الطريقة الشــــاذليـــة

منذ 2012-03-24

... فهذا هو الشاذلي وأولئك الشاذلية ومشائخهم وقد اشتهر عن الشاذلية أوراد عديدة منها حزب البر وحزب البحر والحزب الكبير وغيرها من الأحزاب والأوراد، اختلقوا لها فضائل ومناقب لم ينزل الله بها من برهان .



سلسلة صوفية مشهورة وطريقة صوفية منتشرة في مصر وتونس والجزائر وغيرها من البلدان، والشاذلية نسبة إلى أبي الحسن علي بن عبد الله المولود بغمارة من قرى سبته سنة 593هـ (76).

وقال الكمشخانوي:
"بل ولد بقرية عمان من قرى أفريقية قرب مرسية، وهي من المغرب الأقصى أيضاً" (77).

ولكن عطاء الله الإسكندراني وهو تلميذ أبي العباس المرسي يذكر أن مبدأ ظهوره بشاذلة ولكن منشأه بالمغرب الأقصى فلم يعرف بالمنشأ والمولد، بل نسب إلى مبدأ ظهوره (78).

واختلفوا في نسبه أيضاً، فمريدوه والمتعلّقون به ينسبونه إلى الأشراف ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، كعادة أهل كل طريقة صوفية ولو أنهم يختلفون فيما بينهم في أسماء آبائه، فالبعض ينسبونه إلى إدريس بن عبد الله المبايع له ببلاد المغرب (79). وبعضهم إلى غيره (80). وأما الجامي فينسبه في نفحاته إلى الحسين، لا إلى الحسن(81).

وكان ضريراً كما سماه ابن الملقن والشعراني بالضرير الزاهد(82). ولكن لم يتضرر عيناه إلا بعد مدة من تحصيل العلم كما يظهر من ترجمته في مختلف الكتب(83).

وانتقل في صغره إلى مدينة تونس، فبدأ ينتقل من مدينة إلى مدينة وبلدة إلى بلدة حتى حجّ ثم دخل العراق وبدأ يفتش عن القطب الصوفي -حسب زعمه- وقال له أحد الأولياء هناك:
"إنك تبحث عن القطب بالعراق، مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده"(84).

فرجع إلى بلاده باحثاً ومفتشاً عن القطب، يسأل عن المقبل والمدبر والراحل والمقيم إلى أن اجتمع به، وهو أبو محمد عبد السلام بن مشيش، فيقول الشاذلي: "أتيت إليه وهو ساكن مغارة برباط رأس جبل، فاغتسلت في عين أسفل الجبل وخرجت عن علمي وعملي، وطلعت إليه فقيراً، وإذا به هابط إليّ، فقال: مرحباً يا علي، وذكر نسبي إلى رسول الله"(85).
"ثم قال لي: يا علي، طلعت إلينا فقيراً من علمك وعملك، وأخذت منا غنى الدنيا والآخرة، فأخذني من الدهش فأقمت عنده أياماً إلى أن فتح الله عليّ بصيرتي"(86).

وعبدالسلام هذا ينقل فيه الشيخ الأكبر للأزهر سابقاً عبد الحليم محمود عن صاحب "الدرة البهية": "هو القطب الأكبر، والعلم الأشهر، والطود الأظهر العالي السنام. هو البدر الطالع الواضح البرهان، الغنيّ عن التعريف والبيان، المشتهر في الدنيا قدره، والذي لا يختلف في غوثيته اثنان. وطريه ترياق شاف لأدواء العباد، وذكره رحمة نازلة في كل ناد. سرى سرّه في الأفاق، وسارت بمناقبه الركبان والرفاق. قضى عمره في العبادة، وقصده للانتفاع أهل السعادة.
وكان رضي الله عنه في العلم في الغاية، وفي الزهد في النهاية، جمع الله له الشرفين: الطيني والديني، وأحرز الفضل المحقق اليقيني" (87).

ويذكره الشاذلي بنفسه هو مكانته السامية ودرجته الرفيعة، ومعرفته وعلمه بما يختلج في صدور الناس، وفيضه وفيضانه بقوله:
"كنت في سياحتي في مبدأ أمري حصل لي تردد: هل ألزم البراري والقفار للتفرغ للطاعة والأذكار أو ارجع إلى المدائن والديار لصحبة العلماء والأخيار؟ فوصف لي وليّ هنالك، وكان برأس جبل فصعدت إليه، فما وصلت إليه إلى ليلاً، فقلت في نفسي لا أدخل عليه في هذا الوقت، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، قال فالتفت إلى نفسي وقلت: يا نفس انظري من أي بحر يغترق هذا الشيخ، فلما أصبحت دخلت إليه فأعربت من هيبته.
فقلت له:
يا سيدي كيف حالك؟
فقال: أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار.
فقلت: يا سيدي أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه، وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلماذا؟
فقال: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله.
قلت: يا سيدي سمعتك البارحة تقول: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، فتبسم ثم قال:
يا بني، ما تقول: سخر لي خلقك قل: يا رب كن لي، أترى إذا كان لك أيفوتك شيء؟ فما هذه الجناية"(88).

وحتى ابنه الصغير يعلم ما في قلوب الناس كما يذكر الشاذلي أيضاً:
"كنت يوماً بين يدي الأستاذ فقلت في نفسي: ليت شعري هل يعلم الشيخ اسم الله الأعظم؟ فقال ولد الشيخ وهو في آخر المكان الذي أنا فيه: يا أبا الحسن ليس الشأن من يعلم الاسم الأعظم، إنما الشأن من يكون هو عين الاسم، فقال الشيخ من صدر المكان: أصاب وتفرس فيك ولدي"(89).

ويقول ابن عطاء الله الاسكندري: إن طريقة الشاذلي تنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ عبد السلام ينتسب إلى الشيخ عبد الرحمن المدني، ثم واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (90).

وبعد مدة من الزمن وبقائه عند ابن مشيش قال له شيخه ابن مشيش: "يا علي، ارتحل إلى أفريقيا واسكن بلداً بها تسمى شاذلة، فإن الله يسميك شاذلياً، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية" (91).

ولما ورث القطبانية "وظهر بالخلافة الكبرى والولاية الكثري والقطبية العظمى والغوثية الفردي، وخصّه الله بعلوم الأسماء ومن عليه بأعلى مقامات الأولياء، وخصوصيات الأصفياء، وانفرد في زمانه بالمقام الأكبر والمدد الأكثر والعطاء الأنفع والنوال الأوسع(92).

بدأ يقول كما ذكروا عنه أنه قيل للشيخ أبي الحسن: "من هو شيخك؟ "
فقال: "كنت انتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا انتسب لأحد، بل أعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين، النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح الأكبر" (93).

و"تصرّف في أحكام الأولياء ومددها بالأذن والتمكين، وانفراد بسوددها حق اليقين، وأمدّ الأولياء أجمعين، وكذا الصديقين، ونال مقام الفردانية الذي لا يجوز المشاركة فيه بين اثنين، وأجمع على ذلك من عاصره من العلماء العارفين والأولياء لمقربين وخواص الصديقين، وشهد بقطبانيته وفردانيته الجمّ الكثير"(94).

وبدأ يقول:
"والله لقد جئت في هذا الطريق ما لم يأت به أحد"(95).

حتى تعالى وتفاخر:
"قدمي على جبهة كل ولي لله"(96).

ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود الذي تولّى مشيخة الأزهر، وتخرّج من جامعة فرنسية كتب كتاباً في تمجيد الشاذلي ومدح الشاذلية، ففي ذلك الكتاب يذكر أن الله كلّمه على جبل زغوان، الجبل الذي اعتكف الشاذلي فيه في قمته، وتعبّد وتحنّث، والذي يذكره نقلاً عن صاحب كتاب "درة الأسرار":
"قرأ الشيخ على جبل زغوان سورة الأنعام إلى أن بلغ إلى قوله تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا} أصابه حال عظيم، وجعل يكررها ويتحرك، فكلما مال إلى جهة مال الجبل نحوها... وما كانت حياته على الجبل إلا على نباتات الأرض وأعشابها"(97).

وعلى هذا الجبل ارتقى منازل، وتخطّى مراتب حيث "نبع له عين تجري بماء عذب،
ثم بدأت الملائكة تحفّ بأبي الحسن، بعضها يسأله فيجيبه، وبعضها يسير معه، ثم تأتيه أرواح الأولياء زرافات ووحداناً تحفّ بأبي الحسن وتتبرك به" (98).

وبعد تجاوز هذه المراتب كلها التي أهّلته لأن يخاطب الرب بدون واسطة ولا ملك، كلّمه الرب تبارك وتعالى حسب قول ذلك الدكتور، فقال له:
"يا علي، اهبط إلى الناس ينتفعوا بك. فقلت: يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخاطبتهم.
فقيل لي: انزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة. فقلت: تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم. فقيل لي: انفق علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب.
ونزل الشاذلي رضي الله عنه من على الجبل ليغادر شاذلة، ويستقبل مرحلة جديدة، فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه.
وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه رضي الله عنه فيما يتعلق بنسبه إلى شاذلة، قال:
قلت يا رب لم سميتني بالشاذلي، ولست بشاذلي.
فقيل لي: يا علي، ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشَّاذُّلِي بتشديد الذال المعجمة، يعني: المفرد لخدمتي ومحبتي"(99).

وقبله قد تكلّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من داخل حجرته الشريفة كما ذكر ذلك الدكتور عبد الحليم محمود نقلاً عن "درة الأسرار" عن أبي الحسن:
"ولما قدم المدينة زادها الله تشريفاً وتعظيماً، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً.
فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي، فإن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ}
فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: "يا علي ادخل"(100).

فمن يكن هذا شأنه ومقامه ومكانته لا يستبعد عنه أن يقول:
"لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة" (101).

وأيضاً: "أعطيت سجلاً مدّ البصر، فيه أصحابي وأصحاب أصحابي إلى يوم القيامة عتقاء من النار"(102).

وعلى ذلك ينقل عنه الإسكندري عن شيخه أبي العباس المرسي خليفة أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الخاص به أنه قال:
"قال لي عبدالقادر النقاد، وكان من أولياء الله: اطلعت البارحة على مقام الشيخ أبي الحسن.
فقلت له: وأين مقام الشيخ؟ فقال: عند العرش. فقلت له: ذاك مقام تنزل لك الشيخ فيه حتى رأيته.
وإلا مقامه فهو فوق ذلك، وقد صرّح بذلك حيث يواصل كلامه فيقول:
"ثم دخلت أنا وهو على الشيخ، فلما استقربنا المجلس قال الشيخ رضي الله عنه:
رأيت البارحة عبد القادر النقاد بالمنام فقال لي: أعرش أنت أم كرسيّ؟ فقلت له:
دع عنك ذا. الطينة أرضية. والنفس سماوية. والقلب عرشي. والروح كرسي.
والسر مع الله بلا أين. والأمر نزل فيما بين ذلك ويتلوه الشاهد منه"(103).

وذكروا من جملة كراماته أنه أثناء سفره إلى الإسكندرية مكث بتونس مدة، واشتهر أمره وذاع صيته، والتف حوله خلق كثير فحسده فقيه تونس وقاضي قضاتها ابن البراء فوشاه إلى السلطان، ودسّ له عنده، وتكلّم في نسبه ولكن السلطان لم يمسه بسوء، ووقره في قلبه واحترمه ولكن منعه من الخروج، وما أن منعه إلاّ وماتت جاريته في ذاك الحين، التي أحبها فملكت عليه جميع أقطاره، ثم التهبت النار في البيت فلم يشعروا حتى احترق كل ما في البيت من الفرش والثياب وغير ذلك من الذخائر، فعلم السلطان أنه أصيب من قبل هذا الوليّ(104).

ولكن من الغرائب أنه لم يصب ابن البراء شيئاً مع تصريح عبد الحليم محمود وغيره أنه بقى على عدائه للشاذلي ومخالفته له إلى أن الشاذلي كان يسلّم عليه فلم يكن ابن البراء يردّ عليه السلام، وكان يطعن في نسبه (105).

ولكن أنّى للمختلقين العقل، ومن أين للقصاصين العقل، والمسامرين الوضاعين الفكر.
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً.
وهل يستعبد هذا من أولئك الناس الذين يفضلن هؤلاء المتصوفة على أنبياء الله ورسله ويزعمون فيهم من القدرة والاختيارات، ومعرفة علم الغيب، والتصرف في أمور الكون، وتدبير أمور الدنيا والآخرة، ومددهم الأحياء منهم والأموات، وإعطائهم الثواب والعقاب، وتقسيمهم الجنة والنار لمن يريدون ويزعمون إعطاءه، ويفونهم بأوصاف لا تليق إلا بالواحد القهار الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وأمر سيد الخلائق وأفضل المخلوقات وأشرف المرسلين بأن يقول:
{قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّ‌ا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْ‌تُ مِنَ الْخَيْرِ‌ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ‌ وَبَشِيرٌ‌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(106).
{قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّـهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ‌ أَفَلَا تَتَفَكَّرُ‌ونَ} (107).
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ‌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْ‌جُو لِقَاءَ رَ‌بِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِ‌كْ بِعِبَادَةِ رَ‌بِّهِ أَحَدًا} (108).
وغيرها من الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيضة التي ذكرناها فيما سبق في مختلف المباحث والمواضيع، لكن المتصوفة يعتقدون في أوليائهم أوصافاً إلهية ونعوتاً ربانية فيقول الإسكندري:
"لو كشف عن حقيقة الولي لعبد، لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته"(109).

ولقد مرّ بيان عقيدة القوم في متصوفتهم سابقاً ولكن نريد أن نثبت ههنا بمناسبة ذكر الشاذلة والشاذلي ما ذكره قطبهم بعد الشاذلي -وهو المرسي- في شيخه نقلاً عن بعض مريديه أنه قال:
"صليت خلف شيخي صلاة فشهدت ما أبهر العقل وذلك أني شهدت بدن الشيخ والأنوار قد ملأته، وانبثت الأنوار من وجوده حتى أنني لم أستطع النظر إليه، وقد كشف الحق عن مشرقات أنوار قلوب أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوار قلبوهم، وأين نور الشمس والقمر من أنوارهم"(110).

هذا ولقد استقر الشاذلي بعدئذ في الإسكندرية بمصر، وتزوج هنالك وولد له أولاد، وحبس عليه السلطان برجاً من أبراج السور في أسفله ما جل كبير ومرابط للبهائم، وفي الوسط مساكن للفقراء وجامع كبير، وفي أعلاه أعلية لسكانه وعياله"(111).

وكان من عادته "إذا ركب تمشى أكابر الفقراء وأكابر الأغنياء حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكاسات بين يديه، ويأمر النقيب أن ينادي أمامه "من أراد القطب فعليه بالشاذلي"(112).

وسنة 656هـ سافر للحج، وفي صحراء عيذاب وافته المنية فدفن هناك(113).
ويقول الجامي: "وكان ماء هذا الصحراء ملحاً لا يشرب ولكنهم بعد ما غسلوه بمائه صار ببركته حلواً عذباً"(114).

وفي هذا الصحراء ادّعى بأنه التقى بالخضر وكلّمه، كما نقلوا عنه أنه كان يقول:
"لقيت الخضر في صحراء عيذب، فقال لي: "يا أبا الحسن أصحبك الله اللطف الجميل، وكان لك صاحباً في المقام والرحيل"(115).

وقد نقل عن الشاذلي تفسير بع الآيات القرآنية تفسيراً باطنياً ينهج فيه منهج الباطنية وأهل التأويل البعيد، وقد ذكرنا نماذج منها في كتابنا [التصوف: المنشأ والمصادر].

ثم خلف بعده على الشاذلية أبو العباس المرسي، والذي صار قطباً بعد موته حسب زعمهم كما ينقلون عن زكي الدين الأسواني أنه قال:
"قال لي الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله أنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسي عليه المساء إلا قد أوصله إلى الله، يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله ما من ولي لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعه الله عليه، يا زكي، أبو العباس هو الرجل الكامل"(116).

ويقول أبو العباس هذا عن نفسه:
"والله ما سار الأولياء والأبدال من قاف حتى يلقوا واحداً مثلنا، فإذا لقوه كان بغيتهم، ثم قال: وبالله لا إله إلا هو، ما من ولي لله كان أو كائن إلا وقد أطلعني الله عليه وعلى اسمه ونسبه وكم حظه من الله"(117).

وهو الذي قال:
"والله لو حجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" (118).

وكان يقول:
"لا أعلم أحداً اليوم يتكلّم في هذا العلم غيري على وجه الأرض" وقدم إليه بعضهم طعاماً فيه شبهة يمتحنه فامتنع الشيخ من أكله، وقال: "إنه كان للشيخ المحاسبي عرق في أصبعه يضرب إذا مدّ يده إلى شبهة فأنا في يدي ستون عرقاً تضرب، فاستغرب الرجل وتاب على يديه"(119).
وتكلم يوماً في القطب وأوصافه ثم قال:
"وما القطبانية بعيدة من بعض الأولياء وأشار إلى نفسه" (120).
قال: "لقد علمت العراق والشام ما تحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعياً على وجوههم" (121).
وكان المرسي هذا أيضاً يدّعي صحبة الخضر واللقاء معه (122).

وكان له تأويل باطني مثلما كان لأستاذه وشيخه، ومثال ما ذكره تلميذه عطاء الله الإسكندري:
"سمعت شيخنا رضي الله عنه يقول في قوله عز وجل:
{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ‌ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}‌ أي: ما نذهب من وليّ لله إلا ونأت بخير منه أو مثله"(123).

وكان كأستاذه يعتني بكتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، وكتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، وكتاب "ختم الأولياء" للحكيم الترمذي، وكتاب "المواقف والمخاطبات" لمحمد عبد الجبار النفري(124).

مات سنة 686هـ(125).

ثم خلفه على مشيخة الشاذلية ياقوت العرش وكان حبشياً.
"وهو الذي شفع في الشيخ شمس الدين بن اللبان لما أنكر على سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وسلب عمله وحاله بعد أن توسل بجميع الأولياء، ولم يقبل سيدي أحمد شفاعتهم فيه، فسار من الإسكندرية إلي سيدي أحمد، وسأله أن يطيب خاطره عليه وأن يردّ عليه حاله فأجابه.
ثم إن سيدي ياقوت زوّج ابن اللبان ابنته، ولما مات أوصى أن يدفن تحت رجليها أعظاماً لوالدها الشيخ ياقوت. وإنما سمّى العرش لأن قلبه لم يزل تحت العرش، وما في الأرض إلاّ جسده.
وقيل: لأنه كان يسمع لأذان حملة العرش. وكان رضي الله عنه يشفع في الحيوانات.
وجاءته مرة يمامه فجلست على كتفه وهو جالس في حلقة الفقراء وأسرّت إليه شيئاً في أذنه، فقال: بسم الله ونرسل معك أحد من الفقراء، فقالت: ما يكفيني إلا أنت، فركب بغلته من الإسكندرية وسافر إلى مصر العتيقة حتى دخل إلى جامع عمرو فقال: أجمعوني على فلان المؤذن، فأرسلوا وراءه، فجاء، فقال له:
هذه اليمامة أخبرتني بالإسكندرية أنك تذبح فراخها كلما تفرخ في المنارة، فقال: صدقت، قد ذبحتهم مراراً، فقال: لا تعد، فقال: تبت إلى الله تعالى ورجع الشيخ إلى الإسكندرية رضي الله عنه، ومناقبه رضي الله عنه كثيرة مشهورة بين الطائفة الشاذلية بمصر وغيرها.(126)

ثم خلفه ناس آخرون، فاشتهر من بينهم محمد المغربي الذي يقولون عنه بأنه تنبأ بظهوره الشاذلي، فقال:
"يظهر بمصر رجل يعرف بمحمد يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن"(127).

وهو الذي قال:
"أعطيت الشاذلية ثلاثاً لم تحصل لمن قبلهم ولا لمن بعدهم: الأول: إنهم مختارون في اللوح المحفوظ. الثاني: إن المجذوب منهم يرجع إلى الصحو. الثالث: إن القطب منهم إلى يوم القيامة (128).

وآخر هذه الثلاث أن يركز عليه، فإن كل طائفة من الطوائف الصوفية تدعي أن القطب منهم، ولا يرضى بهذه المقولة أحد من غير الشاذلية.
وآخرون مثل علي بن عمر القرشي وناصر الدين بن محمد عبد الدائم وابن عبد الرحمن بن إبراهيم ومعصوم بن أحمد وغيرهم العديدون(129).

فهذا هو الشاذلي وأولئك الشاذلية ومشائخهم وقد اشتهر عن الشاذلية أوراد عديدة منها حزب البر وحزب البحر والحزب الكبير وغيرها من الأحزاب والأوراد، اختلقوا لها فضائل ومناقب لم ينزل الله بها من برهان، ذكرها كل من عطاء الله الإسكندري في كتابه "لطائف المنن" والدكتور عبد الحليم محمود في كتابه "المدرسة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي" والآخر في "النفحة العلية في الأوراد الشالية".
وبهذا نختم هذا الفصل.

...........................................
(76) النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص 226 ط مكتبة المتنبي القاهرة،أيضاً أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبدالحليم محمود ص 20.
(77) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص 115.
(78) لطائف المنن لابن عطاء الأسكندراني ص 135 بتحقيق عبدالحليم محمود ط مطبعة حسان القاهرة 1974.
(79) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص 115.
(80) انظر لطائف المنن للأسكندراني ص 135، طبقات الأولياء لابن الملقن ص 459.
(81) انظر نفحات الأنس للجامي ص 567 (فارسي) ط إيران.
(82) طبقات الأولياء لابن الملقن ص 458، الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 4.
(83) انظر دائرة المعارف الإسلامية ص 562 وغيرها من الكتب.
(84) درة الأسرار ص 23 نقلاً عن "أبي الحسن الشاذلي" للدكتور عبدالحليم محمود ص 23.
(85) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص 116.
(86) "المدرسة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي" للدكتور عبدالحليم محمود ص 23 ط دار الكتاب الحديث القاهرة.
(87) أيضاً ص 24.
(88) لطائف المنن لابن عطاء الإسكندري ص 159، 160ط مطبعة حسان القاهرة 1974م.
(89) أيضاً ص 160.
(90) الوصية الكبرى لعبد السلام الأسمر الفيتوري، أيضاً لطائف المنن للإسكندراني ص 65.
(91) جامع الأصول في الأولياء لمكشخانوي ص 117، كذلك أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبد الحليم محمود ص 29،أيضاً النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص 228.
(92) جامع الأصول في الأولياء لأحمد الكمشخانوي ص 117 ط المطبعة الوهيبة طرابلس 1298هـ.
(93) لطائف المنن للإسكندري ص 146، الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 7،جامع كرامات الولياء للنبهاني ج 2 ص 176، النفحة العلية ص 229.
(94) جامع الأصول ص 117.
(95) لطائف المنن ص 146.
(96) جامع الأصول في الأولياء ص 117.
(97) انظر المدرسة الشاذلية الحديثة وأمامها أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبالحليم محمود ص 32.
(98) بألفاظ عبدالحليم محمود وحروفه انظر ص 33 من كتابه "أبو الحسن الشاذلي" ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
(99) أيضاً ص 35.
(100) أبو الحسن الشاذلي ص 83.
(101) الكمشخانوي ص 116، النفحة العلية ص 228.
(102) جامع الأصول في الأولياء ص 116، النفحة العلية في أوراد الشاذلية ص 228 ط مكتبة المتنبي القاهرة.
(103) لطائف المنن الاسكندري ص 143 ، 144 ط مطبعة حسان القاهرة.
(104) درة الأسرار ص 30.
(105) انظر أبو الحسن الشاذلي ص 42.
(106) سورة الأعراف الآية 188.
(107) سورة الأنعام الآية 50.
(108) سورة الكهف الآية 110.
(109) لطائف المنن للإسكندري ص 95 مقولة أبي العباس تلميذ أبي الحسن الشاذلي وخليفته في شيخه.
(110) لطائف المنن للإسكندري ص 95.
(111) درة الأسرار نقلاً عن "أبي الحسن الشاذلي" ص 45.
(112) الكمشخانوي ص 117،النفحة العلية ص 228، الكواكب الدرية للمناوي نقلاً عن "أبو الحسن الشاذلي" ص 54.
(113) طبقات الأولياء لابن الملقن ص 459، أيضاً الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 4.
(114) نفحات الأنس للجامي (فارسي) ص 570 ط طهران.
(115) لطائف المنن ص 151،طبقات الشعراني ج 2 ص 5،جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج 2 ص183،أبو الحسن الشاذلي ص 39.
(116) انظر لطائف المنن ص 168.
(117) لطائف المنن ص 168.
(118) الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 14،جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج 1 ص 314، أيضاً لطائف المنن للإسكندري ص 169.
(119) نفحات الأنس للجامي ص 572،أيضاً جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج 2 ص 14، أيضاً جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج 1 ص 314.
(120) لطائف المنن 179.
(121) أيضاً.
(122) انظر جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج 1 ص 314.
(123) لطائف المنن ص 63.
(124) انظر لطائف المنن ص 179، 180، كذلك أبو الحسن الشاذلي ص 55 وما بعد.
(125) طبقات الشعراني ج 2 ص 13.
 

المصدر: موقع صيد الفوائد

إحسان إلهي ظهير

من كبار علماء باكستان والعالم الإسلامي ، توفي رحمه الله يوم الاثنين 1/ شعبان 1407هـ