أيام الحج ومشروعية الغبطة بين المؤمنين

منذ يوم

العنصر الأول :  أسعد الناس هذه الأيام حجاج البيت الحرام.  العنصر الثاني: قدوم الأيام العشر والغبطة بين المؤمنين العنصر الثالث: أعمالنا في خير أيام الدنيا.  العنصر الرابع : السنة في حق من كان له ذبح.

 

أيها الإخوة الكرام: بعد أيام معدودة تهل علينا أيام ذي الحجة،خير أيام الدنيا كما وصفها الحبيب النبي عليه الصلاة والسلام.. 
أيام ذي الحجة، ما أيام ذي الحجة؟ 
أيام ذي الحجة هي أيام ( الحج ) نسأل الله بأسماءه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا حج البيت الحرام والصلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام.. 

قال الحكيم العليم سبحانه وتعالى {(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ )}

أسعد الناس هذه الأيام من رزقوا حج البيت الحرام، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعله في حقهم حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً، وأن يرزقنا مثل ما رزقهم إن ربي رحيم كريم.. 

هذه الدعوة التي ندعوها، وهذا الذي نتكلم عنه يسمى ( الغبطة) 
الأصل في معنى الغبطة حديث النبي عليه الصلاة والسلام: 
«" لَا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ علَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بهَا ويُعَلِّمُهَا "» . 

في شرح هذا الحديث ورد أن (الغبطة) تعني ( الحسد) وأن الحَسد منه المذموم ومنه المحمود. 
أما الحسَد المَذمومُ فهو المُحرَّمُ شَرعًا، وهو أنْ يَتمنَّى المرءُ زَوالَ النِّعمةِ عن أخيهِ سواءٌ حصَلتْ للحاسدِ أو لا  .. 
وقد نهى رسول الله عن هذا الحسد المذموم في قوله عليه الصلاة والسلام ( لا تحاسدوا ) 

ومن الحَسَدِ ما هو مُباحٌ وما هو محمود ، وهو الحسد المحمود هو الغِبطةُ.. 
والغبطة هي : أنْ يَرى الإنسان نِعمةً عندَ غَيرِه، فيَتمنَّى مِثلَها لنَفْسِه دونَ زوال النعمة عن أخيه..

وهذه الغبطة مستحبة شرعاً لأنها دعوة لفعل الخيرات، ولأنها منافسة ومسابقة إلى عمل الصالحات.. 

وقد رغب النبي عليه الصلاة والسلام في هذه ( الغبطة ) بقوله عليه الصلاة والسلام " لَا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ علَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بهَا ويُعَلِّمُهَا ". 

وإذا كانت أيامنا هذه هي أيام الحج فنحن ( نغبط) حجاج البيت الحرام، نفرح لهم، وتسعد قلوبنا بما رزقوا، وأملنا في الله تعالى أن يعطينا مثل ما أعطاهم.. 

أسأل الله بأسماءه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا جميعاً حج البيت الحرام وأن يرزقنا جميعاً الصلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام.. 

أيها الإخوة الكرام: 
المال مال الله عز وجل، وأنت في هذا المال خليفة مستأمن ومسئول، وخير نفقة ينفقها الإنسان من جهده ومن ماله ما كان مبذولاً في سبيل الله عز وجل..  

قال النبي عليه الصلاة والسلام:" النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف " 

خير نفقة ينفقها الإنسان ما كانت سبباً في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأعز ما ينفق الإنسان فيه جهده وماله حج البيت الحرام   
قال رب العالمين سبحانه وتعالى: { {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }}

أغلى نفقة، وأوسعها، وأكثرها، وأعظمها أجراً، نفقة الحج إلى بيت الله الحرام.. 

{(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ )}

أعظم عبادة ونفقة تعود على صاحبها بالبركة في النفس والمال والولد هي حج البيت الحرام.. 

سئل الحبيب النبي عليه الصلاة والسلام : «( أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا ؟ قال: حج مبرور )»

قال عمرو بن العاص رضي الله عنه «( لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أبسط يدك فلأبايعك، فبسط رسول الله يده فقبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو ؟ قلت: يا رسول الله أشترط، قال: تشترط ماذا ؟  قلت: أشترط أن يغفر لي فقال عليه الصلاة والسلام : أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ) »

الحج عبادة تغسل الإنسان قلباً وقالباً وتأتي على ذنوبه فتحرقها.. 
الدليل:  حديث النبي عليه الصلاة والسلام( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ) 

الحج عبادة تغسل الإنسان قلباً وقالباً.. 
الحج عبادة تأتي على هفوات الإنسان وزلاته فتستأصلها وتمحوها، الحج يرد صاحبه صفحة بيضاء، الحج يُبقي المسلم طاهراً كطهارة حمام الحرم، ويُبقيه نقياً كنقاء الغمام .. 
 الدليل:  حديث النبي عليه الصلاة والسلام ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )

حتى نفسية الإنسان إذا رأي الكعبة وشم رائحتها وتحسس جنباتها وطاف وصلى حولها رجع الإنسان بنفسية جديدة غير نفسيته التي كان عليها يتغير نفسياً إلى الأحسن، ويتغير أخلاقياً إلى الأفضل، وتتغير سلوكياته ومعاملاته إلى الأجود، وكم من إنسان كانت بداية هدايته واستقامته حج البيت الحرام 

 وما من عبادة تفعل ما يفعله الحج في النفوس فهو ذروة سنام العبادة وتمام النعمة.. 

وما نزلت {( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)} إلا بعد أن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الإسلام  .. 

يزول الجهد ، وينسى الإنسان نفقته، ويهون عليه النصب، حين يتعلق أمله بالله تعالى ويعلم أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.. 

هذه الحالة الإيمانية، الطاهرة النقية التي يعيشه حجاج البيت الحرام، وهذا الذي ينتظره حجاج البيت الحرام من المغفرة والإحسان والإنعام نحن نغبطهم عليه، نفرح لهم، وتسعد قلوبنا بما رزقوا، وأملنا في الله تعالى أن يعطينا مثل ما أعطاهم.. 

قال الحبيب النبي عليه الصلاة والسلام «" لَا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ علَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بهَا ويُعَلِّمُهَا "» . 

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الحج والعمرة وأن يكتب لنا الخير أجمعين إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 

الخطبة الثانية 
بقي لنا في ختام الحديث عن الغبطة وعن الحسد المحمود الذي يسكن قلوبنا عند رؤية حجاج البيت الحرام بقي لنا أن نقول:  في ظلال الإسلام لا نَعدم الخير، ولو كنا فقراء، في ظلال الإسلام لا نُحرم الخير ولو كنا في بلادنا وبيوتنا.. 

ما دمت صادق النية فربك سيعطيك حتى يرضيك ومن دلائل الرحمة ومن أبواب الخير أن تعمل عملاً صالحاً في أيام العشر.. 
ذلك أن خير أيام الدنيا أيام العشر فالعمل الصالح يأتي أعظم أجراً في أيام العشر  .. 

قال سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «"مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ" يَعْنِي الْعَشْرَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ"»
 
وكأني بكم تقولون وما نعمل في هذه الأيام العشر ؟ 
والجواب:  أن الله تعالى ما جعل للخير سبباً إلا وللعشر أيام الأول من ذي الحجة نصيب منه.. 
ففي العشر الأول من ذي الحجة نصيب خاص من حج البيت وزيارة المدينة المنورة بنور صاحبها عليه الصلاة والسلام.. 
في العشر الأول من ذي الحجة نصيب من صيام النهار وقيام الليل وإطعام الطعام وإفشاء السلام 
في العشر الأول من ذي الحجة نصيب من الدعاء والرجاء لله رب العالمين. 
في العشر الأول من ذي الحجة نصيب من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل والتكبير في جميع الأوقات هدياً دلنا عليه النبي عليه الصلاة والسلام 

وفي الختام تذكير بسُنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في حق من كانت عنده أضحية.. 
إذا هلَّ عليه هلال ذي الحجة ألا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يأتيه يوم العيد وتأتيه أيام التشريق ويذبح أضحيته..
فإذا ذبحت أضحيته قلّم أظفاره وأخذ من شعره ما شاء.. 

قال نبيّنا عليه الصلاة والسلام : «(مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذِي الحِجّةِ، فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّي)»

أمّا عن الحِكمة مِن ذلك، فهي والله أعلم : تشبه بالمُحرم في بعض هيئاته، فالمُحرم حال إحرامه لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره.. 

ومن بين ما قرأت في الحكمة من ترك الأخذ من الشعر والأظفار في حق من كانت عنده أضحية أن يبقى المضحِّي كامل الأجزاء ليُعتَق مِن النّار كاملاً غير منقصوص..  والله تعالى أعلم بمراده. 

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الحج والعمرة وأن يكتب لنا الخير أجمعين إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.