يحرمُ شرعاً كتابةُ آيات القرآن الكريم على كعك المناسبات

منذ 2015-10-07
السؤال:

نُشرت على بعض مواقع “الفيسبوك” صورٌ لاحتفال افتتاح مسجدٍ جديدٍ في مدينة القدس، صور لكعكة ”تورتة” طُبع عليها الصفحتان الأوليان من المصحف، سورة الفاتحة والصفحة الأولى من سورة البقرة،فما حكم الشرع في ذلك، أفيدونا؟

 

الإجابة:

أولاً:

شاهدتُ الصور المذكورة المتضمنة للصفحتين الأولييين من المصحف، سورة الفاتحة والصفحة الأولى من سورة البقرة، وإنه لمن المحزن أن يصل العبثُ والاستخفافُ بالقرآن الكريم إلى هذا الحدِّ من السفاهة، وهذه الفعلةُ المنكرةُ ما هي إلا استمرارٌ في مظاهر العبث بالقرآن الكريم، حيث سبق لبعض الخطاطين والرسامين أن رسم آيةً قرآنيةً على شكل رأس حصان، ورسم آخر جملاً بآية قرآنية، ورسموا بآيات القرآن الكريم أشكال حيوانات، وقام أحد سفهاء العابثين بكتابة عددٍ من الآيات الكريمات على جسده، وغير ذلك من أشكال وصور التلاعب بالقرآن الكريم.

ثانياً:

إن طباعة الآيات القرآنية ورسمها في الحالات السابقة وأمثالها يعتبر استخفافاً بالقرآن الكريم، "والاستهانةُ بالمصحف قد تكون أقوالاً، وقد تكون أعمالاً، والاستهانة العملية بالقرآن الكريم أن يفعل عامداً ما يتضمن احتقاراً أو استخفافاً بهذا القرآن، أو إسقاطاً لحرمته، ولهذه الاستهانة عدة أمثلة منها: أن يضع المصحف تحت قدمه، أو يلقيه في القاذورات، أو يسعى إلى تغييره وتبديله بزيادةٍ أو نقصانٍ…" (الموسوعة العقدية نقلاً عن موقع الدرر السنية).

ولا شك الاستخفاف بالقرآن الكريم يعتبر كُفْراً بإجماع أهل السنة والجماعة "أجمع أهل السنة والجماعة على كفرِ مَنْ استخفَّ بالمصحف واستهان به، سواء كان ذلك بالقول أو الفعل". 

ومن المعلوم بالضرورة لكل مسلم أنه يجب الإيمان بالقرآن الكريم، وتعظيمه وإجلاله، ولا شك أن الاستهانة بالمصحف تناقض هذا الإيمان بالكلية؛ لأن الإيمان خضوعٌ وانقيادٌ، والاستخفافُ إهانةٌ وإذلالٌ، ومحالٌ أن يجتمع هذان الضدان في قلب واحد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الانقياد إجلالٌ وإكرامٌ، والاستخفافُ إهانةٌ وإذلالٌ، وهذان ضدان، فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر، فعُلمَ أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد" (الصارم المسلول 3/969).

وأيضاً فإن الاستهانةَ بالقرآن استهانةٌ بمن تكلم به، وهو ربُّ العزة عز وجل، فمن فعل ذلك كان كافراً مباح الدم بإجماع المسلمين.
وقال القاضي عياض: "واعلم أن من استخفَّ بالقرآن أو المصحف، أو بشيءٍ منه، أو سبَّهما، أو جحده أو حرفاً منه أو آيةً، أو كذب به، أو بشيءٍ منه، أو كذب بشيءٍ مما صرح به فيه من حكمٍ أو خبرٍ، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شكَّ في شيءٍ من ذلك، فهو كافرٌ عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت الآيتان 41-42] (الشفاء2/304).

وقرر الإمام النووي أن الاستخفاف بالمصحف يعتبر من الأفعال الموجبة للكفر، والتي تصدر عن تعمدٍ واستهزاءٍ صريحٍ بالدِّين حيث قال: "والأفعالُ الموجبةُ للكفر هي التي تصدر عن تعمدٍ واستهزاءٍ بالدِّين صريحٍ، كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات" (روضة الطالبين 10/64).

وقال محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي: "مَنْ استخفَّ بالقرآن أو بالمسجد أو بنحوه مما يُعظَّمُ في الشرع كَفَرَ، ومَنْ وضع رجله على المصحف حالفاً استخفافاً كفر" (رسالة في ألفاظ الكفر ص 22).

 وعدَّ البهوتي الحنبلي من نواقض الإسلام ما يلي: "أو وجد منه امتهانُ القرآن، أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف، أو مقدور في مثله، أو إسقاط حرمته كفر" (كشاف القناع 6/137).

ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع المسلمين على كفر من استخفَّ بالمصحف، بقوله: "وقد اتفق المسلمون على أن من استخفَّ بالمصحف، مثل أن يُلقيه في الحَشِّ- محل قضاء الحاجة- أو يركضه برجله إهانةً له، أنه كافرٌ مباحَ الدم"(مجموع الفتاوى 8/425).

نقلاً عن الموسوعة العقدية موقع الدرر السنية، بتصرف.

ثالثاً:

أنزل الله تبارك وتعالى القرآن الكريم ليكون نوراً مبيناً يهدي الناس سواء السبيل، وجعله كتاب هداية ومنهاجاً للأمة ليسيِّر الناس على هداه قال الله تعالى:

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [سورة الإسراء الآية 9].

وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} [سورة الكهف الآيات 1-3].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [سورة يونس الآية 57].

وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء} [سورة الزمر الآية 23].

وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [سورة ق الآية 37].

وغير ذلك من الآيات الكريمات.

ولا شك أن تعظيمَ كتاب الله أمرٌ واجبٌ شرعاً في حق كل مسلم، ومن وقَّر القرآن الكريم، فقد وقَّر الله سبحانه وتعالى، ومن استخفَّ بالقرآن فقد استخفَّ بالله عز وجل، وقد أجمعت الأمة المسلمة على وجوب تعظيم القرآن الكريم، ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال والعبث.
ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: {ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سورة الحج الآية 32]. 

ويقول تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [سورة الحج الآية30].

قال الإمام القرطبي: "{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} الشعائر جمع شعيرة،وهو كل شيءٍ لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم…فشعائر الله أعلام دينه" (تفسير القرطبي12/56). 

وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "عظِّموا القرآن". (تفسير القرطبي1/29)

وقال الإمام النووي: "أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه" (التبيان في آداب حملة القرآن، ص 108).

رابعاً:

بحث المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة تعظيم كتاب الله عز وجل، ومما ورد في قراره:[بعد أن استمع المجلس إلى الأبحاث المقدمة في الموضوع المسئول عنه، والمناقشات المستفيضة في ذلك حوله، يؤكد على وجوب تعظيم كتاب الله واتباع هديه، والالتزام بمقاصده؛ فقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن ليكون موعظة وعبرة، وشفاءً لما في الصدور، وليهتدي به الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ويطبقونه في جميع أمور حياتهم، ويتلونه حق تلاوته تدبراً وتذكراً، ويسترشدون به في جميع شؤونهم، ويأخذون أنفسهم بالعمل به في كل أحوالهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57].

وقال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً} [الإسراء:82]. 

وقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت:44]. 

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [صّ:29].

ويؤكد المجلس أن على المسلمين أن يعرفوا لكتاب ربهم منزلته، ويقدِّروه قدره، ويجعلوا مقاصده نصب أعينهم، ويتخذوا منه ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مناراً يهتدون بهما. والمجلس إذ يذَّكر بهذا ليهيب بالمسلمين القيام بما يجب عليهم تجاه الآيات القرآنية من احترامها والمحافظة عليها من الامتهان والعبث]

وخلاصة الأمر أنه لأمرٌ محزنٌ أن يصل العبثُ والاستخفافُ بالقرآن الكريم إلى هذا الحدِّ من السفاهة بصنع كعكة ”تورتة” طبع عليها الصفحتان الأوليان من المصحف، سورة الفاتحة والصفحة الأولى من سورة البقرة،
وأن هذه الفعلة المنكرة ما هي إلا استمرارٌ في مظاهر العبث بالقرآن الكريم،وأن طباعة الآيات القرآنية ورسمها في الحالات السابقة وأمثالها يعتبر استخفافاً وامتهاناً للقرآن الكريم،
وأن الاستخفاف بالقرآن الكريم يعتبر كُفْراً بإجماع أهل السنة والجماعة سواء كان ذلك بالقول أو الفعل.
وأن تعظيم كتاب الله أمرٌ واجبٌ شرعاً في حق كل مسلم، ومَنْ وقَّر القرآن الكريم، فقد وقَّر الله سبحانه وتعالى، ومَنْ استخفَّ بالقرآن فقد استخفَّ بالله عز وجل، وقد أجمعت الأمةُ المسلمةُ على وجوب تعظيم القرآن الكريم، ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال والعبث.
وأن الواجب على الأمة المسلمة تعظيم كتاب الله واتباع هديه، والالتزام بمقاصده؛ فقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن ليكون موعظةً وعبرةً، وشفاءً لما في الصدور، وليهتدي به الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ويطبقونه في جميع أمور حياتهم، ويتلونه حقَّ تلاوته تدبراً وتذكراً، ويسترشدون به في جميع شؤونهم، ويأخذون أنفسهم بالعمل به في كل أحوالهم.

والله الهادي إلى سواء السبيل. 

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.