وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

منذ 6 ساعات

ورد قوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} في ثلاث مواطن من القرآن الكريم؛ في سورة الأعراف، وهود، والقصص. والعامل المشترك بينها، أنها أرشدت إلى الحل في مواجهة مختلف الصعوبات التي تحارب الدعوة إلى الله.

ورد قوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} في ثلاث مواطن من القرآن الكريم؛ في سورة الأعراف، وهود، والقصص. والعامل المشترك بينها، أنها أرشدت إلى الحل في مواجهة مختلف الصعوبات التي تحارب الدعوة إلى الله. 
أولها: في مواجهة فرعون:
ذكر الله تحريض الملأ من قوم فرعون على نبي الله موسى -عليه السلام- ومن معه، فقالوا لفرعون: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف: 127 
وهذا من البلاء العظيم الذي ابتلي به موسى ومن معه. فأوحى الله إلى موسى -عليه السلام- كيف يواجه هذا البلاء، فقال موسى لقومه: 
{اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف: 128 
قد يستغرب البعض أن يكون العلاج لمواجهة فرعون، هو الاستعانة بالله والصبر!
قال الرازي رحمه الله عظم هذا التوجيه: (فَهَهُنَا أَمَرَهُمْ بِشَيْئَيْنِ وبشرهم بشيئين. 
أما اللذان أَمَرَ مُوسَى -عليه السلام- بِهِمَا:
فَالْأَوَّلُ: الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى. 
وَالثَّانِي: الصَّبْرُ عَلَى بَلَاءِ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ أَوَّلًا بِالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا مُدَبِّرَ فِي الْعَالَمِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْوَاعُ الْبَلَاءِ، وَلِأَنَّهُ يَرَى عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ أَنَّهُ إِنَّمَا حصل بقضاء تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ. وَاسْتِعْدَادُهُ بِمُشَاهَدَةِ قَضَاءِ اللَّهِ خَفَّفَ عليه أنواع البلاء.
وأما اللذان بَشَّرَ بِهِمَا:
فَالْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ} وَهَذَا إِطْمَاعٌ مِنْ مُوسَى -عليه السلام- قَوْمَهُ فِي أَنْ يُورِثَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَرْضَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إِهْلَاكِهِ. وَذَلِكَ مَعْنَى الْإِرْثِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ لِلْخَلَفِ بَعْدَ السَّلَفِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: ‌{وَالْعاقِبَةُ ‌لِلْمُتَّقِينَ} فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَمْرُ الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَمْرُ الدُّنْيَا فَقَطْ وَهُوَ: الْفَتْحُ وَالظَّفَرُ وَالنَّصْرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. 
وَقَوْلُهُ: {لِلْمُتَّقِينَ} إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى وَخَافَهُ، فَاللَّهُ يُعِينُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).  (تفسير الرازي 14/ 342).
وتقوى الله المطلوبة بينها ابن جرير الطبري رحمه الله فقال: ({وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، يقول: والعاقبة المحمودة لمن اتقى الله وراقبه، فخافه باجتناب معاصيه وأدَّى فرائضه). (تفسير الطبري 13/ 42)
فمواجهة الطغاة في الأرض تحتاج إلى استعانة بالله، وإلى تقوى الله، باجتناب نواهيه، وأداء أوامره.

ثانيها: في مواجهة المعارضين لدعوة الإسلام: 
في قصة نوح -عليه السلام-، المعارض للدعوة لدين الله هم المجتمع بأكمله، فصبر عليهم نوح -عليه السلام- 950 سنة وهو يدعوهم للتوحيد، لكنهم رفضوا، وأصروا على عبادة الأصنام، فأغرقهم الله عز وجل ونصر نبيه نوح -عليه السلام-. 
بعدها قال الله عز وجل لنبينا محمد ﷺ: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]. 
قال ابن عطية رحمه الله: (أي هذه من الغيوب التي تقادم عهدها ولم يبق علمها إلا عند الله تعالى، ولم يكن علمها أو علم أشباهها عندك ولا عند قومك، ونحن نوحيها إليك لتكون لك هداية وأسوة فيما لقيه غيرك من الأنبياء، وتكون لقومك مثالا وتحذيرا، لئلا يصيبهم إذا كذبوك مثل ما أصاب هؤلاء وغيرهم من الأمور المعذبة.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا المعنى ظهرت فصاحة قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}، أي فاجتهد في التبليغ وجد في الرسالة واصبر على الشدائد واعلم أن العاقبة لك كما كانت لنوح في هذه القصة). (المحرر الوجيز 3/ 179).

وقال البغوي رحمه الله: {فَاصْبِرْ} عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَمَا تَلْقَى مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ كَمَا صَبَرَ نُوحٌ، {إِنَّ الْعَاقِبَةَ} آخِرَ الْأَمْرِ بِالسَّعَادَةِ وَالنُّصْرَةِ {لِلْمُتَّقِينَ}. (تفسير البغوي 4/ 182)
فوجهنا الله سبحانه بهذه الآية إلى مواجهة المجتمع المعارض والمحارب لدين الله، بالصبر واستمرارية الدعوة إلى الله، وتبليغ أمره للناس كافة.

ثالثها: في مواجهة المستكبرين في الأرض:  
لما ذكر الله عز وجل قصة قارون، وما آل إليه أمره وأمر من تمنوا أن يكونوا مثله، قال معقبا على القصة: 
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص: 83 
قال السعدي رحمه الله: (رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ} التي أخبر الله بها في كتبه وأخبرت بها رسله، التي قد جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، {نَجْعَلُهَا} دارا وقرارا {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا} أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد الله، والتكبر عليهم وعلى الحق {وَلا فَسَادًا} وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد الله، والانقياد للحق والعمل الصالح.

وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: {وَالْعَاقِبَةُ} أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى الله تعالى، وغيرهم -وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة- فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب). (تفسير السعدي ص624)
وفي كل مجتمع يوجد هذا الصنف من المستكبرين الذين يخططون لمحاربة الإسلام وأهله.  
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] 
قال السعدي رحمه الله أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم، بالقول والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم، لأنهم يمكرون، ويمكر الله والله خير الماكرين.

وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم، يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم، ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم وظهورهم، ‌والعاقبة ‌للمتقين). (تفسير السعدي ص272).

فيا ترى كيف نستفيد من هذا الوعد في تعاملنا مع هذه الحرب الأمريكية الإيرانية؟

أولا: أمريكا واليهود بلغ بهم الاستكبار مبلغه، حتى قالوا: من أشد منا قوة، فأيقنا أن هذا أوان هلاكهم، وتفككهم.
ثانيا: النظام الإيراني حارب أهل السنة والجماعة في داخل إيران، فقتل العلماء، وعلقهم على المشانق أمام الناس، ومنع من بناء مساجد لأهل السنة في العاصمة، وجبر الناس على التشيع في كثير من المناطق، وصدهم عن دين الله. وسنة الله ماضية فيمن حارب دينه، وطعن في عرض نبيه، وكفر الصحابة. فسلط الله عليهم من هو أظلم منهم.
ثالثا: تقوى الله تستلزم منا الصبر على منهج أهل السنة والجماعة، والدعوة إليه، وعدم مداهنة أهل الباطل، من هذه الأمة أو من غيرها، أفرادا كانوا، أو جماعات. 
رابعا: النصر متحقق -بإذن الله- لمن اتقى بأي صورة من الصور، قال البغوي رحمه الله: {وَالْعَاقِبَةُ ‌لِلْمُتَّقِينَ} بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ. وَقِيلَ: السَّعَادَةُ وَالشَّهَادَةُ. وَقِيلَ: الْجَنَّةُ). (تفسير البغوي 3/ 267).

___________________________________________

وكتبه: د. عادل حسن يوسف الحمد