حكم الصلاة في الجوامع التي فيها مقامات

منذ 2008-03-02
السؤال: بعض المتعصبين من المشايخ ينهون الناس عن الصلاة في "الحُسين"، وفى الجوامع التي فيها مقامات، نرجو أن توضح لهم خطأهم كي يعرفوا سماحة الإسلام؟
الإجابة: اعلم بارك الله فيك أن الله ابتعث جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعقيدة التوحيد، وأن يُعبد الله وحده، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، و(روى البخاري) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا أَوْلَى الناس بِعِيسَى بن مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" (والعلاَّت: أي الضرائر)، وفيه تشبيه الأنبياء بالإخوة من أب، وأمهاتهم شتى؛ أي أن عقيدتهم واحد، وشرائعهم مختلفة.

وهؤلاء المشايخ الذين ذكرت أنهم متعصبون: ينبغي أن تنظر فيما ينكرونه، وفيما يدعون إليه؛ هل هو موافق لدعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو مخالف، فإن كان موافقًا فلا يجوز لك رميهم بما ذكرت، بل يجب عليك أن تتوب إلى الله مما رميتهم به، وأن ترجع إلى الحق وتدين به، وبعد نظرنا فيما ذكرته عنهم رأينا أن إنكارهم صحيح، وأن اتخاذ هذه المقامات لايجوز، وإليك بيان ذلك:

أما بناء المقامات على القبور: فلا يجوز أن يُرفع القبر، ولا يُبنى عليه، ولا يجصص، وتجب إزالة كل ذلك؛ فعن ثُمَامَةَ بْنَ شُفَىٍّ قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوى، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها" (رواه مسلم)، وروى مسلم أيضًا عن أبى الْهَيَّاجِ لأَسَدِىِّ قال: قال لي على بن أبى طالب رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً، إلا سويته"، وروى مسلم أيضًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه".

وعن القاسم بن محمد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا لاطئة ولا مشرفة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء" (أخرجه أبو داود)، وعن عثمان أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه أمر بتسوية القبور، وأن ترفع من الأرض شبراً (رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة) في مصنفيهما، وورد هذا المعنى عن عدد من السلف؛ كالحسن البصري، وأبي مجلز، وغيرهما؛ انظرها في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة والمحلى لابن حزم وغيرها.

قال الإمام الصنعاني: "وهذه الأخبار المعبر فيها باللعن والتشبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري وثناً يعبد من دون الله"، تفيد التحريم للعمارة، والتزيين والتجصيص، ووضع الصندوق المزخرف، ووضع الستائر على القبر، وعلى سمائه، والتمسح بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان؛ فكان في المنع عن ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام، من جلب المصالح ودفع المفاسد، سواء كانت بأنفسها أو باعتبار ما تفضي إليه" .

وقال الإمام ابن القيم : " ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور ولا بناؤها بآجر ، ولا بحجر ولبن ، ولا تشييدها ، ولا تطيينها ، ولا بناء القباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهة ، مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم"، أما بناء المساجد على القبور: فمن المحدثات المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه، وإجماع أهل السنة، وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد ولعن فاعلها ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها في (الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، ومنها حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه عند (مسلم) قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: إن مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".

وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): "وفائدة التنصيص على زمن النهي، الإشارة إلى أنه من الأمر المحكم، الذي لم ينسخ؛ لكونه صدر في آخر حياته"، ومنها عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (متفق عليه).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك"، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسوية القبر وإما بنبشه وإن كان جديداً، وإن كان المسجد بني بعد القبر، فإما أن يزال المسجد، أو تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه".

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد في هدي خير العباد): "وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً لم يجز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجداً، أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه بين الناس كما ترى".

قال ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر): "الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها".

والخلاصة: أنه لا يجوز زيارة الأضرحة والمقامات، ولا الصلاة عندها؛ للأدلة السابقة، ولأنها أماكن يعصى الله فيها غالباً، بل ويكفر فيها بالله تعالى، بدعاء الولي والذبح والنذر له والاستغاثة به ... إلى غير ذلك، ولما يترتب على زيارتها من مفاسد تعود على الزائر، وننبه الأخ السائل إلى أن الذي ذكرناه هو الحق الذي لا شك فيه، والموافق لما جاءت به نصوص الشرع، وهو قول أهل السنة قاطبة، ولم يخالف إلا أهل البدع، أو من يجهل الأحكام الشرعية، وننصحك بالاطلاع على كتاب "الإبداع في مضار الابتداع"، للشيخ علي محفوظ من علماء الأزهر، وكتاب "تحذير الساجد عن اتخاذ القبور مساجد" للشيخ الألباني والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع الآلوكة.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام