سيداو والمجال الآخر

منذ 2012-03-19

كثيرة هي الشؤون والشجون التي تتعلق بواقع المرأة المسلمة الاجتماعي والثقافي والعلمي والعملي التي يجب أن يطرح فيها الحديث على بساط الوضوح والصراحة والبحث الصادق الجاد حول دور المرأة وأهميته في دفع عجلة التقدم والازدهار والتنمية الاجتماعية ..



كثيرة هي الشؤون والشجون التي تتعلق بواقع المرأة المسلمة الاجتماعي والثقافي والعلمي والعملي التي يجب أن يطرح فيها الحديث على بساط الوضوح والصراحة والبحث الصادق الجاد حول دور المرأة وأهميته في دفع عجلة التقدم والازدهار والتنمية الاجتماعية والعلمية والبشرية في مجتمعها، والأكثر أهمية هو البحث والتأكيد على البعد الرسالي والإنساني لدورها الذي حملها الله -تعالى- أمانة القيام بمتطلباته كما كلف شقيقها الرجل بذلك آخذا بالاعتبار موقعها النسوي وخصوصية تميزها كأنثى واعتبار تلك الخصوصية ميزة أتاحت لها الاضطلاع بدور لا يقدر الرجل على القيام به مثلما تميز الرجل وهو شريكها في الاستخلاف بقدرته واستطاعته القيام بدور من الظلم تحميل المرأة القيام به حتى وإن كان المبرر أطنانا من الشعارات الرنانة الداعية إلى ما يسمى المساواة أو التنمية أو العدل أو التحرر.


ولقد تجلت تلك المعاني السامية للعدل والمساواة في ديننا العظيم بين الرجل والمرأة وفق هذا النسق الطبيعي المتأصل في النفس البشرية الواحدة في أصل خلقها والمتمايزة في بعض خصائصها وبالتالي بعض أدوارها الحياتية المتكاملة، فقوله -سبحانه- في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1] يؤكد على المساواة في الخلق والتكليف الأساسي والمطالب العقائدية والعبادية والقيام بالواجبات الإيمانية ذاتها معتبراً المساواة الإنسانية بينهما أمراً مفروغا منه, ولكي لا يلتبس الأمر على الفهم يستفيض القرآن في الخطاب المفصل؛ ليوضح تساوي الأهلية في ذلك، فيقول المولى -جل وعلا-: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية الكريمة التي بدأت بالخطاب الواحد، والتكليف الواحد، وختمت بالمثوبة الواحدة، وذاك هو دستورنا العادل الحكيم الواضح الصريح الذي لو أردنا لجعلناه حكماً ومنهجاً لا نلجأ إلى غيره من الدساتير والمعاهدات التي يحاول الآخر بكل نقائصه وفشله البين أن يفرضها علينا في نسق احتيالي وافترائي مشبوه ومنظم مستغلاً غفلتنا المعهودة وانبهارنا الذاهل بالمظاهر الحضارية الجوفاء للآخر إضافة إلى تلك السلوكيات السلطوية غير الشرعية والتي تمارس من البعض باسم الدين كنتاج لفهم خاطئ لبعض النصوص ما جعل تلك النفثات السامة تجد من يتلقفها جهلاً أو لحاجة في نفس يعقوب.


إن تقصيرنا في معالجة واقع المرأة المسلمة، وعدم تمكينها من القيام بدورها، وتجاهلنا لمشكلاتها، وإهمالنا لقدراتها التي وهبها لها ربها، وربما استخفافنا بأهمية هذه القدرات والتي ساهمت المرأة فيها هي نفسها في كثير من الأحيان إما بعدم وعيها بحقوقها وواجباتها سواء ضمن إطار أسرتها ومحيطها العائلي، أوفي نطاق مجتمعها وفضاء أمتها بما فيه من قضايا واحتياجات وتطورات وأحداث ولا أظنني أتعدى الصواب إن جعلت على رأس ذلك كله تقصيرنا وتقصيرها في معرفة أحكام شرع ربها، وإطلاعها العميق على ما لها وما عليها في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

أقول: إن هذا كله قد جعلنا هدفاً تسعى كل الأيديولوجيات والأفكار والحركات التي أفلست في بلادها وجعجعت ولم تطحن لأن تبيع بضاعتها الكاسدة الخاوية المأفونة في بلادنا وعلى رأس هذه التُرَهات ما يسمى (بمعاهدة سيداو)، وصنوها (مؤتمر المرأة العالمي) واللذان أشبعا موضوع المرأة بحثاً وسجالاً فجيشت لهذه المعركة الجيوش الإعلامية والفكرية، واشتعلت الأقلام ناراً وقودها الدوافع المختلفة والمرجعيات الفكرية المتباينة وعقدت المؤتمرات العالمية في شرق العالم وغربه والتي قامت على تنظيمها والترويج لها وإصدار توصياتها جهات تجاهلت أو همشت أو جرمت الإسلام ولو بصورة غير مباشرة حيناً، وبصورة صريحة أحياناً مما يجعلنا نلقي بظلال الشبهات ونؤكد وجود روح المؤامرة وسوء القصد المبيت ضد المرأة بشكل عام والمرأة المسلمة بشكل خاص, وهو ما يجعلنا أيضاً نرجع الأمر إلى أساليب الغزو الثقافي والاجتماعي المقنع بمسوح الرحمة والإشفاق والمناداة بحقوق المرأة والسعي إلى إنصافها، وحمايتها من التمييز حسب زعمهم حيث جاء في بنودها: " تتطلب الاتفاقية من الدول الأعضاء اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة للقضاء على الممارسات والعادات العرفية القائمة على الأفكار الدونية أو الفوقية لأحد الجنسين أو على الأدوار النمطية للمرأة", فالمطلوب هو تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها من تنوع الأدوار وتكاملها وهو غمز أيضا من قناة الإسلام في إشارة واضحة إلى موضوع القوامة والاتفاقية بمجملها مليئة بهذا الغمز الغير منطقي والقائم على أساس التجني الواضح وسوء الفهم المقصود، وتطالب الاتفاقية الدول المصدقة عليها بوقف كل أشكال التمييز ضد المرأة في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمدنية أو أي مجال آخر.


وهنا لا بد لنا من التوقف أمام هذا المجال الآخر، والذي هو بلا شك البند الماكر الذي تُنفذ من خلاله السموم الانحلالية وتنفرط عبر خيطه الخبيث عرى المنظومة الأخلاقية والأسرية، ويتم بإيحاء واضح وصريح منه تجاوز كل الخطوط الحمراء للقيم والأديان، ويبرز التشريع الإسلامي من خلال افتراءاته كمتهم رئيس بالرجعية والتسلط والإقصاء والتمييز القائم على الدونية والاستعلاء وإلغاء الحقوق الإنسانية للمرأة، وحاشا لدين الله أن يكون كذلك.

غني عن القول: إن الغيورين من علماء الأمة والذين هم بلا جدال أقدر مني على الرد الملائم على هذا الخلط والاستهتار البين، والإساءة الواضحة غير المستغربة إلى ديننا وعقيدتنا وشرعتنا التي أمرنا بإتباعها دون سواها في قول ربنا -سبحانه-: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18] وإنا بإذن الله لفاعلون فالأمة بخير، كما قال سيدنا ونينا -صلى الله عليه وسلم-: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، فديننا بكل إشراقاته المدركة الحكيمة موضع ثقتنا المطلقة، وقيمنا أبداً محل اعتزازنا، ولن تنطلي علينا هذه الدسائس والأكاذيب والتباكيات على حقوق المرأة، ومن قبلها حقوق الإنسان هذه الحقوق التي عرفنا بها شرعنا وألزمنا بها في نقلة حضارية إنسانية شاملة كاملة ظلت على مر الزمان محل احترام وأفضلية عند كل منصف لبيب ولعل أبلغ وأصدق ما قيل في هذه المعاهدة المرفوضة، قول سماحة الشيخ نوح القضاة -رحمه الله-: "اتفاقية سيداو فيها مخالفات واضحة للشريعة الإسلامية خاصة ما جاء في المادتين (15و16) ونحن نعارض كل ما يخالف الشريعة الإسلامية وأريد أن أبين أن رفع الحظر عنها كلها مخالف للشريعة الإسلامية، وأنا أرى أن المجتمع لن يتأثر بها؛ لأن مجتمعنا مرجعيته أحكام الشريعة الإسلامية وليست أية اتفاقات تخالف الشريعة".


وأحب أن أنوه هنا إلى أن شيخنا -رحمه الله- كان شديد الثقة بخيرية أمته، وحبهم وغيرتهم على حرمات دينهم وكثيراً ما كنا نسمعه يبث فينا الأمل بعودة الأمة جمعاء إلى أحكام شرعها وعدم تفريطها بأحكامه.
وجدير بالذكر أن المادتين المذكورتين (15و16) هما أخطر بنود الاتفاقية وأكثرها تعارضاً مع شريعة الله، والفطرة الأخلاقية السوية والتي عناها (المجال الآخر) المعوم المبهم في هذه الاتفاقية التي دلت وبكل وضوح على عدم قدرة الإنسان بكل ضعفه البشري على وضع منهج عادل متكامل شمولي دقيق ومتفهم لطبيعته وفطرته دون شرع الله، وهذا ما أكدته تلك النصوص القاصرة التي تطرقت للنظام الأسري والبنية الاجتماعية، وتنكرت فيه تماماً لكل ما يشكل حزمة أمان أخلاقي واجتماعي في حركة فصام حمقاء بين الدين والحياة ولا يزال المجال الآخر يتمخض ونسأل الله السلامة لأمتنا من كل إثم.


الكـاتبة: رقية القضاة