صاحب الرجل المقطوعة

منذ 11 ساعة

من منا في هذا الزمن العجيب الغريب يفعل ما فعله عروة بن الزبير -رضي الله عنه- إنه الغراس الذي ملأ قلبه حُبًّا الله تعالى واتباعًا ومتابعة للرسول ﷺ ممثلا في إقامته لصلاته حقا، مما جعله يصبر على الألم والأنين!

كان عروة بن الزبير بن العوام -رضي الله عنه-  مضرب المثل في خشوعه، وكمال صلاته، وحرصه على ترتيب أوقاته كلّها بناء على أوقات الصلوات، كان صاحب بستانين كبيرين، وثروة مالية جيدة، وصاحب تجارة، ومع ذلك فقد كان يُسابق المؤذن إلى المسجد؛ لأنه بنى برنامج حياته على ذلك ...
قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبا موقوتا} [النساء : ١٠٣]. كان عروة إذا استغرق في صلاته نسي كل ما يدور حوله، «وهذه هي حقيقة وروح ولب الصلاة»، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمنون: ٢].

وكانت النتيجة: حياة مستقرة وبركة ومالا وبنين وحدائق وبساتين.. قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ٢].

فقد كان من كبار المتصدقين، المنفقين كان يطعم أهل مكة من فواكه بساتينه، وكان رجلا اجتماعيًا منتجا نافعا للناس.

ومرت الأيام وإذا بعروة بن الزبير يشكو ألما في إحدى رجليه، وصبر على الألم حتى إذا جاوز حد الصمت، وبعد أيام وقف الطبيب أمام الخليفة، وقال: لقد تمكنت الآكِلَة من رجل عروة ولا مناص من بترها..
فلما سمع عروة بالأمر.. رفع بصره إلى السماء، ثم التفت إلى الخليفة قائلا: لا نقابل قضاء الله إلا بالشكر.. قالوا له: لابد من أن نسقيك خمرا حتى يغيب وعيك حينما تقطع رجلك، قال: لا والله ما شربتها ولن أشربها أبدًا..
قالوا: ماذا نصنع؟
قال عروة: دعوني أصلي، فإذا استغرقت في صلاتي ومناجاتي لربي فافعلوا بها ما تشاؤون...
وحلق عروة في آفاق الروح حينما وضع جبهته على الأرض ساجدا لرب السماء، إنها الهيئة التي يكون فيها المسلم قريباً من ربه عَزَّوَجَلَّ، فقد أخبر الرسول حينما قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».

وقطعوا رجل عروة دون أن يسمعوا منه آهات الشكوى، فلما وضعوا عليها القطران الساخن ليتوقف الدم غاب عن الوعي.. (١).
آه ثم آه ...
من منا في هذا الزمن العجيب الغريب يفعل ما فعله عروة بن الزبير -رضي الله عنه- إنه الغراس الذي ملأ قلبه حُبًّا الله تعالى واتباعًا ومتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ممثلا في إقامته لصلاته حقا، مما جعله يصبر على الألم والأنين!

أرأيتم كيف تغرس الصلاة في القلب الإيمان والإحسان والتقوى..
أرأيتم كيف تغرس الصلاة في القلب صدق التوكل على الرحمن...
أرأيتم كيف تغرس الصلاة في القلب السكينة والثبات واليقين..
أرأيتم كيف تغرس الصلاة في القلب التعظيم الله رب العالمين..
إذا لم نستطع ترك الدواء والبحث عن العلاج، لضعف إيماننا وقلة حيلتنا في زمن المغريات والمتغيرات، فلنصدق مع ربنا في صلاتنا، ولنتعلم كيف نكون صادقين مخلصين في صلاتنا !

-الصلاة واحدة لم تتغير في هيئتها وأركانها وواجباتها، الصلاة التي صلاها عروة وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.. هي التي نصليها اليوم تماما، لكن الذي اختلف وتغير هو الغراس الذي غُرس في القلوب من المحبة والرجاء والخشية والإحسان والإيمان وحسن الظن وصدق التوكل والإنابة والتوبة وتفويض الأمر والثقة بالله واليقين بما عنده من أجر وثواب عظيم!
اللهم لا تحرمنا فضلك وعفوك ورحمتك، وأنت أرحم الراحمين.

_________________

(1) الطريق إلى الاستقرار - للعشماوي.
_____________________
المصدر: ماذا غرست الصلاة في قلوبنا - للمؤلف: فيصل بن سعيد الزهراني.