البلطجة من منظور إسلامي (خطبة مقترحة)

منذ 2012-02-24

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فالغرض من الخطبة: بيان (حكم البلطجة) في الشريعة الإسلامية، وأنه خير للبلاد والعباد من قوانين البشر

مقدمة الخطبة:
- الإشارة إلى انتشار الجرائم، والتعرض لأمثلة، منها: (قطع الطريق- بيع المخدرات علنًا- السرقات- الخطف).

بلطجة أم حرابة؟
- البلطجة نوع من الحرابة، قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].

تعريف الحرابة:
هي لغة: (مأخوذ من حَرِبَ حَرَبًا) أي. أخذ جميع ماله.
وشرعًا: البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرهاب مكابرة، اعتمادًا على الشوكة، مع البعد عن مسافة الغوث، من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذميًا أو مرتدًا. وتسمى أيضًا: (قطع الطريق).

- الحرابة من الحدود: قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة:229] (فقه السنة 3/214).
- تعريف الحد: وهو عقوبة مقررة في الشرع لصالح الجماعة، وحماية النظام العام (1).
الحدود عدل وحماية للمجتمع، لأنها مـن عند الله العليم الخبير الحكيم، قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]. وقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44].

- جريمة الزنا: قال جل وعلا: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]. لأنه إفساد للأنساب، وتدنيس للأعراض وإلحاق العار.

- جريمة القذف: قال تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]. لأنه اعتداء على الأعراض، وإفساد للأخلاق، وانتشار للريبة في مجتمعات المسلمين.

- جريمة السكْر: قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه الألباني). لأنه إفساد للعقول وارتكاب للحماقة، وذريعة للجريمة.

- جريمة السرقة: قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. لأنه اعتداء على الأموال، وإحزان لأصحابها، وتعريضهم للحاجة.

- جريمة الردة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (رواه البخاري). لأنه انتكاس وإعلان ثورة على دين الله.
- جريمة الحرابة: قال عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]. لأنها تدمر المجتمع، وتنشر الرعب والفساد.

الحرابة جريمة كبرى:
- الحرابة حرب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].

- فائدة جليلة من الآية تدل على عظم جزاء المحاربين: قال القرطبي: "عَبَّرَ بِنَفْسِهِ الْعَزِيزَةِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ، إِكْبَارًا لإِذَايَتِهِمْ، كَمَا عَبَّرَ بِنَفْسِهِ عَنِ الْفُقَرَاءِ الضُّعَفَاءِ فِي قَوْلِهِ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245]. حثًّا على الإعطاف عليهم".

- المحارب ليس له شرف الانتساب إلى الإسلام: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا» (متفق عليه).

- المحارب يحارب تعاليم الإسلام ويهدم مقاصد الشريعة: (النفس، المال، العرض، العقل، الدين) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (رواه مسلم). العقوبة دليل على عظم الجرم: (القتل بالسيف، القتل بالصلب، تقطيع الأيدي والأرجل، السجن والإبعاد).

- ومن أدلة عظم الجرم: اختلاف العلماء في قوله تعالى: {أَوْ} في الآية، هل هي للتخيير أو للتنويع؟

- كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع جريمة الحرابة الوحيدة في زمانه؟
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلامِ فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَلا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» فَقَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَصَحُّوا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا" (متفق عليه). قَالَ أَنَسٌ: "فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدِمُ الأَرْضَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوتَ".


الله أرحم بعباده منكم:
الإشارة إلى عجيب موقف دعاة الحريات المنفلتة من الشريعة، واتهامها بالقسوة!

- قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156]. وقال: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]. وقال عز وجل: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49].

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: "قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟!» قُلْنَا: لا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (متفق عليه).

- رحمتهم مكذوبة، وفطرتهم منكوسة: قال الرحيم سبحانه وتعالى في الزناة: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور: 2]. فكيف بمن تعدى ضرره إلى المجتمع كله بالترويع والإفساد؟! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (متفق عليه).

- أين رحمتهم بالمجني عليه؟! أين رحمتهم بالمجتمع؟! إنها طريقة أسوأ من طريقة اليهود: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟!» (متفق عليه، وهو جزء من الحديث السابق).

مثال لجريمة شنعاء حول هذا المعنى (2).

الحدود جزء من الشريعة:
الحدود من المداخل الشيطانية على كثير ممن تربوا على أعين المستشرقين الغربيين، والمستغربين من أبناء الشرق، فيخدعون بها شبابنا، لرفض الإسلام وشريعة الإسلام.

وجوانب الشريعة كثيرة، وليست محصورة في الحدود:
1- العبادات: من صلاة وصيام، وحج وزكاة، وغير ذلك..
2- الأخلاق والآداب: من صدق ووفاء وأمانة، وغير ذلك..
3- المعاملات المدنية: من بيع وشراء، وإقراض واقتراض، وغير ذلك..

4- الروابط الأسرية: من زواج وطلاق، وإنفاق وحضانة، وغير ذلك..
5- العلاقات الدولية: من معاهدات واتفاقات، وسلم وحرب، وغير ذلك..
6- العقوبات الجنائية: من قصاص، وحدود، وتعزيرات..

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 209] وقال عز وجل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85].

عود على بدء: علاج (البلطجة، وغيرها..) بالعودة إلى أحكام الإسلام، وقانون الإسلام: ({وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].


سعيد محمود

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والحد في اللغة: الشيء الحاجز بين شيئين، وسميت عقوبات المعاصي حدودًا، لأنها -في الغالب- تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية.

(2) تحت عنوان: (السجن مدى الحياة لثلاثة بريطانيين مزقوا ضحيتهم إلى شرائح): استدرج رجال ثلاثة ضحيتهم إلى منزل أحدهم لسرقته، وبعد ضربه على رأسه بمدية، قطعوا الجسد إلى شرائح باستخدام سكين كهربائي يعين على تمزيق اللحم، بينما كان المسكين لا يزال حيًّا! ثم نثروا اللحم الممزوع في منطقة قريبة لإلقاء القمامة، وتنبه الجيران عندما رأوا دماء الضحية تنساب من أبواب المنزل، كما أبلغت سيدة الشرطة أن القتلة دعوها إلى تناول بعض اللحم الطازج! وظلت محاكمة القتلة شهرين، وقد تأجلت في إحدى الجلسات عندما شعر المحلفون بالغثيان بعد أن رأوا الصور الملتقطة للأشلاء التي كانت سابقًا رجلاً يحيا لنفسه وأهله. فبماذا جوزي المجرمون؟! بالسجن.. يأكلون ويسكرون ما بقوا أحياء! إن قتل هؤلاء قصاصًا في الإسلام عيب يوصم به، ويصد عن الدخول فيه! (نقلاً عن سماحة الإسلام الشيخ عمـر بن عبد العزيز القرشي ص: 263).