« وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي»

منذ 3 ساعات

تأمّل في قصة موسى والخضر عليهما السلام ضمن سورة الكهف، مع التركيز على البعد التربوي واليقيني


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فيما يلي ثمرة مما وفقني الله تعالى لجنْيه مع بداية رحلتي في تدبّر القرآن الكريم. وقد رأيت أن أشاركها لما وجدت فيها من تجلٍّ لعظمة الله عزّ وجلّ في تنزيل آياته وتنظيمها البديع، ودليلٍ على أن القرآن منزَّه عن العبث، فما من حرفٍ فيه إلا وله حكمة وغاية.
أسأل الله أن يجعل فيما أكتبه سببًا لزيادة إيمان أحدكم ويقينه بربه، فإن وجدتم جمالًا أو نورًا أو خيرًا، فذلك من الله وحده، وإن بدا فيه نقصٌ أو تقصير، فمني ومن نفسي.


مقدّمة

ما أعجب أن تبدأ الرحلة من حيث لم يُظَنّ أن تبدأ! من مقعدِ تلميذٍ صغيرٍ في مدرسةٍ عادية، كُلِّف يومًا بحفظ سورةٍ من كتاب الله، كما كُلِّف غيره من التلاميذ. فحفظها، وأتقن ألفاظها، وتعلّم عنها ما جاء في المنهج: سبب نزولها، وفضل قراءتها يوم الجمعة، وبعض ما قيل في قصصها. ثم مضى في طريقه، كما يمضي كثيرون بعد أداء الواجب.

لكنّ الله، الذي يُجري نوره حيث يشاء، أخفى في قلب هذا التلميذ بذرةً صغيرة من نورٍ لم تَزَل كامنة. ومع مرور الأيام، ظلّت تلك السورة — سورة الكهف — تسكن في ذاكرته، يرددها أحيانًا دون وعيٍ كاملٍ بما تحويه من أسرار، حتى بدت له كأنها صديقٌ قديمٌ لا يملّ اللقاء به، وإن لم يُدرِك بعد قيمته.

ومرّت خمس سنوات حتى شاء الله أن تهبّ نفحةٌ من رحمته، فتتفتح تلك البذرة. كان ذلك حين صادف مقطعًا مرئيًا يتحدث عن سورة الكهف، لكنّه لم يكن كغيره من المقاطع التي تمرّ مرور الكرام. كان حديثًا يشقّ السكون، لا تفسيرًا لغويًا ولا سردًا تقليديًا، بل تدبّرًا يوقظ الأرواح.

قال المتحدّث يومها: "سورة الكهف ليست مجرد قصصٍ تُروى، بل خريطة النجاة من أعظم الفتن التي تُبتلى بها البشرية: فتنة الدين، والمال، والعلم، والسلطة."

هناك، في تلك اللحظة، شعر الفتى كأنّ بابًا فُتح في قلبه لم يُفتح من قبل. أدرك أن قراءة سورة الكهف ليست تلاوةً لآياتٍ فحسب، بل مأوى روحيٌّ من عواصف الدنيا، وأنها كهفٌ معاصرٌ يأوي إليه المؤمن في زمن الفتن.

توقّف طويلًا عند قوله تعالى:

{«فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا»}

ورأى فيها وعدًا لا لأصحاب الكهف وحدهم، بل لكل من ضاقت عليه الأرض بفتنها، أن يجد في هذه السورة ملاذًا ورحمة. فهم حينها أن الله، كما ساق للفتية كهفًا يأوون إليه من بطش قومهم، قد ساق لنا — نحن أبناء هذا الزمن — سورة الكهف كهفًا نأوي إليه من ضجيج العالم.
عند تلك اللحظة تغيّرت قراءته، لم يعد يقرأها بعين الحافظ بل بقلب اللاجئ إلى الله. ومنذ تلكم اللحظة بدأت رحلته الحقيقية في الكهف، رحلةٌ لم تكن بين الجدران بل بين المعاني، لم تكن إلى الداخل فحسب بل إلى الأعماق.

ومع كل تدبّرٍ جديدٍ، كان يشعر كأنه يخطو خطوةً أخرى في نفقٍ مضيءٍ نحو الحق. تابع بحثه، حتى ساقه الله إلى مشاهد جديدة من السورة، وإلى مقاطع وتفاسير تُحدّث القلب قبل العقل، فازدادت بصيرته صفاءً، وبدأ يرى ما لم يكن يراه من قبل: أن وراء كل قصةٍ في الكهف بابًا إلى حكمةٍ إلهيةٍ خفيّة، وأن كل مشهدٍ فيها مفتاحٌ لفهم الإنسان، والقدر، والإيمان.

هكذا بدأ يدرك أن القصص ليست أحداثًا تُروى، بل مرايا يُرى فيها القلب. وأنه ما من آيةٍ تُتلى إلا وفيها طريقٌ إلى الله، لمن ألقى السمع وهو شهيد.

**ا قصة موسى والخضر عليهما السلام البعد الثالث **

إنّ قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ليست مجرّد حكايةٍ قرآنية تُروى، بل هي رحلة في طبقات الوعي الإنساني أمام سرّ القدر الإلهي، حيث تتكشّف لنا أستار الحكمة طبقةً بعد أخرى.

البعد الأول هو الفهم السطحي الظاهري، وهو ما يقف عند حدود الحكاية كما تُروى في النص.
في هذا المستوى، يرى القارئ نبيًّا كريمًا يسعى لطلب العلم، فيصادف عبدًا آتاه الله من لدنه علمًا، ثم يتبعه ليشهد أفعالًا تُخالف منطق العقل وعدل الظاهر: سفينة تُخرق بغير جرمٍ، وغلام يُقتل بغير ذنبٍ، وجدار يُقام في قريةٍ جاحدةٍ بلا مقابل.
كلّ فعلٍ من هذه الأفعال يبدو صادمًا، لأنّ النظر الإنساني أسير اللحظة، محدود الأفق، يقيّم الأحداث بمعيار العاجل والمألوف. في هذا البعد، نرى موسى عليه السلام كما نرى أنفسنا حين نواجه ما لا نفهمه: نسأل، نستنكر، ونظنّ أنّنا ندافع عن الحق، بينما يغيب عنّا وجه الحكمة.

أما البعد الثاني، كما يطرحه الدكتور راشد آل علي، فهو القراءة القدرية العميقة التي تكشف أن هذه القصة ليست سردًا لأحداثٍ متتابعة، بل تمثيل رمزي لأنواع القدَر في حياة الإنسان، وكيف يعمل التدبير الإلهي في الخفاء.
فالسفينة تمثّل الشرّ الذي يحمل في طيّاته النجاة، والغلام يمثّل الخير الذي يُستبعد رحمةً لا قسوةً، والجدار يمثّل الخير المؤجَّل الذي يُقام في صمتٍ انتظارًا للوقت المعلوم.
في هذا البعد، يتجلّى أن ليس كل ما نراه شرًّا شرًّا، ولا كل ما نحسبه خيرًا خيرًا؛ فما نجهله نحن، يراه الله بعين العلم الكامل، وما نعدّه اضطرابًا ليس إلا انتظامًا في ميزان الغيب.
إنها قراءة تُعيد ترتيب علاقتنا بالقدر: أن نسكن إلى يقين أن ما بدا خسرانًا قد يكون نجاة، وما بدا ظلماً قد يكون لطفًا، وما بدا فراغًا قد يكون امتلاءً.

كان صاحبُنا قد تبيَّن البُعدين الأوَّلين، وأدرك بحسٍّ متوقّدٍ أنّ وراء كلِّ لفظٍ في كتاب الله سرًّا ينتظر من يتأمَّله، لا من يمرُّ عليه مرَّ العابرين. غير أنّ سؤالًا ظلّ يطرقُ فكره بإلحاحٍ لا يهدأ:
لِمَ كان موسى عليه السلام هو المختار لهذا اللقاء دون سائر الأنبياء؟
ولِمَ جاءت تلك الأحداث بينه وبين الخضر على هيئة مشاهد متقطّعةٍ، غريبةِ النسق، لا يربطها ظاهرٌ من مقدّمةٍ أو نتيجة؟
ما الحكمة في أن يُظهر الله وجهَ الخير المستتر من خلال حادثة قتلٍ؟ ولماذا سفينةٌ تُخرق، وملكٌ غاصب، وغلامٌ بريء، وجدارٌ يُقام في قريةٍ بخيلةٍ لا تعرف الشكر؟
أهي مصادفاتٌ عابرة؟ أم رموزٌ تتوارى خلفها مقاصد أعظم مما تبلغه الأفهام؟

ثمّ أخذ يسأل نفسه سؤالًا آخر، أكثر دقّةً وإرباكًا:
إن كان موسى قد تعلّم من الخضر شيئًا، فما هو ذلك الشيء حقًّا؟
فالذي أظهره الخضر من علمٍ لم يكن علمًا يُنال بالمجاهدة، ولا يُستدرَك بكثرة النظر، بل فيضٌ لدُنّيٌّ لا يُنال بالسعي، بل يُوهَب بالاصطفاء؛ علمٌ يفوق طاقة البشر على التحمّل، لا على الفهم فحسب.
فكيف يمكن لإنسانٍ – أيًّا كان مقامه – أن يتعلّم علمًا كهذا عبر ثلاث وقائع قصيرة؟
أكان المقصود أن يتعلّم موسى تفاصيل القدَر، أم شيئًا أعمق من ذلك، شيئًا يتجاوز حدود المعرفة إلى تبدّل البصيرة نفسها؟

إنّ السؤال هنا ليس عن مقدار العلم، بل عن جوهر التعَلُّم:
هل كان موسى يتلقّى معلوماتٍ جديدة، أم كان يُؤهَّل لرؤيةٍ جديدة للكون؟

ظلّ هذا السؤال يتردّد في قلبه حتى ساقه الله ذات يومٍ إلى آياتٍ من سورة القصص، يقرأها كما لو أنّه يقرؤها للمرّة الأولى، لا كما يحفظها منذ مدة.
وفيما كان غائصًا في تفاصيل قصة موسى عليه السلام من مولده إلى بعثته اتوقفته الايات الاتية : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)}

عندها توقّف قلبه لحظة، كأنّ الوحي يُعيد صدى السؤال القديم بصوتٍ جديد:
ألم يقتل موسى نفسًا – وإن لم يتعمّد – قبل أن يقف يومًا أمام الخضر فيسأله:

{"أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟"}
فارتجف قلبه، وشعر وكأنّ الخطاب موجّه إليه عبر الزمان: ما رآه موسى في الغلام من الغيب، كان قد رآه من قبل في نفسه دون أن يدري.

في تلك اللحظة لاح وميض النور في الأفق، واتّضحت معالم الإجابة:
لقد كان الخضر، حين واجه موسى بفعله ذاك، يعيد إليه ظلّ ماضيه هو نفسه!
كأنّ الله جلّ جلاله أراه في مرآة الخضر صورةَ نفسه الماضية، ليجعله يشهد انعكاس تجاربه القديمة في مشاهد جديدةٍ، فتتكشّف له أسرار القدر كما لم يرها من قبل. لم يكن المقصود من لقائه بالخضر أن يُقاس علمُ نبيٍّ بعلم عبدٍ صالح، بل أن يُقاس موسى بنفسه، بين ما كان عليه وما يمكن أن يبلغه حين تُفتح له أبواب البصيرة.
فما كان ظهور النقص في علمه إلا ظهورًا لكمال التربية الإلهية فيه؛ إذ شاء الله أن يعلّمه كيف ينفذ من ظاهر الحدث إلى باطن الحكمة، وكيف يرى في أقدار الله لطفًا مستورًا لا يُدركه النظر العجول. فليست المفاضلة هنا بين موسى والخضر، بل بين موسى الأمس وموسى اليوم؛ بين فهمٍ محدودٍ تحكمه التجربة، وفهمٍ نورانيٍّ يسري من عين الله إلى قلب نبيّه، فيصير العلم عنده شهودًا بعد خبر، وبصيرةً بعد رؤية.

هناك أدرك صاحبُنا أنَّ موسى عليه السلام لم يكن غريبًا عن القصة، بل كان يعيش في كلّ مشهدٍ منها صورةً من سيرته، وأنّ لقاءه بالخضر لم يكن درسًا في العلم فحسب، بل في الوعي الإلهي بالعلم، وفي تربية النبيّ على الرؤية من وراء الغيب.

فحين قتل الغلام، تذكّر قتله هو، فعرف أنّ ما بدا شرًّا قد يكون لطفًا غامضًا لم يدركه بعد.
وهكذا لم يكن علم الخضر فوق طاقة البشر، بل كان مرآةً لما يمكن أن يبلغه الإنسان حين يتربّى على عين الله، ويُمحَّص في مدرسة القدَر.
من هنا بدأ يبحث:
هل يمكن أن يكون موسى قد عاش — بشكلٍ أو بآخر — القصتين الأخريين أيضًا؟
هل كانت السفينة، والجدار، والملك، والغلام... سوى رموزٍ لتجاربه السابقة، صيغت له ليُبصرها بعينٍ جديدة؟

بعد ذلك، عاد إلى قراءة القصة مرّاتٍ ومرّات، يفتّش في ثناياها عن خيوطٍ تربطها بما عاشه موسى عليه السلام من قبل، حتى هداه الله إلى التطابق الثاني، فإذا هو يرى في الملك الذي كان يأخذ كل سفينةٍ غصبًا صدىً لفرعون نفسه.

في مطلع حياة موسى عليه السلام، أوحى الله إلى أمه أن تضعه في تابوتٍ وتقذفه في اليمّ. وللوهلة الأولى بدا ذلك كأنه خرقٌ لبيتٍ آمنٍ، أو فعلٌ خارج عن منطق الحماية والرعاية، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. لكن حين يُزال الحجاب عن الحكمة، يتجلّى أن ذلك الخرق الظاهري لم يكن إلا وجهًا من وجوه الرحمة الإلهية الخفيّة؛ فذلك التابوت كان سفينة النجاة التي حملت وليدًا موعودًا، وأنقذته من ملكٍ كان يخرق كل بيتٍ غصبًا بقتله الأطفال الذكور.
هكذا تنكشف الصلة العجيبة بين القصتين: السفينة التي خُرقت لتُنجى، والبيت الذي خُرق ليُحمى. كلاهما خرقٌ في الظاهر، وكمالُ لطفٍ في الباطن. وكأنّ الله سبحانه أراد أن يُري موسى في قصة السفينة انعكاس رحمته الأولى به حين كان رضيعًا؛ ليعلّمه أن ما يراه نقصًا اليوم قد كان عين الكمال بالأمس، وأن التدبير الإلهي لا يُدرك بالعقل وحده، بل بالبصيرة التي ترى وراء الفعل وجه العناية.

ثم نظر في المشهد الثالث، فإذا التطابق يتجلّى بوضوحٍ أعمق.
كان موسى والخضر عليهما السلام قد دخلا قريةً بخيلةً ضنينةً، لا تُكرم ضيفًا ولا تُعين محتاجًا، فوجدَا فيها جدارًا يكاد أن يسقط، فأقامه الخضر بغير مقابل. هنالك اعترض موسى، وقد ضاق به الجوع والتعب، أن يُقام الجدار دون أجرٍ أو جزاء. غير أنّ الله جلّ وعلا أراد أن يُعيد إليه صورةً من ماضيه هو نفسه:
فقد خرج موسى من مصر إلى مدين، غريبًا منقطعَ السبيل، لا يملك طعامًا ولا مأوى، فإذا به يرى فتاتين تذودان عند الماء، فيسقي لهما بغير طلب أجرٍ، رغم ما كان عليه من جهدٍ وعطشٍ وضعف. لكنه يومها، كما في قصة الخضر، قدّم الإحسان على الحاجة، فجازاه الله بالإيواء والزواج والعمل.
إنه الجدار ذاته، ولكن في صورة أخرى؛ جدارٌ من المعروف أقامه موسى يومًا بيده، فعاد إليه أجره بعد حينٍ مضاعفًا. وهكذا تتقابل القصتان كمرآتين متقابلتين: في الأولى أقام الخضر الجدار دون مقابلٍ ظاهر، وفي الثانية أقام موسى المعروف دون انتظار عوض، وفي كليهما يعلّم الله عبده أنّ ما يُبنى بالإخلاص لا يضيع عنده أبدًا.

وعند هذا التأمل، أشرق في قلب صاحبنا نورٌ لم يعرفه من قبل؛ إذ رأى أن ترتيب القصص الثلاث لم يكن عبثًا، بل محكمٌ على نسق حياة موسى عليه السلام نفسه:

سفينة الطفولة التي حملته من الغرق، تقابل خرق السفينة التي أنقذها الخضر من الغصب.

القتل الخطأ في شبابه يقابل مقتل الغلام في دروس الخضر.

إحسانه في مدين دون أجرٍ يقابل إقامة الجدار في القرية البخيلة بلا مقابل.

فما كان ترتيب الأحداث في سورة الكهف إلا انعكاسًا بديعًا لترتيب حياة موسى عليه السلام، ليُفهم أن الله جلّ جلاله لا يكرّر القصة إلا ليكشف وجهًا جديدًا من حكمته، وأنّ ما يراه العبد تعددًا في الوقائع ليس إلا تدرّجًا في كشف البصيرة.

وهكذا اكتمل له البعد الثالث: أن لقاء موسى بالخضر لم يكن لقاء نبيٍّ بعالمٍ فحسب، بل لقاء إنسانٍ بماضيه، وعبدٍ بمرآة قدره، ليُعلَّم أن وراء كل خرقٍ سلامة، ووراء كل فقدٍ تمام، ووراء كل صمتٍ جدارٌ يُقام على عين الله.

كتبه : عبد الرازق خليل