حكم الاستدلال بالقرآن الكريم بما لم يَرِد عن السلف الصالح
سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: (لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيه رجلٌ مسلمٌ) رواه البخاري في صحيحه (111)
أنزل الله سبحانه كتابه العظيم لنتذكر به ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، كما قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص: 29]، والقرآن الكريم كتابٌ مجيد، كثيرُ المعاني والوجوه، كثيرُ الخير والبركات، وصفه الله بأنه مجيد، والمجد: سعة الأوصاف وعظمتها، فقد احتوى القرآن الحكيم على ما يحتاجه الأولون والآخرون، فكل ما نحتاج إليه في ديننا ودنيانا بينه الله في القرآن العظيم نصًّا أو دَلالة أو استنباطًا، علِمَه مَنْ عَلِمه، وجَهِله مَنْ جَهِله، ومِنْ عظمة القرآن أنه لا تنقضي عجائبه، وأنه يهدي للتي هي أقوم في كل زمان ومكان، وفي جميع الأمور والأحوال، ولم يزل العلماء يستنبطون من القرآن الكريم الهدايات القرآنية الظاهرة والخفية، ويستدلون بالآيات القرآنية على كثير من مسائل العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والرد على المخالف وغير ذلك.
سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: (لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيه رجلٌ مسلمٌ) رواه البخاري في صحيحه (111)، قال القسطلَّاني في إرشاد الساري (1/204): "يُفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين إذا وافق أصولَ الشريعة".
ومن تدبَّر آيات القرآن العظيم تبين له كل ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، قال الإمام الشافعي في كتابه الرسالة (ص: 19): "ليست تنزِل بأحد من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها".
وقال الموزعي في تيسير البيان لأحكام القرآن (2/ 229): "لم يزل العلماء يبدون من التأويلات التي يحتملها الخطاب في المآل بضرب من النظر والاستدلال ما لا تُحصى كثرته على تعاقب الدهور والأعصار، ولا حَجْر إلا في التفسير المنصوص الذي بيَّن الشارع صلى الله عليه وسلم مراد الله جل جلاله".
وقال الشوكاني في أدب الطلب (ص: 148): "المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثيرة العدد، يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده، وقدر ملَكَته في العلوم".
ويجوز الاستنباط من القرآن العظيم بشرطين اثنين، هما:
الشرط الأول: أن يحتمل المعنى المستنبَط ظاهر لفظ القرآن الكريم، بما يوافق قواعد اللغة العربية في الإفراد والتركيب.
الشرط الثاني: أن لا يخالف المعنى المستنبَط صريح القرآن الكريم أو ما صح من السنة النبوية، فإنَّ القرآن الكريم حقٌ يصدق بعضه بعضًا، والسنة الصحيحة حق توافق القرآن ولا تخالفه، فمن استنبط ما يخالف ما قرره القرآن الكريم أو السنة الصحيحة فإنه استنباط خاطئ يقينًا لا يُقبل بحال.
ومن أتى باستنباط جديد يحتمله لفظ القرآن ولا يخالف ما قرره القرآن أو السنة الثابتة فإنه معنى صحيح، يُقبَل منه؛ لأن القرآن الكريم حمَّال أوجه، وهذا من عظمة القرآن، روى عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (21397) وابن أبي شيبة في مصنفه (30163) عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: (لاَ تَفْقَهُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً).
قال ابن الحاج في كتابه المدخل (1/75): "عجائب القرآن والحديث لا تنقضي إلى يوم القيامة، كل قرن لا بد له أن يأخذ منه فوائد جمة خصه الله بها، وضمها إليه؛ لتكون بركة هذه الأمة مستمرة إلى قيام الساعة".
واعلم أن كل عالم من السلف لم يدوِّن طلابه جميع أقواله ومروياته في العلم، ولم يحدِّث كلُّ صحابي وتابعي بجميع ما يعلمه من تفسير القرآن الكريم، ويدل على هذا أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (والله الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أُنزِلت، ولا أُنزِلت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أُنزِلت) رواه البخاري (5002) ومسلم (2463)، ومع هذا نجد آيات كثيرة في كتاب الله لم تُنقل فيها رواية عن ابن مسعود، وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها) رواه ابن أبي شيبه في مصنفه (30287) وابن جرير في تفسيره (1/ 85) والطبراني في المعجم الكبير (11097)، ومع هذا نجد آيات كثيرة ليس فيها أي رواية في تفسيرها عن ابن عباس ولا عن تلميذه مجاهد، فالعلم بحر واسع، وليس كلُّ العلم الذي في صدر العالم مدوَّنًا، فلو هُيئ أن سأل بعض التابعين أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليًا أو ابن مسعود أو أبي بن كعب رضي الله عنهم عن تفسير جميع آيات القرآن لوجد عندهم علمًا واسعًا، وفي صحيح البخاري (4913) ومسلم (1479) أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين منِ اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك! قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبَّرتُك به، فلو لم يسأل ابن عباس عمر لما علمنا بجوابه، ولو سأل عن ذلك أبا بكر أو عثمان أو عليًا لأجابه، فالعلم خزائن مفاتيحها السؤال.
ونجد كثيرًا من الأحاديث لم يُحدِّث بها الرواة إلا حين سُئلوا، وهذا ظاهر لكل من يقرأ في كتب الحديث، كحديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه في صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديث طويل جدًّا رواه مسلم في صحيحه (1218)، وسبب تحديثه أن تلميذه محمد بن علي بن الحسين سأله أن يخبره عن حجة النبي عليه الصلاة والسلام فأجابه جابر بذلك الحديث الطويل الذي وصف فيه حجة النبي عليه الصلاة والسلام بالتفصيل، فليس كل صحابي حدَّث بجميع ما سمع من العلم، فمثلًا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر والهجرة، وهو أعلم الناس بحديثه، ولم يُرو عنه من الحديث إلا القليل لتقدم وفاته، فقد عاش بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام سنتين، وعدد أحاديثه في مسند أحمد بن حنبل (81) حديثًا.
وهكذا لا نجد لفقهاء التابعين كلامًا في جميع المسائل الفقهية، مع ضرورة أن لهم علمًا في كثيرٍ منها، فليس كل عالم يتكلم بجميع علمه، وما تكلَّم فيه من العلم فليس كله منقولًا إلينا، فمثلًا سيد التابعين، وأفقه أهل المدينة سعيد بن المسيب رحمه الله نجد أن المحفوظ من أقواله وفتاواه في الفقه أقل من المحفوظ عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، فهؤلاء الأئمة الأربعة دوَّن طلابهم كثيرًا من أقوالهم وفتاواهم، وتجد تفصيل ذلك في كتابي: (قصة نشأة المذاهب الفقهية)، وليس كل علم الأئمة الأربعة الفقهاء مكتوبًا مدوَّنًا، وإن كان المحفوظ عنهم كثيرًا جدًا، فكم من مسألة في الفقه لا يجد الفقهاء المتأخرون نصًا من كلام الأئمة الأربعة فيها، مع أنهم لو سئلوا عنها لتكلموا فيها، فكلُّ عالم من الأئمة الأربعة وغيرهم لم يُدوَّن علمُه كلُّه، ولم يحدثوا الناس بكل ما يعلمونه من تفسير الآيات وهداياتها، وشرح الأحاديث ودلالاتها.
والأصل في رواة الحديث أنهم يحرصون على أن يُحدِّثوا بجميع الأحاديث التي سمعوها وكتبوها نشرًا للعلم، بحسب ما يتيسر لهم، ولم يُحدِّث كل عالم واسع الرواية بكل ما كتب وسمع من الروايات الكثيرة، فمثلًا الإمام البخاري رحمه الله أخبر عن نفسه أنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث ضعيف، ولا نجد هذا العدد الكبير فيما بين أيدينا من كتبه، وهذا يؤكد أنه ليس كل عالم كتب أو روى كل علمه فضلًا عن علم غيره، وليس كل عالم دوَّن طلابه جميع علمه، وإن كان في المنقول منها كفاية بحمد الله، فمثلًا شيخ المفسرين والمؤرخين الإمام محمد بن جرير الطبري كان يريد أن يؤلِّف كتابيه في التفسير والتاريخ كل كتاب منهما في نحو ثلاثين ألف ورقة، فرغب طلابه في اختصارهما، فقال: إنا لله! ماتت الهمم، واختصر كلًا منهما في نحو ثلاثة آلف ورقة، يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (14/ 274، 275)، وهكذا الحافظان الكبيران أبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله، علمهما بالحديث وعِلَله علمٌ عظيمٌ معروف عند أهل الحديث، والموجود بين أيدينا من علمهما قليل بالنسبة إلى سعة علمهما، وغالبه ما سألهما عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم ودوَّنه في كتابه (عِلَل الحديث)، وهو مطبوع في ستة مجلدات، فقد سألهما أو نقل عنهما ٢٨٤٠ سؤالًا أو فائدة فقط، ولأبي حاتم الرازي كتاب الزهد فيه مائة رواية فقط، وسأل البَرْذَعي أبا زُرعة الرازي وأبا حاتم الرازي أكثر مِن ألف سؤال دوَّنها عنهما في كتابه (سؤالات البرذعي)، ولو زاد السائل من الأسئلة لزاده العالم من الفوائد، وكثيرٌ من كبار المفسرين المتدبرين من الصحابة والتابعين، وحفَّاظ الحديث المتقنين لم يؤلِّفوا شيئًا، وماتوا وفي صدورهم علم عظيم، مثل أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج، وتلميذه أمير المؤمنين في الحديث يحيى بن سعيد القطان، فقد نشرا من علمهما ما استطاعا وتيسَّر لهما، ولكن لا نستطيع أن نقول: إن جميع علمهما في الحديث وعِلَله مدوَّنٌ مكتوب، فكم من حديثٍ يختلف المحدثون في صحته أو ضعفه، ولو سألنا عنه شعبة أو يحيى القطان لوجدنا عندهما منه علمًا، تصحيحًا أو تضعيفًا.
والحمد لله ففي الكتب المسنَدة عن المتقدمين فوائد كثيرةٌ وعظيمةٌ جدًا، فعلى طالب العلم أن يحرص عليها، لكن لا يظن أن جميع ما في صدور العلماء من العلم النافع مدوَّن، ومن الخطأ أن يقال: ما ترك المتقدم للمتأخر شيئًا.
العلم بحر منتهاه يبعد ... ليس له حدٌ إليه يُقصَد
فيا طالب العلم، لا تسارع إلى من فتح الله عليه بفائدة في التفسير أو شرح الحديث أو عِلِل الحديث فتقول له: مَنْ سبَقَك بهذا؟!
نعم، إن كان قوله مخالفًا للقرآن أو السنة أو الإجماع أو أصول الشريعة فلا عبرة بقوله المحدَث، قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (21/ 291): "كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم؛ فإنه يكون خطأ كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"، أما إن كان قوله مبنيًّا على قواعد العلم الذي تكلم فيه، وهو متبِّعٌ لمنهج العلماء في الاستدلال والاستنباط، فلا حرج عليه، وما يدريك لعل بعض العلماء السابقين يقول بقوله، أو قد يوافقه على قوله لو عُرِض عليه؟! فليس كلُّ عالم منقولةً أقواله كما تقدم.
والعلم رزقٌ يرزقه الله جل جلاله من يشاء من عباده، وهو سبحانه يبثه بين عباده كيف يشاء، فيبسطه لمن يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وهو سبحانه الكريم الوهاب الفتاح، قد يهب الصغار ما لا يهبه الكبار، وقد يفتح على بعض المتأخرين بما لم يفتحه على المتقدمين، روى عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (20946) عن معمر عن الزهري قال: كان مجلس عمر مغتصًّا من القراء شبابًا كانوا أو كهولًا، فربما استشارهم فيقول: (لا يمنع أحدًا منكم حداثةُ سنه أن يُشير برأيه، فإنَّ العلم ليس على حداثة السن ولا قِدَمه، ولكنَّ الله يضعه حيث شاء).
وقد أخبر الله في كتابه أنه فهَّم سليمان مسألة لم يفهمها داود عليهما الصلاة والسلام، مع كونه نبيًّا ملِكًا قد علَّمه الله مما يشاء، فقال سبحانه: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78، 79]، فهذان نبيان كريمان حكما في حكومة واحدة فخص الله سليمان بفهمها مع صغره، ومع وجود أبيه داود عليهما الصلاة والسلام.
قال ابن مالك النحوي في مقدّمة كتابه تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: "وإذا كانت العلومُ مِنَحًا إلهية، ومواهبَ اختصاصيةً فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف".
وعلَّق المرتضى الزَّبيديُّ على كلام ابن مالك فقال: "والمعنى أن تَقدُّم الزمان وتأخُّرَه ليست له فضيلةٌ في نفسه؛ لأن الأزمانَ كلَّها متساويةٌ، وإنما المعتَبر الرجالُ الموجودون في تلك الأزمان، فالمصيبُ في رأيه ونقلِه ونقدِه لا يضرُّه تأخُّرُ زمانِه الذي أظهره اللهُ فيه، والمخطئ الفاسدُ الرأيِ الفاسدُ الفهمِ لا ينفعه تقدُّم زمانِه، وإنما المُعاصرة كما قيل: حِجابٌ، والتقليد المـَحْضُ وبالٌ على صاحبه وعذاب، وأنشدنا شيخنا الأديب عبد الله بن سلامة المؤذن:
قُلْ لمَن لا يرى المُعاصِرَ شيئًا ... ويرى للأوائل التَّقْديما
إنَّ ذاك القديمَ كانَ حديثًا ... وسَيُسمَّى هذا الحديثُ قَديمًا".
وقال حاجي خليفة في مقدِّمة كشف الظنون: "واعلم أن نتائجَ الأفكار لا تقف عند حدٍّ، وتصرُّفاتِ الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظٌّ يُحْرزه في وقته المقدَّر له، وليس لأحدٍ أن يزاحمه فيه؛ لأن العالَم المعنوي واسعٌ كالبحر الزاخر، والفيضَ الإلهي ليس له انقطاعٌ ولا آخِر، والعلومُ منحٌ إلهية ومواهبُ صَمَدانية، فغير مستبعد أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما لم يُدَّخر لكثير من المتقدِّمين، فلا تغترَّ بقول القائل: ما ترك الأول للآخِر، بل القول الصحيح الظاهر: كم ترك الأول للآخِر! فإنما يُستجَاد الشيء ويُسترذَل لجَوْدته ورداءته، لا لقِدَمه وحدوثه. ويقال: ليس بكلمةٍ أضرَّ بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئًا؛ لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأولُ من الظواهر، وهو خطر عظيم، وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها" .
ولا يعني هذا أن يخالف المتأخر الإجماع، أو يتكلم في العلم بالهوى والظنون والأوهام، فإن هذا ضلال مبين، وجهل عظيم، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وإنما المراد أن العالِم المتأخِّر قد يفتح الله عليه بأشياء من العلم فاتت كثيرٌ من المتقدمين، فيستنبط من القرآن الكريم والسنة الصحيحة ما لم يستنبطه مَنْ قبلَه، أو يظهر له دليلٌ لم يستدل به مَن قبلَه، أو يظهر له ضعفُ قولٍ راجَ على كثيرٍ ممن قبلَه، ونحو ذلك مما لا يخالف النصوص، ولا الإجماع الصحيح، مع الاعتراف بفضل علم السلف على علم الخلف، وللحافظ ابن رجب في تقرير ذلك رسالة نافعة معروفة بعنوان: (فضل علم السلف على علم الخلف).
وما أحسن ما قاله الشيخ بكر أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم (ص: 174): "احذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخِر، وصوابه: كم ترك الأول للآخر! فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: كم ترك الأول للآخِر!".
وقد تكلم علماء أصول الفقه على مسألة إحداث دليل لم يستدل به السابقون، ونص أكثرهم على جوازه، وهو المشهور عند أتباع المذاهب الأربعة المشهورة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ورجحه غير واحد من المعاصرين.
قال الجيزاني في معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (ص: 175): "إحداث دليل لم يستدل به السابقون جائز؛ لأنَّ الاطلاع على جميع الأدلة ليس شرطًا في معرفة الحق، إذ يُمكن معرفة الحق بدليل واحد، وليس في إحداث دليل جديد نسبة الأمة إلى تضييع الحق". ويُنظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 273)، الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب للبابرتي الحنفي (1/ 578، 579)، أصول الفقه لابن مفلح الحنبلي (2/ 443)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول للرهوني المالكي (2/ 281، 282)، البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (6/ 514)، التحبير شرح التحرير للمرداوي (4/ 1648)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير للفتوحي الحنبلي (2/ 269، 270)، تيسير التحرير لأمير باد شاه الحنفي (3/ 253)، إجابة السائل شرح بغية الآمل لابن الأمير الصنعاني (ص: 160، 161)، المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم النملة (2/ 928، 929).
وقال عبد الكريم النملة في الجامع لمسائل أصول الفقه على المذهب الراجح (ص: 326 - 328): "إذا اختلف الصحابة على قولين فإنه لا يجوز إحداث قول ثالث إن لزِم منه رفع ما اتفقا عليه، وإن لم يلزم منه ذلك فإنه يجوز إحداث قول ثالث ويُعمل به. وإذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا تأويلًا، فيجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر بشرط: أن لا يلزم من هذا الدليل أو التأويل القدحُ فيما أجمعوا عليه. ويجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق علماء الأمة على عدم العلم به بشرط: أن يكون عمل علماء الأمة موافقًا لمقتضى ذلك الخبر أو الدليل؛ لأن علماء الأمة غيرُ مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فاتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون خطأ؛ لأن عدم العلم ليس مِن فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك الدليل أو الخبر ليُعلم. أما إن كان عمل علماء الأمة على خلاف الخبر أو الدليل، فهذا محال بالاتفاق؛ لأنه يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ" انتهى باختصار وتصرف يسير. ويُنظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 268 - 270)، الإبهاج في شرح المنهاج لابن السبكي (2/ 369)، التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام لابن أمير حاج الحنفي (3/ 106)، إجابة السائل شرح بغية الآمل لابن الأمير الصنعاني (ص: 159، 160)، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني (1/ 229)ِ، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/ 233، 234)، مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (ص: 185، 186).
وهذه ثلاثة نماذج لمعان واستنباطات صحيحة ذكرها بعض المتدبرين من المتأخرين والمعاصرين ولا نعلم ورودها عن السلف الصالح:
- قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6]، ذكر المفسرون السابقون أن الإنزال هنا بمعنى الخلق، ورجح ابن تيمية معنى آخر فقال كما في مجموع الفتاوى (12/ 254): "ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة؛ فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها، ومن أصلاب آبائها تأتي بطون أمهاتها"، وقال ابن القيم كما في مختصر الصواعق (ص: 442): "وأما قوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] فإن الأنعام تُخلَق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يُقال: أنزل ولم يُنزل، ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها بالوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتُلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل"، فلا يصح أن نردَّ كلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله في تفسير هذه الآية؛ لكوننا لا نعلم أن أحدًا من المتقدمين سبقهما إلى هذا التفسير الظاهر.
- من أدلة عذاب القبر قوله تعالى عن أصحاب الأخدود: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 10]، فقد أخبرنا الله في هذه الآية أن أصحاب الأخدود الذين حرَّقوا المؤمنين والمؤمنات لهم عذابان وليس عذابًا واحدًا، فعذاب جهنم في الآخرة، وعذاب الحريق في قبورهم، وقدَّم ذكر عذاب جهنم لأنه أعظم وأدوم، وقد فتح الله عليَّ بهذا الدليل، وذكرته في رسالتي: (12 دليلًا من القرآن الكريم على إثبات عذاب القبر ونعيمه)، ثم رأيت ابن عاشور رحمه الله ذكره في تفسيره التحرير والتنوير (30/ 247)، والحمد لله على توفيقه.
- من أدلة عذاب القبر أيضًا قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15]، ذكر هذا الدليل الفخرُ الرازي رحمه الله في تفسيره الكبير (21/ 518) فقال: "أي: أمانٌ من الله يوم وُلِد مِن أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم: {ويوم يموت} أي: وأمان عليه من عذاب القبر، {ويوم يُبعث حيًّا} أي: ومن عذاب القيامة".
واعلم أنه لا تعارض بين الأمر بتدبر القرآن والاستنباط منه وبين وجوب فهم القرآن كما فهمه السلف الصالح، فالقرآن كلام الله أنزله بالحق، {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:13، 14]، {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41-42 ]، ولكلام الله معنى يريده الله، ويُعرف مراد الله بما بيَّنه هو في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو بيَّنه أصحاب رسوله الذين هم أعلم الناس بالقرآن؛ لأنهم عاصروا التنزيل، وعرفوا أسباب النزول، والقرآن الكريم نزل بلغتهم العربية، فتفسيرهم وتفسير تابعيهم الذين أخذوا العلم عنهم مقدَّم على تفسير غيرهم.
وقد وصف الله أصحاب نبيه بأنهم أهل العلم، قال الله سبحانه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، وقال عن المنافقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16]، وكيف لا يكون أصحاب النبي كذلك ومعلمهم النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم؟!
وقد أمرنا الله في كتابه الكريم بأن نؤمن كإيمانهم، وأن نقتدي بهم، فقال الله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة:137]، فأخبرنا الله بأن مَنْ آمن بمثل ما آمَنَ به الصحابةُ فقد اهتدى، وقال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100]، وأخبر الله عن المنافقين أنهم يصفون الصحابة بسفاهة الرأي ويحتقرونهم، قال الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/ 182): "يعنون - لعنهم الله - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟!".
وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (4/117): "لا ريب أن أقوال الصحابة في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، ... فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لهم معاني القرآن وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فبين لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه، فأوضحه له" انتهى باختصار.
فعِلمُ السلف هو الأصل الذي يجب التأسيس عليه، لكن لا يصح أن نظن أن جميع علم السلف قد دُوِّن في الكتب، لا سيما ما يتعلق باستنباط الفوائد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال الجديع في كتابه المقدمات الأساسية في علوم القرآن (ص: 313): "في الوقت الّذي نؤكّد فيه على ذم التقليد، وندعو إلى التجديد والرجوع إلى منابع هذا الدِّين الصافية، نقوم على أسس مستقرّة في الأعماق لا نخشى معها زلزلة العواصف، بخلاف من يُقدِم على تفسير القرآن وهو يبذر في تربة سبخة، ويسقي بماء ملح، كشرذمة لا يكاد يخلو منهم زمان بعد خير القرون، يريدون الإبداع - زعموا- دون تاريخ، ويدَّعون التَّجديد دون قديم، ولا يُبدِع من لا تاريخ له، ولا يُجدِّد من لا أصل له".
وكل من يطَّلِع على كتب التفسير ويقارن بينها يجد أن الله سبحانه يفتح على كثير من المفسرين المتأخرين والمعاصرين بما لم يذكره المفسرون المتقدمون، قال ابن عاشور في مقدمة تفسيره التحرير والتنوير (1/ 32، 33): "الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدو ما هو مأثور فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر، ... وإن أرادوا بالمأثور ما كان مرويًّا قبل تدوين التفاسير الأول مثل ما يروى عن أصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود، فقد أخذوا يفتحون الباب من شقه، ويقربون ما بعد من الشقة، إذ لا محيص لهم من الاعتراف بأن التابعين قالوا أقوالًا في معاني القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد، وقد اختلفت أقوالهم في معاني آيات كثيرة اختلافًا ينبىء إنباءً واضحًا بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم كما يعلمه من له علم بأقوالهم، وهي ثابتة في تفسير الطبري ونظرائه، ... فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين، والزَّجاج والرُّمَّاني ممن بعدهم، ثم الذين سلكوا طريقهم مثل الزمخشري وابن عطية".
قلت: ومنهم أيضًا ابن تيمية، فله استنباطات وفوائد كثيرة لم يُسبَق إليها كما هو ظاهر لمن يقرأ في كلامه في التفسير، قال الداوودي في طبقات المفسرين (1/ 48): "قال الذهبي في معجم شيوخه: برع ابن تيمية في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، واستنبط منه أشياء لم يُسبَق إليها".
وكلَّ عالمٍ ومفسرٍ يُؤخذ من قوله ويُترك، فمن استنبط ما لا يحتمله لفظ الآية، أو ما يخالف الأدلة الشرعية، فقوله مردودٌ سواء كان من أهل السنة أو من أهل البدعة، ومن استنبط استنباطًا يحتمله لفظ الآية بلا تكلف، ولا يخالف القرآن الكريم والسنة الصحيحة فهو معنى مقبول وإن كان الذي استنبطه مبتدِعًا كالزمخشري المعتزلي عفا الله عنا وعنه.
وما أكثرَ الاستنباطات الصحيحة والفوائد القرآنية اللطيفة في بعض كتب المفسرين المتأخرين والمعاصرين! ومنهم المستقل والمستكثر، فالقرآن الكريم أعظم من أن يحيط بجميع معانيه عالِمٌ ومفسِّرٌ واحد أو علماء زمن معين، فإن القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل زمان ومكان، كما قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9 ] أي: لأحسن الخصال في كل شيء، سواء للأفراد والأسر والمجتمعات والدول، وقال الله سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89].
وبهذا يُعلم أنه لا تعارض بين الأمر بتدبر القرآن الكريم وبين وجوب فهمه كما فهمه السلف، بل لا يستطيع الإنسان تدبر كثير من آيات القرآن حتى يرجع إلى كتب التفسير ليفهم المعنى المراد، وبعد فهم المعنى المراد يتم التدبر، وقد يفتح الله لبعض العباد وجوها من الاستنباط، قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة (ص:19): "فكل ما أَنزل في كتابه - جل ثناؤه - رحمة وحجة، عَلِمه من علمه، وجهله من جهله، لا يعلم من جهله، ولا يجهل من علمه. والناس في العلم طبقات، موقعُهم من العلم بقدْر درجاتهم في العلم به. فحقَّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدِهم في الاستكثار من علمه، والصبرُ على كل عارض دون طَلَبِه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خيرٌ إلا بعونه. فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًا واستدلالًا، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة".
فالقرآن الكريم كتاب هداية وتشريع وحُكْم، يهدي المؤمنين المتدبرين له في كل زمان إلى أحسن الخصال في العقائد والعبادات والمعاملات، وفي المُلك والحُكم والسياسة والأخلاق، وفي سائر الأمور والأحوال، وهو يحكم بين الناس فيما فيه يختلفون في كل الأمور، ولا يزال العلماء عبر القرون يستنبطون من القرآن العظيم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وما يصلح جميع أمورهم، ويحل جميع مشاكلهم، والحمد لله رب العالمين.
محمد بن علي بن جميل المطري
دكتوراه في الدراسات الإسلامية وإمام وخطيب في صنعاء اليمن
- التصنيف: