ضربة إيران المحتملة

منذ 4 ساعات

هل تمثّل الضربة الأمريكية المحدودة ضد إيران تصعيدًا عسكريًا فعليًا، أم أداة ضغط سياسية محسوبة تهدف لإدارة الصراع، ودعم الاحتجاجات، واستنزاف النظام تدريجيًا دون منحه فرصة تحويل الأزمة إلى حربٍ وجودية؟

يتداول الإعلام منذ أيام عدة التصعيد الأمريكي تجاه إيران، لا سيما بعد اشتداد الاحتجاجات وانقطاع الانترنت عن البلد، وتباينت قراءة المشهد بين ضربة قريبة جداً وبين تهديدات ترامب المتسارعة بدون تنفيذ، ونحن هنا في قراءة هادئة للحديث المتداول عن "الضربة المحتملة" حيث تبدو المسألة أبعد ما تكون عن انفعالٍ عسكري أو رغبةٍ في قلب الطاولة دفعةً واحدة، فنحن أمام منطقٍ محسوب تتحرك فيه القوة لا بوصفها أداة تدمير شامل بل كرسالة سياسية دقيقة مرسومة الحدود ومضبوطة الإيقاع ومحمّلة بدلالات تفاوضية أكثر من كونها تقويضية.

وحين يُقال إن الضربة ستكون صغيرة ومحدودة وسريعة فإن هذا الوصف لا يأتي من فراغ، بل من فهم طبيعة الهدف الأمريكي في هذه المرحلة، فالغاية حتى اللحظة لا تتصل بإسقاط النظام من جذوره ولا بتفكيك مؤسساته أو تدمير بناه التحتية أو إزاحة شخوصه الأساسية، ولو كان هذا هو المقصود لكان المشهد مختلفًا تمامًا ولانتقلنا إلى نمط آخر من الحروب لا تُدار بهذه اللغة ولا بهذه الأدوات والحقيقة أن ما يجري أقرب إلى الضغط السياسي لا إلى الحرب.

حتى الضربة – أن حدثت – ستكون في جوهرها رسالة موجهة للداخل أولًا، للشارع المحتج، مفادها أن من يقتل المتظاهرين لن يكون بمنأى عن العقاب، فهي محاولة لرفع المعنويات وإعادة الثقة وبث شعور بأن هناك من يراقب ويمتلك القدرة على الفعل، ويمكن قراءة البعد الشخصي في خطاب ترامب الذي يحرص دائمًا على الظهور بمظهر "رجل الأفعال" لا رجل البيانات فهو لا يريد أن يُتهم بالاكتفاء بالتغريد بل بإيصال فكرة مفادها: اليد التي تضربكم نعرفها ونستطيع الوصول إليها.

لكن في الوقت ذاته لا يوجد أي اندفاع لجعل الضربة أكبر من اللازم أو أوسع مما تحتمل اللحظة، فالولايات المتحدة تدرك أن أي توسع غير محسوب سيُخرج المشهد عن السيطرة وسيستفز ردًا إيرانيًا قد يفتح أبواب حرب إقليمية لا يريدها أحد الآن، لأن الحروب الكبرى لها توقيتاتها المختلفة وسياقاتها المعقدة وظروفها التي لم تنضج بعد في المشهد الايراني وأما الآن فالمطلوب إبقاء النار تحت السقف لا كسر السقف.

ومن هنا لا يبدو مستبعدًا أن تكون طهران قد تلقت أو ستتلقى إشارات مسبقة حول طبيعة الضربة وربما حتى مواقعها وتوقيتها، وهذا لا يعني قبولًا أو رضًا لكنه جزء من قواعد الاشتباك غير المعلنة مع الولايات المتحدة، ولذا واشنطن بحكم خبرتها الطويلة تسعى دائمًا إلى توقع رد الفعل الإيراني وضبطه قدر الإمكان وتسعى لتحويله من انفجارٍ غير محسوب إلى رد يمكن احتواؤه وإدارته.

بل إن السيناريو الأرجح أن يأتي الرد الإيراني هو الآخر ضمن السياق نفسه: رد محسوب برسائل مسبقة وبضربة يمكن تسويقها داخليًا على أنها "ثأر للسيادة" دون أن تجر البلاد والمنطقة إلى حافة الهاوية وإدارة الصراع هنا لا تقوم على المفاجأة الصادمة بل على تبادل الإشارات المدروسة حيث يعرف كل طرف حدوده ويختبر أعصاب الطرف الآخر دون أن يقطع الخيط.
والأهم من ذلك كله أن واشنطن لا تريد – في هذه المرحلة – أن تمنح النظام فرصة ذهبية لإعادة صياغة سرديته الداخلية والخارجية، وذا تكون الضربة الكبيرة الواسعة القاصمة قد تحوّل النظام في لحظة من سلطة تُتهم بقتل المحتجين وقمع الشارع إلى دولة "تتعرض لعدوان خارجي" يهدد كيانها وشعبها وثرواتها، وعندها سيجد النظام مادة دعائية جاهزة وسينقل الصراع من ساحة الاحتجاج إلى ساحة "الدفاع عن الوطن" وهي ساحة يجيد اللعب فيها.
لذلك فإن الضربة الصغيرة المضبوطة المسيطر عليها تبقى – من وجهة النظر الأمريكية – الخيار الأذكى، فهي تُبقي التظاهرات حيّة وتُبقي الضغط الداخلي قائمًا ولا تسمح للنظام بأن يقلب الطاولة أخلاقيًا وسياسيًا، أما الضربة التقويضية الكبرى في هذا التوقيت فقد تأتي بنتائج عكسية وتُشعر شريحة من المحتجين بأن استمرارهم في الشارع قد يُفسَّر على أنه خدمة لمشروع تدخل خارجي وهو ما يدفعهم إلى الانكفاء ويمنح النظام سردية أقوى وأوسع قبولًا.

كل ذلك يجري لأن الولايات المتحدة وصلت منذ زمن إلى قناعة راسخة أن هذا النوع من الأنظمة لا يسقط بضربة خارجية واحدة ولا بتظاهرات داخلية وحدها ولا بعقوبات اقتصادية فقط، لكن السقوط – إن حصل – يكون نتيجة تراكم الضغوط لا نتيجة مسار منفرد.

ولهذا تعمل واشنطن على رفع مستوى الضغط في المسارات الثلاثة معًا: (خنق اقتصادي متدرج، احتجاجات داخلية طويلة النفس، وتهديد عسكري خارجي حقيقي) دون أن يتحول إلى حرب شاملة، وحين تلتقي هذه المسارات في لحظة واحدة عندها يصل النظام إلى مرحلة الاختناق الكامل، حيث تتآكل قدرته على المناورة ويبدأ التصدع من الداخل.

في هذه اللحظة فقط يصبح السؤال عن "الضربة الكبيرة الشاملة" التي تستهدف سقوط النظام سؤالًا في وقته، أما الآن فالضربة الصغيرة المحدودة السريعة ليست ضعفًا، بل اختيارًا واعيًا يعزز فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع ولحسابات الربح والخسارة وللفارق الكبير بين استعراض القوة واستخدامها بذكاء في المكان والوقت المناسب. 

_____________________________________________
الكاتب: د. سعد الحلبوسي