حكمُ ذكرِ الأشخاص بأسمائهم في خطبة الجمعة

منذ 2016-03-22
السؤال:

ما قولكم في خطيب جمعةٍ يذكر بعض العلماء والدعاة بأسمائهم أثناء خطبة الجمعة، ويقدح فيهم، ويتهجم عليهم؟

الإجابة:

 أولاً: لا بدًّ أن نعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة حتى يقتدي خطباءُ الجمعة بهديه صلى الله عليه وسلم، فخطبة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقريراً لأصول الإيمان، من إيمانٍ بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته فتملأ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً كما كان عليه الصلاة والسلام يعلم الصحابة في خطبه قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم…الخ.

وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ آياتٍ من القرآن الكريم في خطبته أحياناً سوراً من القرآن كسورة (ق)كما ثبت في الحديث عن أم هشام بنت حارثـة بن النعمان رضي الله عنهما قالت: «ما أخذت {ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ} إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كل جمعةٍ على المنبر إذا خطـب الناس» (رواه مسلم). وكان من هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام تقصير الخطبة وإطالة الصلاة فقد ثبت في الحديث عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة» (رواه مسلم). والمئنة هي العلامة.

وكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذرُ جيش. هذا بعض ما جاء في الهدي النبوي في خطبة الجمعة، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة ابن القيم يرحمه الله.

ثانياً: خطبةُ الجمعة وسيلةٌ هامةٌ من وسائل الدعوة إلى الله عز وجل، وقد شُرعت من أجل بيان أمور الإسلام، وتوجيه الناس إلى فعل الخيرات وتثقيفهم وتذكيرهم بأحكام الدين، وواجبُ خطيب الجمعة أن يكون داعيةً إلى الله على بصيرةٍ، وأن يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوته وقدوته، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [سورة الأحزاب الآية21].

ويجب أن يُعلم أنه ما كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر أسماء الأشخاص على المنبر، حتى لو فعلوا أمراً مخالفاً لسنته، بل كان يقول ما بالُ رجالٍ يقولون كذا وكذا، وما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا، وهذا الأمر وهو عدم تسمية الأشخاص بأسمائهم ثابتٌ في أحاديث كثيرة منها:

عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: «استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا مالكم وهذا أهدي إليَّ. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أَيُهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيءٍ إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته…» (رواه البخاري ومسلم).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أتتها بريرة تسألها في كتابها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ابتاعيها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق. ثم قام رسول الله على المنبر فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله! فمن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مئة شرط» (رواه البخاري).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «رخَّص رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمرٍ، فتنزه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ما بال أقوامٍ يرغبون عما رخص لي فيه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (رواه مسلم)، وفي رواية أخرى صححها العلامة الألباني: «ما بالُ رجالٍ بلغهم عني أمرٌ ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه؟ فوالله؛لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذا بلغه عن الرجل شيءٌ، لم يقل: ما يقول فلان؟ ولكن يقول: ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا؟» (رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني).

وعن أنس رضي الله عنه قال: «إن نفراً من أصحاب صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوامٍ قالوا: كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (رواه مسلم).

وما رواه البخاري ومسلم في قصة حادثة الإفك، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجلٍ قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت في أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما يدخل على أهلي إلا معي».

وعن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهر أفضل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، وقال مرة: الذرية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال قومٍ جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية» (رواه أحمد والدارمي والحاكم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني).

وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» (رواه مسلم). وغير ذلك من الأحاديث.

وكذلك كان كبار الصحابة رضوان الله عليهم يقتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في عدم تسمية الناس بأسمائهم، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعَـرَّض به عمر فقال: ما بال رجالٍ يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضاً؟ ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل". 

ثالثاً: من المعلوم أن منبر الجمعة ليس محلاً للتجريح والسب والشتم، وليس محلاً لتجريح الهيئات أو الجماعات، إلا عند بعض أشباه طلبة من أدعياء السلفية الإقصائيين، ومن سار على نهجهم، ممن تضيق صدورهم بالخلاف، حتى في مسائل الفروع، هؤلاء المطايا الذين يستعملهم أعداءُ الإسلام من حيث يشعرون أولا يشعرون، ليشوهوا العلماء والدعاة المشهود لهم بحُسن السيرة والعلم، هؤلاء المتسلقون إلى المناصب على حساب العلماء والدعاة، يتخذون السبَّ والشتم والتجريح وسيلةً للتسلق. هؤلاء يسلطون ألسنتهم القذرة على العلماء والدعاة، بينما نجد أن أعداء الإسلام من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين واليهود والنصارى يسلمون من ألسنتهم، هؤلاء ينطبق عليهم ما قاله إياسُ بن معاوية المُزني أحدُ سلف هذه الأمة المباركة، فعن سفيان بن حسين قال: "ذكرتُ رجلاً بسوءٍ عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والتُرك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الرومُ والسِّندُ والهندُ والتُركُ، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها" (البداية والنهاية لابن كثير 13/121).  وقال بكر بن عبد الله: "إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب النَّاس، ناسياً لعيبه، فاعلموا أنَّه قد مُكِرَ به" (صفة الصفوة 3/249).

وقال الإمام الشافعي:

إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى *** ودينك موفور وعِرْضُكَ صَيِنُّ

لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عوراتٌ وللناس ألسنُ

وعيناك إن أبدت إليك معايباً *** فدعها وقل يا عين للناس أعينُ

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى*** ودافع ولكن بالتي هي أحسنُ

وقال الإمام أحمد : "ما رأيت أحداً تكلم في الناس وعابهم إلا سقط"

وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}: "وهذا كله حضٌ على مكارم الاخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مُداهنةٍ، ومن غير أن يتكلم معه بكلامٍ يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدةٌ، فأقول لهم بعض القول الغليظ،  فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي". (تفسير القرطبي2/16).

"ومنهج تصيد الأخطاء والعياذ بالله ابتلى الله به بعض الناس من الذين لا همَّ لهم ولا عمل سوى تصنيف الناس والبحث عن زلاتهم وأخطائهم، ومعلومٌ أن كل من يعمل يخطئ ويقع منه هناتٌ، ولكن من لا يعمل لا يخطئ مطلقاً…قال الإمام الشعبي: لو أصبت تسعاً وتسعين، وأخطأت واحدةً، لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين. وفي تصيد الأخطاء والزلات لذاتها لا للإصلاح، طريقٌ غير سوي، يُنبئ عن قلة دينٍ وفسادِ قصدٍ وسوء طويةٍ والعياذ بالله". http: //www. ebnmaryam. com/vb/t199123. html

وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية عندما وصف أمثال هؤلاء بالذباب، إذ قال: "إنَّ بعض الناس لا تراه إلا مُنتقداً داءً، يَنسى حسنات الطوائف والأجناس، ويذكر مثالبهم، فهو مثل الذباب يترك مواضع البرد والسلامة، ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج" http: //islamport. com/w/amm/Web/2571/11136. htm

وصدق الشاعر أيضاً إذ قال:

شرُّ الورى بمساوي الناس مشتغلٌ *** مثل الذباب يُراعي موضع العلل

وخلاصة الأمر أن على خطباء الجمعة أن يقتدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة وليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر أسماء الأشخاص على المنبر حتى لو فعلوا أمراً مخالفاً لسنته، بل كان يقول ما بالُ رجالٍ يقولون كذا وكذا، وما بال أقوام يقولون كذا وكذا. وأن منبر الجمعة ليس محلاً للتجريح والسب والشتم، وليس محلاً لتجريح الهيئات أو الجماعات، إلا عند بعض أشباه طلبة من أدعياء السلفية الإقصائيين، ومن سار على نهجهم، ممن تضيق صدورهم بالخلاف.

وأنه ليس من منهج السلف ما يقوم به هؤلاء من الطعن في العلماء والدعاة على منبر الجمعة، وأن العلماء والدعاة لو أخطأوا فإن التشهير بهم على المنابر قبل مناصحتهم، منهجٌ بِدعيٌ بعيدٌ عن الصواب. وأن هؤلاء يسلطون ألسنتهم القذرة على العلماء والدعاة، بينما نجد أن أعداء الإسلام من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين واليهود والنصارى يسلمون من ألسنتهم ينطبق عليهم ما قاله إياس بن معاوية المُزني أحدُ سلف هذه الأمة المباركة لرجلٍ ذكر آخر بسوءٍ: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟!

والله الهادي إلى سواء السبيل. 

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.