سجداتُ الأسحار… مقامُ الاصطفاء ومفاتيحُ الفَرَج

منذ 6 ساعات

فهنيئًا لمن قام في سكون الليل، وسجد في ظلمته، ودعا من قلبه قبل لسانه؛ فذلك عبدٌ أراده الله برحمته، وترك له في قلبه نورًا لا ينطفئ.

إذا أرخى الليلُ سدولَه، وسكنتِ الدنيا تحت جناحه، وخفتتِ الأصواتُ، وهدأتِ الحركاتُ، وبقيتِ القلوبُ الصادقةُ وحدها ساهرةً بين خوفٍ ورجاء؛ هناك تُرفع الأيادي إلى السماء، وتُسكب العبراتُ بين يدي الكريم، ويقف العبدُ الضعيفُ على باب ربٍّ لا يردُّ سائله، ولا يُخيِّب من رجاه.

في تلك الساعة يضيق العالمُ عن ضجيجه، وتتّسع السماءُ لمن قصدها؛ فترتفع من البيوت أنفاسٌ مثقلةٌ، ودموعٌ حارّةٌ، تشكو بثَّها إلى ربّها، وتبثُّ حزنها لمن لا يغفل ولا ينام.

قيل لرسول الله ﷺ: أيُّ الدعاء أسمع؟ فقال: «جوفُ الليلِ الآخر»، وقال ﷺ: «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجد».

فيا أخي، إن أرهقك همٌّ، أو أدركك كربٌ، أو ضاق بك الفضاءُ بما رحُب، فاطرقه بسجداتِ الأسحار؛ فإن لها في السماء رجعًا، وفي الغيب وقعًا، وفي الرحمة مفاتيحَ لا تُخطئ. وهي ساعةُ إجابةٍ، وموطنُ قربٍ، وبابٌ لا يُغلق في وجه من طرقه بصدق.

وأجزم ـ غير متردّد ـ أن كثيرًا من المشكلات التي نعانيها إنما يقف حلُّها قريبًا جدًّا منّا؛ أقربَ من ظنوننا، وأدنى من حساباتنا، ولكنه ينتظر ركعتين في السَّحَر، ودمعةً صادقة، وانكسارَ قلبٍ بين يدي الله. فما أعجزَنا حين نُطيل التفكير، ونُكثر الشكوى، ونؤخّر السجود! ولو علمنا ما في ركعتي الأسحار من تفريجٍ للكروب، وتيسيرٍ للعسير، وفتحٍ لأبوابٍ أُغلقت؛ لما قدّمنا عليهما شيئًا من تدابيرنا ولا اعتمادنا.

ومن أنزل حاجته بالله في ثلث الليل الأخير، وانحلَّ قلبُه بين يدي ربِّه، وسلَّمه في محراب السجود؛ فقد بلغ أقصى الرجاء، ومسَّ مقام القبول، ودنا من مشهد الاصطفاء؛ وذلك مقامٌ لا يناله إلا من اختاره الله، ورفع ذكره، وقضى أمره.

فهنيئًا لمن قام في سكون الليل، وسجد في ظلمته، ودعا من قلبه قبل لسانه؛ فذلك عبدٌ أراده الله برحمته، وترك له في قلبه نورًا لا ينطفئ.

فإن وفّقك الله لتلك المناجاة، فقد ألبسك تاجًا لا يُرى، وشرّفك شرفًا لا يُدانى، ونلتَ كرامةً لا تُشبهها كرامة؛ هناك يُسمع الدعاء، ويكون العبدُ أقربَ ما يكون إلى مولاه الكريم.
________________________________________________

الكاتب: طلال الحسّان