لباس النساء للألبسة الضيقة

منذ 2008-04-03
السؤال: سائل يسأل عن حكم لبس المرأة للثياب الضيقة التي تبرز مفاتنها، ويظهر معها حجم أعضائها وتقاطيع بدنها، وكذا الثياب الرقيقة التي تصف بشرتها ونحو ذلك، مما هو مستورد من بلاد الأعاجم، ويعتبر لبسه من التشبه بهم. فهل يحل للمرأة أن تلبس مثل هذا اللباس، وهل يحل لوليها أن يمكنها من لبسه؟
الإجابة: الثياب المستوردة من الخارج أنواع؛ فما كان منها بهذه الصفة التي شرحتها بسؤالك، فهو مما لا يحل للمرأة لبسه والخروج به أمام الرجال؛ لأن المرأة عورة، ومأمورة بالاحتجاب والتستر، ومنهية عن التبرج وإظهار زينتها ومحاسنها ومفاتنها لغير زوجها، قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} الآية (1)، وقال تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} إلى آخر الآية (2)، وقال تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} (3).

وهذا اللباس -مع ما فيه من التشبه المذموم- ليس بساتر للمرأة، بل هو مبرز لمفاتنها، ومُغْرٍ لها، ومُغْرٍ بها من رآها وشاهدها، وهي بذلك داخلة في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رءوسهن أمثال أَسْنِمَة الإبل، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس" (4).

وقد فُسر الحديث بأن تكتسي المرأة بما لا يسترها، فهي كاسية، ولكنها في الحقيقة عارية، مثل أن تكتسي بالثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي مقاطع خَلْقها؛ مثل ثدييها وعجيزتها وساعدها ونحو ذلك؛ لأن كسوة المرأة في الحقيقة هو ما سترها ستراً كاملاً، بحيث يكون كثيفا، فلا يبدي جسمها، ولا يصف لون بشرتها؛ لرقته وصفائه، ويكون واسعاً، فلا يبدي حجم أعضائها، ولا تقاطيع بدنها؛ لضيقه، فهي مأمورة بالاستتار والاحتجاب؛ لأنها عورة، ولهذا أُمِرَت أن تغطي رأسها في الصلاة، ولو كانت في جوف بيتها، بحيث لا يراها أحد من الناس، فدل على أنها مأمورة من جهة الشرع بستر خاص، لم يؤمر به الرجل، حقاً لله تعالى وإن لم يرها بشر.

وستر العورة واجب لحق الله تعالى، حتى في غير الصلاة، ولو كان في ظلمة، أو في حال خلوة، بحيث لا يراه أحد، وحتى عن نفسه، ويجب سترها بلباس ساتر لا يصف لون البشرة؛ لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله؛ عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك، إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم مع بعض؟ قال: "فإن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: "فالله تعالى أحق أن يُستحيا منه" رواه أبو داود (5).

وقد نص الفقهاء رحمهم الله على النهي عن لبس الرقيق من الثياب، وهو ما يصف البشرة، أي: مع ستر العورة بالسترة الكافية في حق كل من الرجل والمرأة، ولو في بيتها، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، كما صرحوا بالمنع من لبس ما يصف اللِّين والخشونة والحجم، وكما صرحوا بمنع المرأة من شد وسطها مطلقاً؛ أي سواء كان بما يشبه الزِّنّار أو غيره، وسواء كانت في الصلاة أو خارجها؛ لأنه يبين حجم عجيزتها، وتَبِين به مقاطعُ بدنها. قالوا: ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها؛ لأنه يَبِين به تقاطيع بدنها، فتشبه الحزام. وهذا اللباس المذكور أبلغ من الحزام وضمِّ الثياب حال القيام، وأحق بالمنع منه بالاتفاق.

وبهذا يظهر أنه لا يجوز للمرأة لبس هذه الثياب المذكورة في السؤال، والخروج بها أمام الرجال، وعلى ولي أمر المرأة منعها من ذلك، وعدم تمكينها من لبسها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع، ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده، ومسئول عن رعيته، فكلكم راع، ومسئول عن رعيته" (متفق عليه، من حديث ابن عمر) (6)، والله المستعان.

___________________________________________

1 - سورة الأحزاب: الآية (59).
2 - سورة النور: الآية (31).
3 - سورة الأحزاب: الآية (33).
4 - مسلم (2128)، وأحمد (2/355، 356، 440)، والبيهقي (2/234).
5 - أحمد (5/ 3، 4)، والترمذي (2794) وحسنه. وأبو داود (4017).
6 - البخاري (893، 2409، 2554، 2558، 7751، 5188، 5200، 7138)، ومسلم (1829) من حديث ابن عمر.

عبد الله بن عبد العزيز العقيل

كان الشيخ عضوا في مجلس القضاء الأعلى ومن هيئة كبار العلماء في المملكة. توفي رحمه الله عام 1432هـ .