حكم وسائل منع الحمل

منذ 2007-01-13
السؤال: ما حكم استعمال حبوب منع الحمل بالنسبة للمرأة المرضعة؟
الإجابة: إن الأصل هو منع استعمال كل ما هو مخالف لخلق الله ولصنع الله في خلقه، فالله تعالى أجرى سنته في خلقه أن النكاح سبب لوجود العقب والنسل، وأنه يطلب لذلك، وهذا أحد ست نيات ينويها المسلم إذا أراد عقد النكاح فينوي ست نيات:

النية الأولى منها: نية امتثال أمر الله تعالى في قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء 3].

والنية الثانية: امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"، وفي قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وإلا فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

والنية الثالثة: طلب النسل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية".

والنية الرابعة: إعفاف نفسه فهو واجب عليه، فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون]، وقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور 30].

والنية الخامسة: إعفاف الطرف الآخر، فهو من التعاون على البر والتقوى، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة 2].

والنية السادسة: بناء البيت المسلم الذي تقام فيه أحكام الشرع الموجهة إلى الأسرة، وهذه الأحكام لا يمكن أن تطبق إلا في آلتها، وآلتها هي الأسرة التي وجه الشارع إليها هذه الأحكام، وعلى هذا فإن طلب النسل هو مما يبتغى بالنكاح، وقد فسر به كثير من أهل التفسير قول الله تعالى: {فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة 187]، فقد قال كثير من أهل التفسير: {ما كتب الله لكم} هو النسل، وقالت طائفة أخرى هو ما يحصل للإنسان من الشهوة.

وعلى هذا فالأصل أن لا يحد النسل وأن لا يمنع، بل إتلافه في الأصل محرم، لأن الله سبحانه حرم وأد البنات، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله: "إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى بين حال المشركين الذين يقتلون بناتهم ويدفنونهن في الأرض قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل]، وقد بين الله سبحانه وتعالى كذلك ضرر قتل الأولاد فقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام 151]، وقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء31].

ومنع الحمل قريبٌ من هذا، فهو بمثابة الوأد الخفي.

لكن مع هذا قد تحصل ضرورة تقتضي تأخير الحمل كإرضاع ولد صغير يخشى عليه من الغيلة، والغيلة هي وطء من ترضع، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، ثم أذن فيها بعد ذلك لما سمع أن الروم يفعلونها فلا تؤثر على أولادهم فأذن فيها فدل ذلك على أن نهيه صلى الله عليه وسلم عنها لم يكن من قبيل التحريم وإنما كان من قبيل الاجتهاد في الأمور الدنيوية، فلما علم أن التجربة أثبتت عكس ذلك رجع عنه فأذن في الغيلة، والعرب كانوا يزعمون أن الغيلة تقتضي ضعفاً للأولاد، حتى ولو لم تنقص مدة رضاعهم، ويذكرون المغيل أي الصبي الذي وطئت أمه وهو في سن الرضاعة يذكرونه بالضعف، وقد قال امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعاً *** فألهيتها عن ذي تمائم مغيل

وعلى هذا فإن الأصل عدم منع الحمل مطلقاً.

وإذا اضطر إليه لسبب طبي فتلك نازلة بعينها يستفتى فيها، وأما استعمال الحبوب التي تمنع الحمل ففيه ضرر كبير على الأبدان لما يؤدي إليه من استمرار الاستحاضة ولأنه سبب لزيادة الإخصاب فيقتضي ذلك وجود التوائم، وهو سبب أيضاً لتغير لون الوجه، فكل ذلك ضرر للمرأة فلا يجوز استعمال هذه الحبوب لهذا الضرر، إلا إذا كان ذلك في نازلة بعينها وأفتيت فيها بخصوصها، وكذلك الحقن التي تمنع الحمل فيها ضرر كبير أيضا فهي تقتضي خروج الشعر في وجه المرأة كأن تنبت لها لحية أو شارب مثلاً، وهي سبب من أسباب سرطان الثدي، فلذلك فيها ضرر عظيم، ومثل ذلك استعمال الواقي الذي يستعمله الرجال ففيه أضرار كبيرة أيضاً لأنه يصنع من مادة البلاستيك وهذه المادة فيها أحماض وهي مضرة بداخل بدن الإنسان، وأيضا فكثيراً ما تكون فيه ثقوب لا ترى بالعين المجردة فيتسرب منها بعض السائل فيؤدي ذلك إلى حمل وإذا حصل كان مشكلة عويصة، لأن الزوج سيُنكر أن يكون الحمل منه لأنه لا يشعر أنه تسرب منه شيء، فكل ذلك يقتضي حرمة استعمال الواقي وهو العازل أيضاً.

وإذا احتيج لتأخير الحمل فيمكن أن يكون ذلك بالطرق الأخرى التي ليس فيها هذا الضرر كالعزل، فقد قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "كنا نعزل والقرآن ينزل"، وهذا إقرار من الله سبحانه وتعالى لهذا الأمر، لأنه كان في وقت نزول الوحي فلم يرد وحي بتحريمه، فهذا يدل على أن الله أقرهم عليه.

وكذلك الوقاية الطبية المعروفة وهي أن الرحم ينتج بيضتين كل عنق من عنقيه ينتج بيضة، فينتج هذا العنق بيضة وهذا العنق بيضة أخرى في الشهر القادم، وهذه البيضة إذا لم تلقح كانت هي الحيضة، وإذا لقحت فهي الحمل، وهي تنزل في اليوم الرابع عشر من بداية الدورة، فإذا عدت المرأة من بداية الدورة أربعة عشر يوماً فاليوم الرابع عشر منها بإذن الله هو الذي تنزل فيه هذه البيضة، وإذا نزلت تكون قابلة للتلقيح ثمانية وأربعين ساعة، فإذا امتنع الزوج عن الوقاع في هذه الفترة وهي ثمانية وأربعون ساعة فبإذن الله لن يقع حمل لأن هذه الفترة هي التي تكون البيضة فيها قابلة للتلقيح، وإذا لم تلقح استحالت حيضا فترجع دماً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.

محمد الحسن الددو الشنقيطي

أحد الوجوه البارزة للتيار الإسلامي وأحد أبرز العلماء الشبان في موريتانيا و مدير المركز العلمي في نواكشوط.