رؤى العيد في قَوَافِي الشُّعراء

منذ 5 ساعات

فَرْحَةُ   الْعِيدِ    السَّعِيدِ    تَبَدَّتْ        كَالنَّدَى  كَالنَّعِيمِ   فِي   النَّعْمَاءِ فَرْحَةٌ    تَمْلأُ    الْوُجُودَ    تحايا        وَشُعورًا     مُقَدَّسًا      لِلسَّمَاءِ

 

محمد شلال الحناحنة - موقع الألوكة
 
قراءات في الأدب السعودي المعاصر
[رؤى العيد في قَوَافِي الشُّعراء]

لِمَ تصبح أعيادُنا بُكائِيَّات يَعْزِفُها الشعراء؟! ولِمَ تأتِي حروفُ العيد مُثْخَنَة بالجِرَاح؟! ولِمَ تكون كلمات أَهَازِيجِنَا مخنوقةً؟! أليس العيد رمزًا للفرح والسعادة، وشكر الله وحمده على توفيقه لنا في الطاعاتِ؟! فلِمَ يخيِّم الحزن على قصائد شُعرائنا؟! هذه الأسئلة أَلَحَّتْ على مشاعِري في قراءتي لقصيدة (العيدُ جاء) للشاعر السعودي محمد الأحمدي، وقد كرر العنوان؛ ليَغْدُوَ لازمةً في خمسةِ مقاطع من مقاطعها السبعةا، ولا شكَّ أن العنوان قبل تقديم الفاعل الذي أضحى مبتدأً، هو (جاء العيد)، ولم يكن التقديم إلا لاستحضارِ هذا الحدث العظيم بكل مَبَاهِجِه وآلامِه!
الْعِيدُ جَاءْ
لِكِنَّ طِفْلاً لَمْ يَزَلْ
يَبْكِي لِفَقْدِ أُبُوَّةٍ مَدْفُونَةٍ فِي بَيْتِهِ
ذَاكَ الْمَسَاءْ
خَطَفَتْ قُوَى الْعُدْوَانِ بَسْمَتَهُ الصَّغِيرَةَ ،
غَيْرَ أَنَّ شُمُوخَهُ عِنْدَ السَّمَاءْ
وَعَلَى رَوَابِي الْقُدْسِ تَشْدُو لَحْنَهَا الأَطْيَارُ
تَحْلُمُ أَنْ تَرَى الأَقْصَى طَلِيقًا فِي رَخَاءْ!

أي عيد يُقْبل والطفل يفقد أُبُوَّته المدفونة؟! أي عيد هذا وقُوى العدوان تخطف البسمات الصغيرة؟! إن شاعرنا الأحمدي يحس بقدوم؛ ولكنه يتألم كثيرًا حين يرى أطفال فلسطين يدفنون آباءهم، وأطيار الأقصى مسجونة، تحلم أن تكون طليقةً في رخاء! إذن للعيد معنى آخر لدى شاعرنا الأحمدي هو معنى الحرية، وعزة الأمة على أعدائها، وليس العيد ملابسَ جديدة، أو حلوى فاخرة، أو بَهْجَة على أَنَّات الجَرْحَى من المسلمينَ!! ولذلك ينقلنا إلى الصورة المقابلة صورة المُجَاهدة، والمصابرة، ومُقارَعَة الأعداء، صورة الإيمان الصادق، هكذا هو العيد كما يراه الشاعر:
الْعِيدُ جَاءْ
وَمَآذِنُ الإسْلامِ تَصْدَحُ بِالتِّلاوَةِ وَالدُّعَاءْ
وَمُجَاهِدٌ لِلَّهِ يَرْفُضُ أَنْ يَعِيشَ عَلَى الْمَهَانَةِ
أَوْ يُدَنِّسُ أَرْضَهُ الإفْرِنْجُ أَحْفَادُ الْبِغَاءْ
فَمَضَى يَدُكُّ عُرُوشَهُمْ
وَيُذِيقُهُمْ كَأْسَ الرَّدَى
وَسِلاحُهُ الإيمَانُ
يَدْفَعُهُ الإِبَاءْ!

هذا الشعر يتفتح من خلال السهولة لا الغُموض، يُخاطب ثُلَّة من المجاهدينَ القابضِينَ على دينهم والزِّناد، يُبَشِّر بالنصر بالرغم من جِراحنا المثْخَنَة، وبالرغم من كثرةِ الأعداء، ونُكُوص الأحبابِ والأصدِقاء، لذا تَنْحُو القصيدة إلى بُؤَرٍ مُضيئة، تبث الأمل مكان الشَّجَن.
أمَّا الشاعر سالم بن زُرَيْق بن عوض، فإنَّ للعيد لديه طعمًا خاصًّا، وهو بهجته حين يكون شذى الرّوح، وفرحة تملأ الكون تحايا، ولذلك يربطه في استعاراته، وتَشبيهاته بالطبيعة الساجدة لله من خلال حقل لُغَوِي ينهَل من أَنْدائِهَا، وعطاءاتها، ونعيمها؛ ولذلك يقول في قصيدته المنشورة في ديوانه: "شيء من الروح"، والتي بعنوان: "فرحة العيد":

كَانْبِثَاقِ  الصَّبَاحِ  فِي   الأَرْجَاءِ        كَالشَّذَى كَالنَّسِيمِ فِي الْخَضْرَاءِ
كَالْهَنَاءِ  الْعَمِيمِ  يَقْتَحِمُ  الرُّوحَ        وَيُلْقِي  السُّرُورَ   فِي   الأَحْشَاءِ
كَالْوَلِيدِ  الْوَلِيدِ  يَشْدُو  مَعَ   الْ        فَجْرِ          تَحِيَّةَ          الآبَاءِ
كَالرَّبِيعِ  البَدِيعِ  يَخْتَصِرُ  الْعُمْرَ        وَيَذْرِي   الرَّبِيع    فِي    الْبَيْدَاءِ
فَرْحَةُ   الْعِيدِ    السَّعِيدِ    تَبَدَّتْ        كَالنَّدَى  كَالنَّعِيمِ   فِي   النَّعْمَاءِ
فَرْحَةٌ    تَمْلأُ    الْوُجُودَ    تحايا        وَشُعورًا     مُقَدَّسًا      لِلسَّمَاءِ

وتأتي وقْفَتنا الأخيرة مع شاعرنا الكبير عبدالرحمن العشماوي، الذي يبث مشاعره بقلب مَكْلُومٍ حزين، فيحْزننا معه في قصيدته النازفة: "غِبْ يا هلال":-
غِبْ يَا هِلالْ
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ قَهْرَ الرِّجَالْ
قِفْ مِنْ وَرَاءِ الْغَيْمِ
لا تَنْشُرْ ضِيَاءَكَ فَوْقَ
أَعْنَاقِ التِّلالْ
غِبْ يَا هِلالْ
إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يُصِيبَكَ
حِينَ تَلْمَحُنَا الْخَيَالْ
أَنَا يَا هِلالْ
أَنَا طِفْلَةٌ عَرَبِيَّةٌ فَارَقْتُ
أُسْرَتَنَا الْكَرِيمَةْ
لِي قِصَّةٌ دَمَوِيَّةُ الأَحْدَاثِ بَاكِيَةٌ أَلِيمَةْ
أَنَا يَا هِلالْ
أَنَا مِنْ ضَحَايَا الاحْتِلالْ

هذا هو العيد لدى شاعرنا عبدالرحمن العشماوي، إنه العيد الذي يَغْدُو قصة طفلة مسلمة باكية متألّمة في فِلَسْطين! هكذا تَتَشَظَّى الذَّاتُ الإسلاميَّة عنده إلى مزيد من الجِرَاح والآلام؛ لكنَّها المعاناةُ والأحزان والفجائع التي تُحَرِّضُنا على الفعل، وتمضي بنا إلى ذاك التفاؤل في مُخَاطَبَة الروح المُحَلِّقَة الأبيَّة للضَّيْم:
غِبْ يَا هِلالْ
وَاطْلُعْ عَلَيْنَا حِينَ يَبْتَسِمُ الزَّمَنْ
لا تَأْتِ بِالْعِيدِ السَّعِيدِ
مَعَ الأَنِينْ
أَنَا لا أُرِيدُ الْعِيدَ
مَقْطُوعَ الْوَتِينْ
أَتَظُنُّ أَنَّ الْعِيدَ فِي حَلْوَى
وَأَثْوَابٍ جَدِيدَةْ
أَتَظُنُّ أَنَّ الْعِيدَ تَهْنِئَةٌ فِي جَرِيدَةْ

إِنَّ دلالة العيدِ في ذاكرة العَشماوي الشعرية تأخُذُ أبعادًا عميقة تتخَطَّى السعادة الحسيَّة والمظاهر الدُّنيوية البَرَّاقة، إنها تتعدَّى ذلك إلى رُؤًى معنوية، إلى بعث طاقة عِزٍّ للإسلام، وفَرَحٍ حقيقيٍّ بالنصر على أعداء الله أينَما وُجِدُوا! وهل من مَرح وفرح في العيد مع الأَنِين؟! أَنَّى يكون العيد وبراعم الأقصى ثَكَالى وجائِعُون؟ من هنا يُشْعِل الشاعر جراحنا النازفة بكثير من الصور الساخرة المُؤْلِمَة، فهل يُوقِظُنا ذلك؟!  
عِيدٌ سَعيدٌ يَا صِغَارْ
وَبَرَاعِمُ الأَقْصَى عَرَايَا جَائِعُونْ
وَالطِّفْلُ فِي لُبْنَان يَجْهَلُ مَنْشَأَهْ
وَاللاَّجِئُونَ يُصَارِعُونَ الأَوْبِئَةْ

تنهض القصيدة هنا من خلال الجملة الاسمية؛ لاستحضار الهَمِّ الكبير عن الأمة، ونرى العشماوي ينفذ إلى بعض جزئياته في القُدْس الشريف ولبنان، وقد وُفِّقَ الشاعر في استقراءِ أشْجَان الطفولة؛ لما للأعياد من مَعانٍ بريئة دافئةٍ بل صغيرةٍ كبيرةٍ لدى الأطفال!
غِبْ يَا هِلالْ
أَنَا مَنْ وُلِدْتُ
وَفِي فَمِي ثَدْيُ الْهَزِيمةْ
شَاهَدْتُ يَوْمًا عِنْدَ مَنْزِلِنَا
كَتِيبَةْ
فِي يَوْمِهَا كَانَ الظَّلامُ مُكَدَّسًا
مِنْ حَوْلِ قَرْيَتِنَا الْحَبِيبَةْ
فِي يَوْمِهَا
سَاقَ الْجُنُودُ أَبِي
وَفِي عَيْنَيْهِ أَنْهَارٌ حَبِيسَةْ
وَتَجَمَّعَتْ تِلْكَ الذِّئَابُ الْغُبْرُ
فِي طَلَبِ الْفَرِيسَةْ
وَرَأَيْتُ جُنْدِيًّا يُحَاصِرُ جِسْمَ وَالِدَتِي
بِنَظْرِتِهِ الْمُرِيبَةْ
مَا زِلْتُ أَسْمَعُ يَا هِلالْ
مَا زِلْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ أُمِّي
وَهْيَ تَسْتَجْدِي الْعُروبَةْ

إذن هي طفولة بائسة، طفولة محاصرة في هذا العيد بدبابات الاحتلال، وقَمْع جُنوده، طفولة تُواجِهُ ذئابًا بشرية حاقِدة من اليهود، طفولة تستغِيثُ بالأمة الغافِلة، فتعجب كيف تُصْغِي لموسيقى الفرح، وتَرَانِيم المَرَح؟!

أما عيدنا الحقيقي؛ كما يراه شاعرنا عبدالرحمن العشماوي، فهو الذي يَعْبَق بشذا النصر يوم تكون الأمة قد اتَّحَدَتْ على دين الإسلام، ومن هنا يكون هلال العيد رمزًا منيرًا زاخرًا بنضارة الحُلْم القادم بالرغم من المواجع القديمة الجديدة، فيُخاطِبه بأسلوب طَلَبِي يقطف أزهارَ التفاؤُل والإشراق!
اطْلُعْ عَلَيْنَا بِالشَّذَا
بِالعِزِّ بِالنَّصْرِ المُبِينْ
اطْلُعْ عَلَيْنَا بِالْتِئَامِ الشَّمْلِ
بَيْنَ الْمُسْلِمِينْ
هَذَا هُوَ الْعِيدُ السَّعِيدْ
وَسِوَاهُ لَيْسَ لَنَا بِعِيدْ
غِبْ يَا هِلاَلْ
حَتَّى تَرَى رَايَاتِ أُمَّتِنَا
تُرَفْرِفُ فِي شَمَمْ
فَهُنَاكَ عِيدٌ
أَيُّ عِيدْ
وَهُنَاكَ يَبْتَسِمُ الشَّقِيُّ
مَعَ السَّعِيدْ!!