع من القراءة، وعدم التأثيم بالنسيان حينئذ واضح؛ لأنه مغلوب عليه لا اختيار له فيه.

 

3) أما إذا كان الهجر متعلقًا بعدم العمل به، فذلك معصية يتوقَّف كونها كبيرة أو صغيرة على نوع المخالفة ذاتها.

 

4) وأما إذا كان الهجر بمعنى ترك التلاوة، فإن كان يقدِر عليها ولم يفعل، فهو كالبيت الخرب، وإن لم يكن قادرًا، فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، هذا إلا فيما تَصِحُّ به صلاته، فإنه واجب على كل مسلم، ولا يجوز تركه بحالٍ.

 

أنواع هجر القرآن:

أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

 

الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمَن به.

 

الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصِّل العلمَ.

 

الرابع: هجر تدبُّره وتفهُّمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

 

الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاءَ دائه من غيره، ويَهجُر التداوي به، وكلُّ هذا داخلٌ في قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]، وإن كان بعضُ الهجر أهونَ من بعض.

 

السادس: الحرج الذي في الصدور منه، فإنه تارة يكون حرجًا من إنزاله وكونه حقًّا من عند الله، وتارة من جهة المتكلِّم به، أو كونه مخلوقًا من بعض مخلوقاته أَلْهَم غيرَه أن تكلَّم به، وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها، وأنه لا يكفي العباد، بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السياسات، وتارة يكون من جهة دلالته وما أُريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب، أو أُريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة. وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة، فهي ثابتة في نفس الأمر، أو أوهم أنها مُرادة لضرب من المصلحة.

 

من مضار هجر القرآن:

1) إن القلوب إذا لم تُعمَر بالقرآن سكنتها الشياطين.

 

2) هجر القرآن يُضعف الإيمان بالله وسائر المغيبات.

 

3) إن من هجر القرآن تركَ تدبُّره، وتركَ العمل به، وامتثال أوامره واجتناب زواجره.

 

4) الذي يقرأ القرآن ليتكسَّب به الأموال، يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم.

 

5) من قرأ القرآن ليُقال إنه قارئ، وليرائي به الناس، فهو منافقٌ مِن أولِ مَن يُسحب على وجهه في النار يوم القيامة.

 


[1] رواه الترمذي، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن.

[2] رواه مسلم.

[3] رواه ابن حبان، وقال الشيخ الألباني: صحيح.

_____________________________________________________
الكاتب: عفان بن الشيخ صديق السرگتي