حين فرك الشيطان يديه فرحًا

منذ 4 ساعات

فإن في ترصد الشيطان للإنسان عجائب، تراه يغريه بشعاب من التزيين، يطّلع عليه حينًا بالشهوة، وحينًا بالشبهة، وثالثة يلِج عليه من طريق الحق والسنة والغيرة الدينية!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن في ترصد الشيطان للإنسان عجائب
تراه يغريه بشعاب من التزيين، يطّلع عليه حينًا بالشهوة، وحينًا بالشبهة، وثالثة يلِج عليه من طريق الحق والسنة والغيرة الدينية!
إي والله من طريق الغيرة الدينية!

فيُخاتله بأمر من دين الله؛ يُهَدئ بها من نِفاره! ويُسَكّنه ويضرب على ظهره يطمئنه، ويمد له من المكر مدًا، حتى إذا سكن قذف به في أحبولته، وأوقعه في خَفضةٍ من السوء.

فمِن الناس مَن لو أريد على دينه لحملقت عيناه غضباً! لكنه ذو غفلة عن خدع الشيطان وأحابيله، فيلقي إلى الشيطان مقادة رأسه دون أن يشعر!

وإن من تعاجيب تلك الحيل ما يُلبسه على بعض أهل الدين والدعوة؛ في لبوس الانتصار للحق والغيرة على الشريعة والسنة؛ فتراه هناك وقد صارم إخوانه، وَوَتّر لهم قوس العداوة، وصعّر لهم خده، وفلق لهم الحنظلة!

فإذا كشفت عن سبب العداوة والمصارمة وعلة القطيعة؛ فلعلك أن تجده أمرًا اجتهاديًا لا قطع فيه ولا جزم، مما ساغ فيه اختلاف المصلين، وكم هناك من مصارع للأُخُوّة؛ وقف على أطلالها الشيطان يفرك كفيه فرحًا بما نال!

ولقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية سترًا رقيقًا عن وجه هذه الفُرقة، وسفر عن علامتها، ومحلها من الدين، ودق بها السيف على المنبر، فانظر كلمته قائمة قاعدة، وتأمل ما فيها من ترطيب لقلوب المؤمنين على إخوانهم.
فقال رحمه الله:
"ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﺃﻭﺟﺐ ﻓﺘﻨﺔً ﻭفرقةً ﻓﻠﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ! -ﺳﻮاء ﻛﺎﻥ ﻗﻮﻻً أﻭ ﻓﻌﻼً- ﻭﻟﻜﻦ اﻟﻤﺼﻴﺐ اﻟﻌﺎﺩﻝ؛ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﺼﺒﺮ ﻋﻦ اﻟﻔﺘﻨﺔ، ﻭﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﻬﻞ اﻟﺠﻬﻮﻝ ﻭظلمه". (الاستقامة ١/ ٣٨).

وفي تطبيقه العملي، يقول ابن تيمية عن قومٍ قد مالوا عن السنة متأولين:
"ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﺷﻬﺪﻭا ﻫﺬا اﻟﻠﻐﻮ ﻣﺘﺄﻭﻟﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﺼﺪﻕ ﻭاﻹﺧﻼﺹ ﻭاﻟﺼﻼﺡ؛ ﻏﻤﺮﺕ ﺣﺴﻨﺎﺗﻬﻢ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﻢ ﻓﻴﻪ ﻭﻓﻲ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ اﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺃﻭ اﻟﺨﻄﺄ"، (الاستقامة ١/ ٢٩٧)

لاجرم، أن هناك من يزعم التمسك بمنهج السلف وطريقتهم في التعامل مع أهل البدع، لكن الشأن في فهمه له، وإقامته لمنهجهم حقًا، بل ستراه يجعل من شبر الخلاف ميلًا، ومن الغصن جذرًا، ومن الفروع أصولًا.

ومع تعظيم السلف للبدعة، وشديد تحذيرهم؛ ولكن قد كان لهم تفاصيل في التعامل لا يحسن أن تغفل، فقد "كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي يغشى مجلسَ أحمد بن حنبل وكان يترفض، فقيل لأحمد في ذلك، فقال:سبحان الله! رجل أحب قوماً من أهل بيت النبي ﷺ نقول له لا تحبهم هو ثقة"، (تاريخ بغداد ١٠/ ٢٦١).

وليس في هذا توهينًا من البدعة، بل المراد ألا يغفل عن مد اليد للنصح والإصلاح، وفتح الباب لبعض من زلّ حتى يقبل على السنة.
فقد كان موسى بن حزام، من شيوخ البخاري، وكان من العلماء، لكنه عثر في نحلة الإرجاء، فأعانه الله بأحمد بن حنبل حتى رجع إلى السنة والذب عنها. (الثقات لابن حبان، ٩/ ١٦٣)

ولأحمد من التصلب في الدين وهجر بعض أئمة السنة الذين أجابوا في المحنة، وله الكلمات المشتهرات في الإغلاظ على أهل الرأي التاركين للأثر، ما ليس لغيره، ومع ذلك اجتهد مع هذا المحدث حتى رده عن بدعته.

فالمصلح ينظر مصلحتين اثنتين، ينظر نصرة السنة، وينظر جمع الكلمة، حتى تحمى حياض الشريعة للواردين صفواً لا كدر فيه، ثم لا ينسى بسط العذر لمن عثرت به قدمه، أو تأوّل أو خفيت عليه السنة.
قال ابن تيمية:
"ﻓﻤﻦ ﻧﺪﺏ ﺇﻟﻰ ﺷﻲء ﻳﺘﻘﺮﺏ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ، ﺃﻭ ﺃﻭﺟﺒﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺃﻭ ﺑﻔﻌﻠﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻳﺸﺮﻋﻪ اﻟﻠﻪ ﻓﻘﺪ ﺷﺮﻉ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺄﺫﻥ ﺑﻪ اﻟﻠﻪ، ﻭﻣﻦ اﺗﺒﻌﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﺪ اﺗﺨﺬﻩ ﺷﺮﻳﻜﺎ ﻟﻠﻪ ﺷﺮﻉ ﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺄﺫﻥ ﺑﻪ اﻟﻠﻪ!"
فهذا هدم البدعة، وحفظ السنة، ثم يقول:
"ﻧﻌﻢ ! ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺘﺄﻭﻻً ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺸﺮﻉ ﻓﻴﻐﻔﺮ ﻟﻪ ﻷﺟﻞ ﺗﺄﻭﻳﻠﻪ، ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻣﺠﺘﻬﺪًا اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ اﻟﺬﻱ ﻳﻌﻔﻰ ﻓﻴﻪ ﻋﻦ اﻟﻤﺨﻄﺊ ﻭﻳﺜﺎﺏ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻠﻰ اﺟﺘﻬﺎﺩﻩ"!
فهذا حفظ حق الأخوة، وبيان مراتب المتأولين.
ثم يعود فيقول:
"ﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ اﺗﺒﺎﻋﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ اﺗﺒﺎﻉ ﺳﺎﺋﺮ ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﺃﻭ ﻋﻤﻞ ﻗﻮﻻً ﺃﻭ ﻋﻤﻼً ﻗﺪ ﻋُﻠﻢ اﻟﺼﻮاﺏ ﻓﻲ ﺧﻼﻓﻪ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ اﻟﻘﺎﺋﻞ ﺃﻭ اﻟﻔﺎﻋﻞ ﻣﺄﺟﻮﺭاً ﺃﻭ ﻣﻌﺬﻭﺭاً ". (اقتضاء الصراط المستقيم، ٢/ ٨٢).

وإقامته العملية لهذا مشهورة لا تخفى عليك، فانظر موقفه ممن آذوه وسجنوه، وممن أفتى بقتله، فإن الملك الناصر لما عادت له سلطته، أتى بابن تيمية إلى القاهرة، وأظهر له الحفاوة في مجلسه وأكرمه، ثم اختلى به في شرفة من الشرف، ونقل تلميذه ابن كثير تلك الواقعة فقال:
"ﻭﺳﻤﻌﺖ اﻟﺸﻴﺦ ﺗﻘﻲ اﻟﺪﻳﻦ ﻳﺬﻛﺮ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﻣﻦ اﻟﻜﻼﻡ ﻟﻤﺎ اﻧﻔﺮﺩا ﻓﻲ ﺫﻟﻚ اﻟﺸﺒﺎﻙ اﻟﺬﻱ جلسا ﻓﻴﻪ، ﻭﺃﻥ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ اﺳﺘﻔﺘﻰ اﻟﺸﻴﺦ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﻀﺎﺓ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﺗﻜﻠﻤﻮا ﻓﻴﻪ، ﻭﺃﺧﺮﺝ ﻟﻪ ﻓﺘﺎﻭﻯ ﺑﻌﻀﻬﻢ: ﻋﺰﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﻤﻠﻚ، ﻭﻣﺒﺎﻳﻌﺔ اﻟﺠﺎﺷﻨﻜﻴﺮ، ﻭﺃﻧﻬﻢ ﻗﺎﻣﻮا ﻋﻠﻴﻚ ﻭﺁﺫﻭﻙ ﺃﻧﺖ ﺃﻳﻀًﺎ، ﻭﺃﺧﺬ ﻳﺤﺜﻪ ﺑﺬﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻔﺘﻴﻪ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﺑﻌﻀﻬﻢ!