هدي الإسلام في إتقان الصنعة

منذ 14 ساعة

العناصر الأساسية:  العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى العمل المتقن.  العنصر الثاني: إتقان الصنعة صفة الخالق العظيم.  العنصر الثالث: وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أدعى لإتقان العمل.


أيها الإخوة الكرام :علي عهد النبي صلي الله عليه وسلم مات أحد أصحابه ..
فقام إليه المسلمون فجردوه وغسلوه وكفنوه وطيبوه وجهزوه ثم احتملوه إلي مصلي الجنائز فجعلوه بين يدي النبي صلي الله عليه وسلم فصلي عليه النبي ومن معه من المسلمين ثم حملوه إلي البقيع .. حيث مقابر المسلمين .

فلما وصلوا إلي القبور وضعوه عن أعناقهم ونزل أحدهم فحفر له قبره ولحده فلما هموا أن ينزلوه في اللحد نظر النبي فإذا اللحد غير مستو فجعل يقول سووا لحد هذا .. 
فعجب الناس لذلك !! وظنوه سُنة !!
فقال النبي أما إن هذا لا يضره ولا ينفعه ولكن الله تعالي يحب من العامل إذا عمل عملا أن يحسنه .. أو كما قال عليه الصلاة والسلام ..

أيها الإخوة الكرام:
 اليوم موعدنا بعون الله تعالى لنتحدث عن الإتقان وإن شئت فقل نتحدث عن الإحسان وإن شئت فقل نتحدث عن أداء العمل دينيا كان هذا العمل أو دنيويا على صورة ترضى الله وترضى رسوله وترضى صالح المؤمنين ..

يكفى أخى أن تعلم أن إتقان الصنعة صفة الحكيم العليم سبحانه وتعالي وأن الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه 
هذا نقوله لمن يُعلم الناس ونقوله لمن يُصلي بالناس ونقوله لمن يُداوي الناس ونقوله لمن يَحكم بين الناس «(إن الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه) »
هذا نقوله لكل من يُعني بقضاء مصالح الناس ونقوله لمن يَخدم الناس بصنعته وحرفته أيا كانت حرفته وصنعته ..
«( إن الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه ) »
نقول للجميع إن الصنعة في يديك أمانة وأداء الأمانة أن تخرج الصنعة من تحت يديك متقنه..

 ولله المثل الأعلى في السموات والأرض..
 الصانع الأول سبحانه وتعالى قد أتقن وأحسن كل شيء خلقه {(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ )

حين نتكلم عن إتقان العمل أيها المؤمنون فنحن نتكلم عن سبب أمرنا أن نأخذ به تُعَمّرُ به الأكوان ويَسعد ببركته الإنسان ويرضى به الكريم المنان سبحانه وتعالى 
سبق وعلمنا أيها المؤمنون أن الله لا يتقبل من عبد عملاً إلا إذا كان هذا العمل موافقاً لهدى النبى محمد صلى الله عليه وسلم وكان خالصاً لوجه الله تعالى ..

أقول وفيما أحسب لا يكون العمل خالصاً ومقبولاً إلا إذا أداه العبد على وجه محمود من الإتقان والإحسان ..

حين يغيب الإحسان وحين يغيب الإتقان أيها المؤمنون عن عمد عن عمل دين أو عن عمل دنيا فإن الله تعالى لا يتقبله ..
وقد ورد فى الصحيح «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً يُصَلِّى يَوْمًا وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا فَرَغَ الرَّجُلُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ النبى وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ ، ثم أمر النبى ذلك الرجل فقال ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ الرجل فَصَلَّى من جديد  ثُمَّ جَاءَ لما فرغ منها سَلَّمَ عَلَى النَّبِىِّ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ . فَرَجَعَ الرجل فَصَلَّى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولُ اللَّهِ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ مَا تَرَى فَعَلِّمْنِى كَيْفَ أَصَلِّى؟  فعلمه النبى  فَقَالَ لَهُ يا فلان إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثُمَّ كَبِّرْ ، فَإِذَا اسْتَوَيْتَ قَائِمًا قَرَأْتَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَرَأْتَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَكَعْتَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا وَتَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ تَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَاعِدًا ثُمَّ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِى صَلاَتِكَ كُلِّهَا » »

هذا الحديث يعرف بحديث المسئ فى صلاته رده النبى مراراً لأنه لم يكن يحسن صلاته ولم يكن يتقنها ..

فى كل ما تقع عليه العيون أيها المؤمنون بدءًا من خلق السموات والأرض ومن خلق الإنسان ومروراً بخلق الحجر والشجر وعطفاً على خلق الهوام والأنعام كلها آيات باهرات أتقن الحكيم صُنعها وأحكمها أيما إحكام ..

وفى الحديث : «أن الله تعالى لما خلق الأرض جعلت تميد وتكفأ فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم إذا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»  ..

خلق الله ابن آدم وصوره فأحسن صورته :
*************
خلق الله ابن آدم وصنعه على عينه وأتقن الحكيم صنعته 
وقبل أن يهبط الله بآدم إلي الأرض هيئ الله له علي الأرض كل أسباب الحياة ..
بسط له الأرض وشق له البحار وأجري له الأنهار وأنبت له الزرع والثمار وسخر له الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر له الشمس والقمر وسخر له الليل والنهار وأنزل له من السماء ماءًا مباركاً ..

قال عبد الله بن عمر كنت أعجب من جرأة عبد الله بن عباس على القرآن حتى جائنى رجل يسأل عن قول الله تعالى { (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا )} فقال ابن عمر اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك فذهب الرجل إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس نعم كانت السموات رتقًا لا تمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تنبت.

فلما خلق للأرض أهلاً فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علمًا صدق هكذا كانت . كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علمًا ..

هذا خلق الله تعالى من حولنا أيها المؤمنون :
*************
فيه شواهد ناطقات بأن الإتقان والإحسان والإبداع والدقة هي طريق البقاء لكل من أراد البقاء على وجه الأرض.. 
الإتقان والإحسان والإبداع والدقة هي طريق النجاح والفلاح لكل من أراد أن ينجح ويفلح ..
أما الإهمال، والتفلت، والتهرب، وعدم مراعاة الضمير فلن يثمر إلا دماراً وركوداً وكساداً.. 

رسالة اليوم إلى كل واحدٍ منا.. 
إن كنتمزارعاً، إن كنت حرفياً،إن كنت معلماً، إن كنت مربياً، إن كنت مهندساً، إن كنت طبيباً..  «(إن الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه) »

نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا 

الخطبة الثانية: 
ورد في الصحيح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : «بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ، قَالَ : " أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ ؟ " قَالَ : هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : " فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ". قَالَ : كَيْفَ إِضَاعَتُهَا ؟ قَالَ : " إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ "» .

أيها الإخوة الكرام بقى لنا فى ختام الحديث عن الإتقان أن نقول إن لله تعالى فى خلقة سنة لا تتبدل ولا تتغير سنة تقول من جد وجد ومن زرع حصد ..

إذا وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب كان الطريق لأن تخرج أعمالنا مُحسّنة متقنة أيسر وأسهل ..
 
ربنا سبحانه يدعونا إلى احترام التخصص فى الأمور كلها..
 يُسأل الأطباء عن العلل والأمراض.. 
يسأل المزارع عن الحرث والزرع.. 
يسأل العالم عن الدين والفقه..
يسأل صاحب كل صنعة عن صنعته.. 
 يسأل كل صاحب حرفة عن حرفته.. 
أمرنا الله تعالى بذلك فقال {(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) }

لما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبنى رسول الله مسجده تشاور مع الصحابة فى وسيلة يعلمون أنفسهم من خلالها بدخول أوقات الصلاة ..

 بعض الصحابة اقترح جرساً واقترح غيره بوقاً فكره رسول الله أن يتشبه المسلمون بغير المسلمين فلما رأى عبد الله بن زيد الأذان فى منامه فرح به وقصه على رسول الله، وأقره عليه رسول الله فلما حان وقت الصلاة وهمّ عبد الله بن زيد أن يؤذن .. وقيل هم عمر بن الخطاب أن يؤذن قال النبى لقن الأذان لبلال وبلال يؤذن ...  لماذا بلال ؟

لأن بلالا أندى صوتاً من عبد الله بن زيد ولأن صوت بلال أجمل من صوت عمر وأداءه أحسن وأتقن من غيره  ..

إن من أشد الأسباب التى أخرتنا وأهدرت ثرواتنا وبددت قدراتنا وجود نوعية من الناس لا يراقبون الله فى أعمالهم ولا يحسنون ولا يتقنون إذا عهد إليهم بعمل وقد حسمها الحكيم العليم فقال {( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ )} ..

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح أحوالنا وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.