هاتي سِنَّ الغزال!
يحبّ الصغار المغامرات والأفعال اللّا معقولة؛ ذات مرة كنت دوين سنّ التمييز، كانت مواجعنا بسيطة لا تحتاج إلى بكاءٍ وصُراخ إلّا لدقائق ثم نكمل مشوار اللعب غايةُ يومنا كله، لا نحمل هموم غيرنا، ومن هذه المواجع أني أوجعت في سنّ من أسناني، وحاول كل من في البيت أن يخلعه ويشارك في هذه العملية الممتعة، -وهكذا الصغار هم تجارب الإخوة والأخوات، فضلًا عن الآباء والأمهات-، اضطررنا إلى خلعه وكأنما أخلع سنةً من سنين عمري لا سنّا من أسنانِ فمي! ونحن مع ذلك نبتسم.
لم نكن نعرفُ حينها فلسفةَ "التخلي"، لكننا كنا نمارسها بفطرةٍ مدهشة، نقفُ تحت ضوءِ الضحى، نقبض على تلك القطعةِ الصغيرةِ التي غادرت مكانها، ثم نقذفها نحو الشمس بنداء واثق: "يا شمسُ يا شموسة.. خذي سنَّ الحمار، وهاتي سنَّ الغزال".
كانت تلك أولى صفقاتنا مع الحياة؛ أن تُعطي لتأخذ، وأن الإزالة هي السبيل الوحيد لتحقيق العوض. ومع أن الشمس غير قادرة على تلبية طلباتنا، فلا سنّ الغزال أتانا، ولا سنّ العروس ولا بطيخ :)
لكنّ فسخَ البلاءات ومكالمة الطبيعة من حولنا يخوّل لنا تلك الخيالات اللا منطقية.
وبينما كبرنا.. وصار خلعُ الأماني من صدورنا يُوجعنا أكثر من خلعِ الأسنان؛ صرنا نتمسك بـ سنِّ العجوزة، لقد اشتقنا أن نبثّ شكوانا ونحن دون سلطةِ التكليف، غيرَ أنّ ما يشبع أرواحنا، ويلهم أمانينا أننا عقلنا ربّنا سبحانه وصار هو ملهمَ أنفسنا، وملاذَ قلوبنا؛ فنحن نهتفُ باسمه ونزيل عنا أكدار الحياة، وما مسّنا من ضرّ، ونقول له:
هبْ لنا من لدنك رحمةً وهيئْ لنا من أمرنا رشَدًا.
__________________________________
الكاتب: ماجد السُّلمي
- التصنيف: