يوم عرفة وسنة التفاضل المنضبط بين الخلائق
العنصر الأول: خير أيام العشر يوم عرفة.. العنصر الثاني: فتوحاتٌ ونفحاتٌ يوم عرفة. العنصر الثالث: لا طبقية ولا عنصرية في الإسلام. العنصر الرابع: الواجب العملي.
أيها الإخوة الكرام: جرت سنة الله تعالى في خلقه أن يفضل بعضهم على بعض من غير أن يُحابي أحدًا على حساب أحد ومن غير أن يُجامل أحدًا على حساب أحد..
فأفضل البقاع مكة..
وأفضل الملائكة سيدنا جبريل عليه السلام.. وأفضل الناس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
وأفضل الشهور رمضان، وخير الليالي العشر الأواخر من رمضان، وخير ليلة ليلة القدر، وخير الأيام أيام العشر الأول من ذي الحجة وخير أيام الأسبوع يوم الجمعة وخير أيام السنة كلها يوم عرفة..
وإذا كانت أيامنا هذه هي خير أيام الدنيا فهي خير أيام الدنيا لأن فيها يوم عرفة، فما طلعت الشمس ولا غربت في يوم من أيام السنة خيرًا من يوم عرفة..
أيها الإخوة المؤمنون: ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى يضحك، وأنه سبحانه وتعالى يفرح، وأنه سبحانه وتعالى يعجب، وأنه سبحانه وتعالى يتباهى.. كل ذلك في حدود ما يليق بجلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى {{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }}
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «« يَضْحَكُ اللَّهُ إلى رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ كِلاهُما يَدْخُلُ الجَنَّةَ، فقالوا: كيفَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: يُقاتِلُ هذا في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ فيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ علَى القاتِلِ، فيُسْلِمُ، فيُقاتِلُ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ فيُسْتَشْهَدُ»» .
ويفرح الله سبحانه وتعالى بتوبة عبده المؤمن..
ويتباهى سبحانه وتعالى مباهاة لا هي نتيجة نقص ولا هي فخر مذموم، وإنما مباهاة الله عز وجل هي إظهار الله تعالى فضل عباده وبيان صدق حبهم وإقبالهم أمام الملائكة..
يتباهى بعبد مؤمن أتى عليه الليل فترك الفراش وقام من الليل يصلي في ذلك الوقت يتباهى رب العالمين فيقول للملائكة ««انظروا إلى عبدي، ترك فراشه وشهوته من أجلي»»
وحين يجتمع الناس على ذكر الله تعالى وعلى تلاوة القرآن وعلى مدارسة القرآن يباهي الله تعالى بهم الملائكة ويذكرهم الله تعالى فيمن عنده..
وعلى رأس الأوقات والأحوال والأيام التي يفرح فيها الرب جلّ في علاه، ويتباهى (يوم عرفة)
قال سيد الخلق عليه الصلاة والسلام:« ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه عبدًا مِن النارِ مِن يومِ عرفةَ، وإنَّه ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»
والسؤال: ولماذا هذا التباهي في يوم عرفة؟
والجواب ؛ لأن يوم عرفة هو اليوم الذي يُعلن فيه المسلمون كمال التوحيد لله رب العالمين..
ملايين من البشر جائوا من كل فج عميق منهم الابيض والأسود منهم الأصفر والأحمر منهم الصغير والكبير منهم الغني والفقير منهم القوي والضعيف منهم الذكر والأنثي الكل في وقت واحد، الكل في موضع واحد، بسمت واحد، بزي واحد، على ملة واحدة، وعقيدة واحدة الكل يلهج أنه لا إله إلا الله..
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..
هذه الحشود التي تملأ البر والبحر والجو ما خرجوا من بيوتهم إلا من أجل لا إله إلا الله، وما فارقوا آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأولادهم إلا من أجل لا إله إلا الله، وما جادت أنفسهم بما جادت به من المال إلا من أجل لا إله إلا الله، ولا تلهج ألسنتهم في تلك البقاع المباركة إلا بلا إله إلا الله..
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..
قال الحبيب النبي عليه الصلاة والسلام : «" خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "» .
سُئل أنَسُ بنُ مَالِكٍ حين غدا مِن مِنًى إلى عَرَفَاتٍ ( سئل عَنِ التَّلْبِيَةِ ) كيفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالَ: « كانَ يُلَبِّي المُلَبِّي، لا يُنْكَرُ عليه، ويُكَبِّرُ المُكَبِّرُ، فلا يُنْكَرُ عليه»
يوم عرفة: هو اليوم الوحيد من أيام السنة يجتمع فيه المسلمون بهذا العدد الكبير في مكان واحد بمشاعر واحدة وطلبات واحدة وعبادة واحدة..
أيها الإخوة المسلمون:
في كل ليلة من ليالي العام يتنزل ملك الملوك سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل قبيل الفجر تنزلاً يليق بجلال الله وجماله وكماله فَيَقُولُ :«مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟»
يحصل هذا كل ليلة، ولا يحصل في يوم من الأيام (نهاراً) إلا يوم عرفة: فهو اليوم الوحيد من أيام السنة الذي يتنزل فيه الحق سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا نهاراً تنزلاً يليق بجلاله وجماله سبحانه وتعالى..
قال النبي عليه الصلاة والسلام:«وإنَّه لَيَدْنُو ثم يُباهي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»
أعياد المسلمين أولها عيد الفطر من رمضان، وثانيهما العيد الأكبر، وعيد المسلمين الأكبر هو جملة أيام متواليات اولها يوم عرفة وثانيها يوم النحر وثالثها أول أيام التشريق ورابعها ثاني يوم وآخرها ثالث أيام التشريق..
قال الحبيب النبي عليه الصلاة والسلام: " يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ".
لا نعرف يوماً من أيام الدنيا جعله الله تعالى مناسبة للعتق من النار بعد رمضان إلا يوم عرفة
وفي الحديث : «" مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ "» .
يوم عرفة: هو اليوم الذي أكمل الله الدين، وأتم فيه النعمة على المسلمين تتنزل فيه من الرحمات ما لا تتنزل في أي يوم آخر من أيام السنة...
يوم عرفة: هو للمسلمين يوم فرحة ورحمة ونعمة..
يوم عرفة: على الشيطان يوم كسرة وحسرة..
وفي الحديث «" مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ "، قِيلَ : وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ "» .
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرحمنا برحمته وأن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية
بقي لنا في ختام الحديث أن نقول: إن أعظم غاية من الغايات المستفادة من حج البيت الحرام ومن وقوف الناس على عرفات أن يعلم أهل الدنيا كلهم أن الإسلام دين يقوم على المساواة فلا طبقية في الإسلام، ولا عنصرية في الإسلام، ولا تمييز عرقي في الإسلام..
الكل في ميزان الإسلام سواء لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى..
كلنا أولاد آدم وإنما خلق آدم من تراب..
{ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}}
التطبيق العملي لهذا المبدأ الإسلامي العظيم البعيد عن الطبقية والعنصرية والتمييز نراه رأي العين في كل اجتماع على طاعة من طاعات المسلمين نراه في يوم الجمعة وفي صلاة العيد وفي الصلوات المكتوبات ( الكعب في الكعب والكتف في الكتف) بلا تمييز وبلا تفريق ولا عنصرية..
التطبيق العملي لمبدأ المساواة يكون أوضح ما يكون في موسم الحج وعلى صعيد عرفات..
الكل على صعيد عرفات على طبيعته وعلى فطرته النقية التي فطر الله الناس عليها لا تكلف لا تملق لا كذب ولا نفاق ولا عنصرية ولا طبقية ..
هذه الحال التي يكون الناس عليها إنما هي تدريب وتأسيس لمنهج وطريق يمشي عليه الإنسان المؤمن حياته كلها..
لا مانع أن تتميز لكن تميز بإيمانك ولا شيء غير الإيمان ، لا مانع أن تتفوق لكن تفوق بعملك الصالح ولا شيء غير العمل الصالح ذلك أن الله تعالى يقول: ««إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»» .
وفي الختام أقول:
يوم عرفة لأهل عرفات مباهاةٌ ونفحاتٌ ورحماتٌ وبركاتٌ تبلغ من الأرض إلى عنان السماء ..
ويوم عرفة لنا في بيوتنا وفي بلادنا أفضل أيام الدنيا نصومه تطوعاً لله عز وجل نحتسبُ معه الفضل الكبير والثواب العظيم من الله رب العالمين ..
عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل عن صيام يوم عرفة فقال:
««يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالسَّنَةَ القَابِلَةَ»» .
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الحج والعمر، وأسأله سبحانه وتعالى أن يبلغنا جميعا يوم عرفة، وان يجعلنا جميعا من عتقاء يوم عرفة إنه ولي ذلك ومولاه وهو الى كل شيء قدير.
محمد سيد حسين عبد الواحد
إمام وخطيب ومدرس أول.
- التصنيف: