الاستخارة غربال الصحبة

منذ 10 ساعات

فالصحبة مجالُ تشكّلٍ بطيء، تكتب الإنسان على مهل، حرفًا بعد حرف، حتى إذا التفتَ إلى نفسه وجد سطره قد تغيّر من حيث لا يشعر.

كبر في داخلي يقينٌ هادئ بأن الإنسان يتشكّل بما يُجاوره من أرواح، وأن القرارات التي تبدو محدودة في ظاهرها تحمل في باطنها أعمارًا كاملة.
فالصحبة مجالُ تشكّلٍ بطيء، تكتب الإنسان على مهل، حرفًا بعد حرف، حتى إذا التفتَ إلى نفسه وجد سطره قد تغيّر من حيث لا يشعر.
وهذا المعنى أدركه المتقدّمون مبكرًا، حين قرّروا أن الأخلاق تُكتسب بالمخالطة، وأن المجاورة تترك أثرها الخفي في الطباع، كما قال أبو إسحاق الوطواط: «وقد تكتسب الأخلاق من معاشرة الأخلّاء؛ فإن صلاحها من معاشرة الكرام، وفسادها من مخالطة اللئام، وربَّ طبعٍ كريم أفسدته معاشرة الأشرار، وطبعٍ لئيم أصلحته مصاحبة الأخيار.» فهذا التشكل البطيء لا يقع دفعةً واحدة، بل يتسرّب إلى الداخل مع التكرار والألفة، حتى يصير سلوكًا راسخًا لا يُفطن إلى لحظة تشكّله.

ومن فقه العبد بنفسه أن يجعل الاستخارة ميزانًا في باب الصحبة؛ لأن ملازمة الشيخ أو الصاحب تربيةٌ مستمرة، وأثرٌ جارٍ يتجاوز حدود المجالس، ويُعيد تشكيل التصورات، ويهذّب الإرادة، ويضبط الذائقة الأخلاقية، ويحدّد مسافة القرب من الخير. وهذا المعنى يتكامل مع فقه الأناة والتثبّت في الاختيار، إذ العجلة في القرب تورث الندم في الأثر، وقد جاء في مراسلات السلف ما يكشف هذا الميزان الدقيق، حين كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رضي الله عنهما، فكان جوابه: «فإنَّ التفهُّم في الخير زيادةٌ ورشد، وإنَّ الرشيد من رشد عن العجلة، وإنَّ الخائب من خاب عن الأناة، وإنَّ المتثبّت مصيب أو كاد أن يكون مصيبًا، وإنَّ المعجّل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئًا.» فالأناة هنا ليست بطئًا سلبيًا كما يقال في أدبياتنا المعاصرة، بل فقه نظرٍ في العواقب، وتحرّزًا من اندفاعٍ يسبق البصيرة.

وهذا ما نبّه إليه الماوردي حين قرن الصحبة بتأثيرها النفسي العميق، فقال: «فإنَّ للصحبة تأثيرًا في اكتساب الأخلاق، واجتذاب الوِفاق؛ لقُصور الطرف عليها، وسكون النفس إليها.» ثم أسّس لهذا المعنى بالميزان النبوي الدقيق: «المرءُ على دينِ خليله، فلينظر أحدُكم من يُخالِل.» فالتأثير هنا نابع من سكون النفس، وانخفاض مستوى الحذر مع طول المعاشرة، لا من مجرّد القصد المعلن.

ومن هنا تعاظم في قلبي شأن الاستخارة في اختيار الشيخ والصاحب، وصارت بوابة الدخول إلى الدائرة القريبة، بوصفها فقه وقاية للقلب، وبصيرةً في ترتيب العلاقات. فالعبد يستخير في مركبٍ يحمله زمنًا، ويستخير في دارٍ يسكنها أعوامًا، فكيف بمن يُشاركه تشكيل العقل، وتوجيه الهمّة، وتغذية القلب؟ لذلك أستخير الله حين أقترب من شيخٍ أدرس عليه، أو أستأنس بصاحبٍ أرافقه، واضعًا رغبتي تحت ميزان العاقبة، مسلّمًا اختياري لمن يعلم تضاريس النفوس ومآلات المسارات.

ومع امتداد الأيام تبيّن لي أن الاستخارة تُهذّب الاختيار قبل أن تُهذّب الطريق، فتُنقّي المشهد من الزوائد، وتُبقي الضروري، وتُقرّب ما يُنضج الروح، حتى يتكوّن شعورٌ بأن من حولك قد اختيروا بعناية ربانية، على ميزان الأثر البعيد. فالشيخ الذي أدرسه معه يورثني أدبًا قبل العلم، والصاحب الذي ألاصقه يورثني ميزانًا قبل الأنس، فتغدو الدائرة القريبة أقل عددًا وأعمق أثرًا.

وبهذا المعنى غدت الاستخارة باب طمأنينةٍ عميقة، تجعل أثر الاختيار حاضرًا قبل اكتمال نتائجه، وتكشف عن بركةٍ تتسرّب إلى الفهم والدعاء والمسير، كأن الصحبة المختارة دعوةٌ مستجابة تمشي على قدمين. ولذلك صار طلب التوفيق من الله في هذا الباب تعبيرًا عن كمال الاعتماد، ووعيًا بحدود الإدراك البشري، واستعانةً باللطف الإلهي في اختيار من يُشارك المسيرة العلمية والإيمانية والحياتية.

وحين تستقيم الدائرة القريبة، يستقيم كثيرٌ من شأن العبد من حيث يشعر، ويظهر أثر توفيقٍ ربانيٍّ هادئ، تُدرَك ثماره وتبقى كيفيته في دائرة الغيب.


المراجع 

 ١- الوطواط، أبو إسحاق برهان الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى بن علي (ت 718هـ)،
غرر الخصائص الواضحة، وعرر النقائض الفاضحة،
ضبطه وصححه وعلّق حواشيه: إبراهيم شمس الدين،
دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان،
الطبعة الأولى، 1429هـ / 2008م،
جـ 1، صـ 11.

٢-  الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد (ت 450هـ)،
تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق المَلِك وسياسة المُلك،
تحقيق: د. محي هلال السرحان،
مراجعة وتقديم: د. حسن الساعاتي،
دار النهضة العربية، بيروت،
1401هـ / 1981م،
جـ 1، صـ 38.

٣-معمر بن راشد الأزدي (ت 153هـ)،
الجامع [ضمن مصنّف عبد الرزاق]،
رواية: عبد الرزاق الصنعاني،
تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي،
المجلس العلمي – الهند، توزيع المكتب الإسلامي – بيروت،
الطبعة الثانية، 1403هـ / 1983م،
جـ 11، صـ 165.