الخطيب وفقه الطوارئ

منذ 2026-04-29

فهنا تبرز موهبة الخطيب وقدرته على استغلال الحدث الجلل في التأثير على الناس وإيقاظ قلوبهم وشحذ هممهم للاستعداد للموت. وهنا يلزم الخطيب الارتجال القوي واستدعاء...

 

الشيخ شريف عبدالعزيز - ملتقى الخطباء


الخطابة باختصار هي فن الإلقاء والقدرة على توصيل المعلومة وتحقيق الهدف. وكلما كان الخطيب بارعاً في الإلقاء، متمكناً من نواصي الكلام، جامعاً بين البلاغة والفصاحة، كان أجدر وأحق بالتأثير وتحقيق أغراضه الخطابية.

غير أن الأمر ليس بالسهولة التي يعتقدها البعض؛ فالخطابة صورة من صور النشاط البشري القائم على التفاعل بين الأطراف، وذلك في إطار زمني ومكاني محدد، لذا فمن الوارد جداً أن تحدث بعض الأمور الطارئة التي لم تكن في الحسبان، وإذا لم يكن الخطيب على دراية بفقه التعامل مع تلك المواقف، واستعداد دائم لكل ما هو مفاجئ وطارئ، فإن النتيجة غالباً ما تكون سلبية وسيئة وربما وصلت إلى حد ضياع الفريضة بالكلية. لذلك فالخطيب في حاجة ماسة وأكيدة لمعرفة فقه الطوارئ وكيفية مواجهة المواقف المحرجة والطارئة والصعبة.

أولاً: فقه الطوارئ

الطوارئ جمع كلمة طارئ أو طارئة. وهي (اسم/نعت) تعني حدث مفاجئ أو غريب غير متوقع، تُستخدم للإشارة إلى الأمور العارضة، المصائب، أو الحالات الاستثنائية، وتكتب الهمزة فيها على ياء لأن ما قبلها مكسور. وأهم مرادفاتها: عارض، مفاجئ، غير متوقع، داهية، مستجد.

وفقه الطوارئ له معنيان: العام ويقصد به المنظومة الفقهية العامة الشاملة التي تهدف لتحقيق التيسير ورفع الحرج في أوقات النوازل والأزمات العامة كالحروب والأوبئة، بالحفاظ على التوازن بين استخدام الرخص واستمرارية المصالح ودرأ المفاسد دون إلغاء ثوابت الشريعة ونصوصها القطعية.

أما المعنى الخاص هنا فيقصد به قدرة الخطيب على التعامل مع الأمور الطارئة أثناء إلقائه للخطبة، وحسن تخلصه من المواقف المحرجة والصعبة دون المساس بأصل الفريضة والحيلولة دون وقوع أحداث مؤسفة بسبب هذه الطوارئ والمستجدات.

ثانياً: أقسام الطوارئ وكيفية التعامل معها

المواقف الطارئة والمحرجة لا تقع على نمط واحد وقسم واحد يشمل جميع الحوادث، ولكنها تتباين فيما بينها، وتختلف درجتها واتساعها وحدتها حسب كل قسم منها، والخطيب الذي يفقه هذا الفقه الهام يستطيع أن يميز فيما بينها، ويحسن التصرف معها والتخلص منها مهما كانت شدتها وخطرها.

ومن أبرز هذه الأقسام وكيفية التعامل معها:

1-الطوارئ التقنية: مثل انقطاع الكهرباء أو تعطل أجهزة الصوت، أو تعطل المراوح وأجهزة التهوية.

هذا الطارئ يتكرر كثيراً في مساجد القرى والبوادي، وفي المناطق الشعبية أو ذات المستوى الضعيف من الدخل، حيث لا يتاح بسهولة صيانة الأجهزة الكهربائية أو استبدالها بالأحدث، كما هو الحال في مساجد المدن الجامعة، لذلك لابد للخطيب في تلك المساجد من استعداد وتدريب دائم على تعطل أجهزة الصوت أو انقطاع الكهرباء، وذلك بسلوك إحدى طريقين: أما بتقوية صوته والتدريب على الخطابة بدون مكبرات صوت، وهذا يحتاج لرفع الصوت وتقويته واجتناب العوامل التي تؤثر على الصوت مثل المثلجات والسكريات، والتدريب على الإلقاء في الأماكن المفتوحة مثل الحدائق أو شاطئ البحر.

والطريق الثاني: اختصار الخطبة وتلخيص مضمونها في عدة نقاط سريعة دون الاستطراد في الاستدلال، وما لا يدرك جله، لا يترك كله.

2-الطوارئ الصحية: مثل التعب المفاجئ للخطيب.

وهذا الطارئ يقع على قسمين: الأول أن يكون التعب المفاجئ شديداً بحيث لا يستطيع إكمال الخطبة، وهنا لا بد من استخلاف الخطيب بغيره، كاستخلاف الإمام لأحد المأمومين.

والثاني أن يكون التعب خفيفاً لا يمنعه من إكمال خطبته، وهنا يتعين على الخطيب الاستعانة بخطبة بديلة تكون عامة تناسب كل المقامات والأحوال، وفي نفس الوقت قصيرة وتؤدي الغرض، لأن التطويل قد يقود لزيادة التعب أو سوء الإلقاء فلا يستفيد أحد من الكلام.

3-الطوارئ النقاشية: مثل اعتراض أحد الحاضرين على شخص الخطيب أو موضوع الخطبة أو استدلالاته.

وهذا القسم تحديداً هو أصعب الأقسام، ويحتاج إلى الهدوء والصبر والثقة بالنفس وعدم الاندفاع في الرد؛ فالمعترضون على الخطيب ليسوا نسيجاً واحداً، وليست غاياتهم واحدة. فالبعض قد يكون مدفوعاً بأغراض غير نزيهة، كأن يكون اعتراضه من باب الحقد والحسد والمكايدة، أو مدفوعاً بتحريض آخرين ممن يريدن إفشال الخطيب والإطاحة به من منصبه، وقد يكون المعترض جاهلاً لم يفهم كلام الخطيب وربما ظنَّ أن الخطيب يقصده هو بعينه بموضوع الخطبة، وقد يكون المعترض متأثراً بالإعلام الذي وضع صورة نمطية سلبية عن الخطباء والدعاة والوعاظ، أو متأثراً بوشاية وأكاذيب راجت عن الخطيب دون بينة، فراح يؤكدها باعتراضه العلني، وقد يكون المعترض صاحب حاجة أو رسول من خلفه بأمر هام، وأخيراً قد يكون المعترض محقاً والخطيب قد وقع في أمر خاطئ تزداد خطورته إذا كانت يتعلق بالعقيدة، فوجب تصحيحه فوراً.

وقبل بيان الأسلوب الأمثل في مواجهة المعترضين، لا بد من معرفة حكم مقاطعة الخطيب أثناء خطبة الجمعة بالكلام أو الحركة. فالكلام يوم الجمعة والخطيب يخطب على المنبر حرام وفاعل ذلك آثم عاصٍ حتى ولو كان كلامه في ذكر الله في تلك الساعة. فالجمعة سكون وسكوت، ويجب أن يخشع المصلي بقلبه وجوارحه لما تشمله من الوعظ والعلم الذي يحتاج إليه الناس، فلا يجوز الحديث حتى ولو كان انشغاله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من أوسع الواجبات المأمور بها حتى ولو كان بكلمة (صه) أو كلمة (انصت) والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت» ".

ولكن إذا عرضت للمصلي حاجة لا يستطيع دفعها كالنعاس أو قضاء الحاجة أو وجع يحتاج فيه إلى حركة وعدم سكون، فليتحول من مكانه ويتحرك في المسجد، والدليل على ذلك حديث: «"إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره "» (رواه أبو داود والترمذي، وزاد البيهقي) و"والإمام يخطب". كما يجوز له أن يصنع ما يباح في الصلاة كإرشاد الأعمى خشية السقوط، أو ما لا بد له من ضرورات الحياة التي قد تؤدي إلى الهلاك أو فوات مصلحة عظيمة كطلب المصلين من الإمام أن يستسقي لهم. فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب فاستقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائماً، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه » …"(رواه البخاري ومسلم).

ويجوز للمأموم أن يصحّح للخطيب آية أخطأ فيها ويفتح عليه إذا احتاج وهو على المنبر، وكذلك يجوز الردّ على الخطيب إذا قرّر الشِّرك والبدعة والمنكر أثناء الخطبة ما لم يؤدِّ ذلك إلى حدوث فتنة أو منكر أشدّ في المسجد، فحينئذ يؤجّل الإنكار إلى ما بعد الخطبة فيقوم ويبيّن، وإذا قال الخطيب كلاماً باطلاً لم يجب الإنصات له كما ورد أنّ بعض السّلف كانوا يتكلمون عندما كان الحجاج الظالم يلعن علياً -رضي الله عنه- على المنبر ويقولون: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.

وبعد هذا البيان، يكون مواجهة الخطيب على المعترضين عليه باستحضار الإخلاص في الردّ، وترك الانتصار للنفس، واستعمال الصبر وكظم الغيظ، والهدوء والتأني في الردّ، ثم يلزمه للردّ عدة أمور:

يلزمه المتانة العلمية وقوة المحاجة لتفنيد الشبهات ودحض الافتراءات وبيان الحق.

يلزمه القدرة على الارتجال، لمواجهة مواضيع شتى قد يلقيها المعترض عليه دفعة واحدة.                            

يلزمه قوة الشخصية والثقة التامة بعدالة وشرعية مكانته ودعوته كمبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.      

يلزمه الاستقامة والخلق القويم، والترفع عن مواضع الشبهات وترك قوادح المروءة، وقد كان أهل العلم يسقطون رتبة ودرجة طالب العلم إذا أكل في الطريق، أو أتى بسفاسف الأمور.

وأخيراً يلزمه قبول الحق إذا كان في جانب المعترض والاعتراف بخطئه، وله في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة الحسنى، فقد كانت يخطب أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ -رضوان الله عليهم- وهم سادة الصحابة وأئمتهم، فيراجعهم بعض الحاضرين، فلا يغضبون ولا يعجلون في الردّ، وأحياناً قد تعجبهم المقاطعة والردّ. فقد أخرج الطبراني في الأوسط وأبو يعلى في مسنده، عن أبي قبيل قال: "خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا، بل المال مالنا والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس، إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: سيأتي قوم يتكلمون، فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني، أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم".

4-الطوارئ الفوضوية: مثل الشغب الذي قد يحدثه بعض الحاضرين، أو لعب الأطفال أو بكاؤهم، أو وفاة أحد الحاضرين.

وهذا النوع من الطوارئ يحتاج إلى ضبط نفس وعدم تهور وتسرع في الرد. فبالنسبة للشغب الذي يحدثه البعض بالعراك الجانبي بين بعض الحضور، أو بنوبة مرض كالصرع من أحدهم، أو بفوضى يحدثه أحد المجانين الذين يتسللون لحضور الجمع، أو بلعب الأطفال وشغبهم وبكائهم، فيكفي الخطيب أن يأمر عمال المسجد وحفظته بإخراج المتسبب في الشغب من المسجد بهدوء ودون عصيبة حتى لا يتطور الأمر لشجار عام بين المصلين. أما بالنسبة لوفاة أحد الحاضرين، فهنا تبرز موهبة الخطيب وقدرته على استغلال الحدث الجلل في التأثير على الناس وإيقاظ قلوبهم وشحذ هممهم للاستعداد للموت. وهنا يلزم الخطيب الارتجال القوي واستدعاء الآيات والأحاديث التي تتكلم عن حسن الخواتيم وموت الفجأة، ليحقق أفضل استفادة من الحدث المأساوي.

5-الطوارئ الكارثية: مثل حدوث زلزال، أو وقوع حريق، أو تهدم جزء من بنيان المسجد.                      وهنا يلزم الخطيب إعمال فقه الأولويات مع فقه الطوارئ، بالحفاظ على أرواح المصلين والحاضرين، بسرعة الخروج من المكان، وتأمين الناس من الأخطار، مع الحفاظ على رباطة الجأش لمنع الناس من التدافع والهلع الذي قد يؤدي لمضاعفة الخسائر. فالحفاظ على النفس مقدم على إقامة الفريضة وقتها. وحينما يزول الخطر ويأمن الناس، يستطيع الخطيب إقامة الفريضة وجمع الناس ولو في غير المكان، مع ارتجال خطبة مسبقة عن الأمر وكيفية التعامل معه.

وملخص الكلام في فقه الطوارئ، أنه يلزم الخطيب عدة أمور عامة:

1-الثقة بالنفس وعدم التسرع في الرد، والهدوء وترك التشنج والعصبية.

2-الاستعانة بالله والاخلاص والتجرد وترك الانتصار للنفس.

3-المتانة العلمية وقوة الحجاج للرد على الشبهات والشائعات.

4-قوة الارتجال.

5-إعداد خطبة بديلة مختصرة تكون عامة وتناسب كل الأوقات.

6-التدريب على أمثال هذه الطوارئ، خاصة انقطاع الكهرباء وتعطل أجهزة الصوت، واعتراض البعض.

7-قبول الحق والاعتراف بالخطأ واستيعاب المعترضين بطلاقة الوجه وحسن الاستهلال وجمال الختام.