من بطّأَ به أملُه لم يسرعْ به عملُه!
عطايا هذا الشهر لا تتحقّق بكثرة الأعمال وحدها، بل بحُسن الظنّ بالربّ الكريم.
حتى الآن لم يختم القرآن كاملًا مثل الكثير، ولم يطعم المساكين، ولم يفطّر الصائمين، ولم يُكثر من الدعاء كما كان يتخيّل؛ كانت هناك آمالٌ في نفسه رجا أن يحقّقها حتى يكون كـ الفضيل بن عياض أو قريبًا منه، وتكون هي كـ رابعة العدوية أو قريبةً منها…
نظر في نفسه فلم يجد أنه بلغ مبتغاه، ولا حقّق مناه، فكأنّه قد خسر وخاب مسعاه. تسلّل إلى قلبه يأسٌ في وقت العطاء، وداخله بؤسُ السالكين وهو في زمن الرجاء!
دعا ربَّه… فاستلهم عطاياه، واستنزل رحماته؛ فقُذف في روعه شعورٌ جميل، وتبريرٌ حسن: أن عطايا هذا الشهر لا تتحقّق بكثرة الأعمال وحدها، بل بحُسن الظنّ بالربّ الكريم.
بدأ قلبه يسرع، ودقّاته تتلاحق، أحبّ هذا الشعور؛ لقد كان يغطّي جزءًا من تقصيره، وبدت له فيه عوائدُ روحية كثيرة بلا جهدٍ طويل.
ركّز قلبه على ذلك، وأفقر مشاعره إلى هذه العبادة، ولم يكن يعلم أنه انتقل من حساب العمل إلى شهود الفضل، ومن مراقبة النقص إلى تعظيم الكرم.
هناك خفَّ عنه ميزان المقارنة الذي كان يرهقه، فلم يعد يسأل: ماذا أنجزت؟، بل ظلّ مشاهدًا لخبايا ما يحمله حسنُ الظنّ!
“أنا عند ظنّ عبدي بي…” كلمةٌ إذا استقرّت، بدّلت ترتيب الطريق كلّه:
فمن ظنّ خيرًا، عاش في أفق العطاء، ومن ظنّ حرمانًا، ضاق عليه المدى.
لقد بات قرير العين، وزال عنه قلق السبق بالأعمال؛ لأنه أدرك سرًّا خفيًّا:
أن السّالكين يسبقون بحُسن الظنّ بمن بيده السير.
- التصنيف: