نعمة الأمن والطمأنينة
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، نِعْمَةً لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، وَلَا يَشْعُرُ بِعَظِيمِ أَثَرِهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ فِي اضْطِرَابٍ وَخَوْفٍ.
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، نِعْمَةً لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، وَلَا يَشْعُرُ بِعَظِيمِ أَثَرِهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ فِي اضْطِرَابٍ وَخَوْفٍ.
فَبِالْأَمْنِ تُقَامُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَتُفْتَحُ الْمَدَارِسُ، وَتُحْفَظُ الْبُيُوتُ، وَتَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، وَتَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ.
وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
{لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}
فَشُكْرُ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ، وَحِفْظُهَا مَسْؤُولِيَّةٌ، وَصِيَانَتُهَا أَمَانَةٌ.
عِبَادَ اللَّهِ
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُهَدِّدُ الْأَمْنَ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ نَشْرُ الشَّائِعَاتِ وَالْإِرْجَافِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتَّسَرُّعُ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ دُونَ تَثَبُّتٍ.
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»
فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُسْمَعُ يُقَالُ، وَلَا كُلُّ مَا يَصِلُ إِلَى الْهَاتِفِ يُنْشَرُ، وَلَا كُلُّ مَقْطَعٍ يُتَدَاوَلُ.
وَقَدْ أَرْشَدَنَا الْقُرْآنُ إِلَى الْمَنْهَجِ الصَّحِيحِ عِنْدَ وُقُوعِ الْأَحْدَاثِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}
بَلْ إِنَّ الْقُرْآنَ حَذَّرَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا مِنَ الْمُرْجِفِينَ الَّذِينَ يُهَوِّلُونَ الْأَخْبَارَ وَيُشِيعُونَ الْخَوْفَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾
فَالْإِرْجَافُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلَامٍ، بَلْ هُوَ إِفْسَادٌ لِلْأَمْنِ وَبَثٌّ لِلْخَوْفِ وَإِضْعَافٌ لِلْمُجْتَمَعِ.
عِبَادَ اللَّهِ
وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا تَصْوِيرُ الْأَحْدَاثِ الْأَمْنِيَّةِ وَتَدَاوُلُ مَقَاطِعِهَا وَنَشْرُهَا؛ وَهَذَا قَدْ يُثِيرُ الْخَوْفَ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُعَرِّضُ الْأَنْفُسَ وَالْمَصَالِحَ لِلْخَطَرِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ إِعَانَةٌ لِلْعَدُوِّ وَالْمُتَرَبِّصِينَ.
وَلِهَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ عُنْصُرَ طَمْأَنَةٍ لَا عُنْصُرَ فَزَعٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا لَا مُرْجِفًا.
وَمِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ كَذَلِكَ التَّعَاوُنُ مَعَ رِجَالِ الْأَمْنِ، وَاتِّبَاعُ التَّعْلِيمَاتِ، وَالِابْتِعَادُ عَنْ مَوَاقِعِ الْأَحْدَاثِ، وَعَدَمُ التَّجَمْهُرِ أَوِ الْفُضُولِ؛ فَهَؤُلَاءِ الرِّجَالُ يَسْهَرُونَ لِحِفْظِ أَمْنِ الْبِلَادِ، وَيُعَرِّضُونَ أَنْفُسَهُمْ لِلْمَخَاطِرِ مِنْ أَجْلِ سَلَامَةِ الْمُجْتَمَعِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ الْقَلْبِ حَسَنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، بَعِيدًا عَنِ التَّشَاؤُمِ وَالْمُبَالَغَاتِ فِي نَشْرِ الْخَوْفِ وَالذُّعْرِ.
فَلَيْسَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ نَشْرُ الْفَزَعِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَنْهَى عَنِ الطِّيَرَةِ وَالتَّشَاؤُمِ.
وَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْتَارُ لَهُ إِلَّا الْخَيْرَ، وَأَنَّ مَا يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ»
فَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ.
فَلَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَعِيشَ أَسِيرَ الْأَخْبَارِ وَالْقَلَقِ، بَلْ يَعِيشُ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رَبِّهِ، آخِذًا بِالْأَسْبَابِ، عَالِمًا أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِكُلِّ خَبَرٍ، وَالِانْشِغَالَ بِكُلِّ حَادِثَةٍ، وَإِضَاعَةَ الْأَوْقَاتِ فِي الْقِيلِ وَالْقَالِ، لَيْسَ مِنْ مَنْهَجِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»
فَاشْتَغِلُوا بِمَا يَنْفَعُكُمْ مِنْ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَبِنَاءٍ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ وَيَجْلِبُ الْخَيْرَ وَيَحْفَظُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ اجْتِمَاعَ الْقُلُوبِ، وَوَحْدَةَ الصَّفِّ، وَالْوُقُوفَ خَلْفَ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَالتَّعَاوُنَ مَعَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ فِي حِفْظِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ.
فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ يَكُونُ عَوْنًا عَلَى الْخَيْرِ، عُنْصُرَ طَمْأَنَةٍ فِي مُجْتَمَعِهِ، بَعِيدًا عَنِ الشَّائِعَاتِ، بَعِيدًا عَنِ الْإِرْجَافِ، مَشْغُولًا بِمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
ثُمَّ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَأَفْضَلِ الطَّاعَاتِ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
_________________________________________
الكاتب: أسامة بن سعود عبد الله التميمي
- التصنيف: