جحيم الموظف.. فردوس العاطل
وتبقى الحقيقة الماثلة أمام أعين المعتبرين أن هذه المتاعب ذاتها، والمهام التي تفيض بها أشداقهم تذمرًا، تمثل غاية أمنيات المحرومين، ومحط دعوات العاطلين المتهجدين في الأسحار طمعًا في نيل شطرها.
من الأشياء التي تتكرر كثيرًا في مجالس الناس اليوم أنك إذا جلست مع أصحاب مهن مختلفة، وجدت كل واحد منهم يتحدث عن مجاله وكأنه الثغر الأعظم، إذ يتولد لدى أرباب الصنائع، نتيجة الغوص الطويل في الجزئيات، تضخم هائل في محورية أدوارهم، وأن تقويم اعوجاجها هو البذرة الأولى لإصلاح المجتمعات قاطبة.
فتجد المهندس غارقًا في لجة المخططات والقياسات يجزم أن إرساء القواعد المادية هو طوق النجاة، والطبيب مكبلًا بين المشرط والسماعة يقطع بأن مداواة الأبدان هي منطلق النهضة، والقانوني محاصرًا بنصوص التشريعات ومرافعات الخصوم يؤكد أن فك اشتباكات الحقوق هو ذروة السنام، والمعلم مطمورًا تحت ركام الدفاتر يقرر أن صقل العقول هو الركيزة الأوحد، والإداري مأخوذًا بهوس اللوائح والتعاميم يرى حوكمة الإجراءات شريان الحياة النابض.
ويتوحّد هؤلاء جميعًا في بث تباريح الشكوى المريرة، وإظهار التسخط البالغ من وطأة هذه الأعمال التي اغتالت أحلامهم القديمة وناءت بهم عن معانقة طموحاتهم البكر، مبدين تأوهًا متصلًا من ضغوطها الساحقة.
وتبقى الحقيقة الماثلة أمام أعين المعتبرين أن هذه المتاعب ذاتها، والمهام التي تفيض بها أشداقهم تذمرًا، تمثل غاية أمنيات المحرومين، ومحط دعوات العاطلين المتهجدين في الأسحار طمعًا في نيل شطرها.
________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء
- التصنيف: